معرض الرياض للكتاب يسقط المحظورات

كتاب بعنوان «علم اجتماع المثلية الجنسية»، في معرض الرياض الدولي للكتاب، حيث عرضت أعمال في عدة مواضيع كانت تعد من المحرمات مثل العلاقة الحميمة والعلمانية والسحر (أ ف ب)

بالتزامن مع حملة إصلاحات اجتماعية، شهد معرض الرياض للكتاب انفتاحا غير مسبوق، وتراجعا في الرقابة في المملكة العربية السعودية.

وبات لدى الطبيب الأردني محمود القدومي حرية أكبر في اختيار كتب «جريئة»، خلال تسوقه بالمعرض، وفق «فرانس برس».

فضمت الرفوف كتبا عن العلمانية والصوفية والمسيحية والمثلية وروايات سياسية وأخرى عن السحر، وغيرها من الموضوعات، التي ظلّت محظورة لعقود في المملكة المحافظة.

نظمت الرياض معرضها السنوي للكتاب على مدار عشرة أيام هذا الشهر وشهد مشاركة نحو 1000 ناشر من 30 دولة بحسب منظمي المعرض.

وقال القدومي، الذي يعيش في الرياض منذ 10 سنوات، إنّ «المعرض يشهد تغييرا جذريا وجرأة وحرية أكبر للاختيار»، بعد أن كان يشهد رقابة لصيقة تستبعد موضوعات لا تتناسب مع الشريعة الإسلامية بحسب تقييم السلطات المعنيّة.

أعرب القدومي عن «دهشته»، وقال: «هناك كتب وروايات متوفرة عن الصوفية وهو أمر مخالف لما كان سائدا لعقود طويلة»، وفي إشارة لرفع الرقابة على المطبوعات.

وتابع هو يدفع عربة تبضع تحمل عدة كتب «من المفيد أن أجد أراءً فكرية مختلفة عني تفتح الآفاق للاطلاع على معارف جديدة»، مشيرا إلى شرائه كتابا يروي قصة الخلق من وجهة نظر العلم فقط، وهو أمر غير مسبوق في المملكة التي تبنت لعقود تفسيرا متشددا للإسلام.

منذ أن أصبح الأمير محمد بن سلمان، نجل العاهل السعودي الملك سلمان، وليا للعهد في 2017، تشهد المملكة الثرية إصلاحات اقتصادية واجتماعية ودينية جذرية.

فسمح للنساء بقيادة السيارة وبتنظيم الحفلات الغنائية، ووضع حدّ لحظر الاختلاط بين الرجال والنساء. وقُلصت صلاحيات هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

انفتاح ثقافي
لكنّ هذه التغيرات ترافقت كذلك مع حملة قمع للمنتقدين والصحفيين والمعارضين، وخاصة الناشطات الحقوقيات.

وقال وزير الإعلام السعودي المكلّف، ماجد القصبي، إنّ «المملكة تعيش تحولا غير مسبوق والكتاب بلا شك في قلب هذا التحول.. الانفتاح وصل إلى الثقافة والكتاب».

وأكّد الوزير «لم يعد من الممكن حجب الكتب في زمن الكتب الالكترونية»، التي أوضح أن القراء يتناقلونها عبر الهواتف المحمولة.

وبحسب عضو لجنة كتّاب الرأي السعودية سعود الكاتب، فإنّ «سقف الحرية مختلف تماما» في دورة معرض الكتاب هذا العام مقارنة بالنسخ السابقة وآخرها في 2019.

في 2014، نقلت وكالة فرانس برس عن جريدة سعودية أن الجهة المنظمة للمعرض صادرت في تلك السنة أكثر من عشرة آلاف نسخة من 420 كتابًا.

واسترجع الكاتب وهو أحد مسؤولي تنظيم معرض الكتاب في جدة العام 2015، كيف كان مطاوعو هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر «يدخلون الفاعليات الثقافية ويحاولون وقفها وكذلك منع مشاركة النساء»، وهو ما قال إنّه بات «شيئًا من الماضي».

وفي خضم التغييرات الأخيرة في المملكة، خسرت الشرطة الدينية الكثير من نفوذها وتقلصت صلاحيتها إلى حد بعيد بعدما كانت تجوب الطرقات والمراكز التجارية وتفرض على السكان إغلاق أعمالهم اثناء فترات الصلاة.

وقال مدير دار الحلم المصري الناشر إسلام فتحي الذي يشارك سنويا في معرض الرياض: «هذا العام أحضرنا كتبا لم نكن نفكر حتى في طرحها في السعودية».

وأوضح أنّ على رأسها «روايات الأدب الروسي التي كانت ممنوعة بسبب واقعيتها وانحيازها للطبقات العاملة والفقراء»، فيما بدت وراءه روايات ديستوفسكي وتولستوي على الرفوف البيضاء.

كما عرضت الدار أيضا روايات سياسية تتحدث عن قمع الأنظمة وأساليب تحكمها في الشعوب مثل روايتي «مزرعة الحيوانات» و«1984» للكاتب الإنجليزي جورج أورويل.

أين الرقابة؟
أفاد ثلاثة شباب سعوديين في المعرض بأنّ الكتب الممنوعة كانت تصلهم سابقا، عبر التهريب، لكنها أصبحت متوفرة الآن.

ولم يلق هذا الانفتاح سوى معارضة محدودة، عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فغّرد مستخدم على تويتر كاتبا «مُحتوى مُخجل»، فيما سأل آخر «أين الوعي؟ أين الرقابة؟».

ورأى الشاب السعودي عبد العزيز التركي الذي كان يرتاد مقهى في الرياض أنّ «بعض الكتب المطروحة صادمة ولا تتناسب أبدا مع الموروث الثقافي للبلاد».

وأكد أربعة ناشرين أن قوائم الكتب التي أرسلوها للسلطات تم الموافقة عليها كاملة. لكن رغم الانفتاح الواضح، أبدى بعض الناشرين حذرا.

وقال مسؤول في دار نشر لبنانية فضّل عدم ذكر اسمه: «سابقا كان هناك تشدد كبير في دخول الكتب. كانت تعرض على وزارة الإعلام لبيان إذا كانت توافق الشريعة أم لا».

وتابع: «الآن نجلب كتبا أكثر انفتاحا لكن بحدود، إذ بات لدينا رقابة ذاتية. لا أحد يريد المخاطرة حتى لا يتعرض لخسائر مادية كبيرة» إذا صودرت شحنات الكتب.

وقال مسؤول آخر في دار نشر مصرية: «لا يزال هناك تخوف لدينا لأن بعض الأمور غير واضحة وهو ما يدفعنا لممارسة رقابة ذاتية».

وأوضح أن أشخاصا صادروا نسخا من كتاب «خطة الله في إدارة الكون» دون أن يقدّموا أسبابا.

المزيد من بوابة الوسط