18- من أدبيات رسائل الفاخري

الحلقة 18 من رسائل الفاخري

18- من أدبيات رسائل الفاخري

«نلت كفايتي من كل شيء»

عدت إلى القاهرة، قبيل نهاية شهر يونيو، كان حينها أخونا المرحوم ونيس الدرفيلي، في المستشفى. أما شقة جنقي، فكانت -كالعادة- وكأنها منتدى ليبي، لدرجة أنه ليلة وصولي، قضيتها في فندق قريب من الشقة، فقد كانت غرفتي شاغرة بصديق جاء بعمه لمراجعة طبيب! بعد أيام أعطاني جنقي مظروفاً وقال لي: «أنها رسالة لك، فأنا ليس لديّ ما أهديك سوى كلمات، تذكرني بها ذات يوم..». قلت له: «يا أخي أراك متشائما تكرر في مساءلة الموت وكأنه يتربص بك.. خليها على الله». ثم ألم تقل أنك «نلت كفايتك من كل شيء» وأضفت لك من عندي: «والباقي غباوين نار تأكله!».

حينها لم أستطع قراءة الرسالة فلقد امتلأت الصالة، وأصبحت تناسب أي سلوك سوى أن تقرأ أي شيء، فما بالك برسالة بخط جنقي. اليوم التالي صحوت مبكراً وقرأت الرسالة، كانت من ثماني صفحات، استهلها بتحية، وضعها ما بين قوسين: «خير يا خويا» وهي ما أحيي به رفاقي، حتى الآن. إليكم الرسالة:
«أخي الحبيب محمد .. خير يا خويا ..»
هآنذا أرصف لك فسيفساء الكلمات!

إن الأمر يبدو كمن ينتقي النجوم الأشد بريقاً من السماء، ويحاول أن يحصيها !! إنني أحتسي الآن (إبريق) قهوة الصباح (الباكر)، جالساً إلى مكتبي الذي يقع -كما تعلم- عند النافذة المطلة على (الخربة)! يتفصد جبيني وإبطاي عرقاً -كالعادة- كلما شرعت في الكتابة!

لا أدري لماذا؟

ربما من شدة الرهبة التي تتملكني دائماً حين أمسك بالقلم! أجفف عرقي، وأتطلع عبر النافذة إلى فناء تلك المدرسة المواجهة حيث يتراكض التلاميذ خلف الكرة في بهجة غامرة، لكن بعضهم تحجبهم عني أشجار الكافور العملاقة قرب السور.

على جانبي (الخربة) بنايتان مهترئتان مهجورتان، لا أستطيع بسببهما أن أرى سوى جزء قصير من الطريق العام عند سور المدرسة. حارس السيارات هناك يعدو بين الرصيفين لكي يلاحق من أجل أجرته، تلك السيارة التي ستقف، أو هاتيك التي تهم بالتحرك!

لسوء الطالع، حين تمرّ فتاة أو سيدة جميلة على الرصيف الأقصى يحجبها عنك المترو، أو حافة متباطئة، ولا يبقى أمامك سوى (الخربة)! ثمة رجل يرفع جلبابه هناك ملتصقاً بالجدار المسود من أثر التبول! بعيداً، على يساري، حيث أجلس إلى المكتب، هناك مأتم في إحدى شرفات تلك العمارة!

الناس يتباكون، ويواسون بعضهم البعض، والنساء مجللات بالسواد!! إنه لفرط مقاساتي أكاد أسمع نشيجهم !!

أمامي -حيث أكتب- أتطلع، بين حين وآخر، إلى نافذة (المنور) المظلم و(الخربة) المبْولة كما لو أني سلحفاة مقلوبة على ظهرها ! أنا لا أرى الأكياس الملقاة، ولكنني أسمع صوت ارتطامها بالأرض.

الأرض؟ آه أمنا الأرض. إنها رغم البراكين، والزلازل، والأعاصير، إلا أنني أشعر أن قدمي مزروعتان بها مثل جذور شجرة بلوط! لا لشيء إلا من أجل عيون الناس، والربيع، والحلم الدائب بأن أكون ذا جدوى للآخرين ذات يوم!

لقد أنفقت سنين طويلة، لكي أدرك أن الكلمات النابضة المدّ لا تعرف المساومة، أو الابتزاز، أو التزلف. إنها تعطي ضوؤها كاملاً، مثل سيدتنا الشمس.

لذا ظلتّ أهدابي دائماً معقودة بالسماء: بأقواس الفرح، بالنجوم البراقة، والألوان، والسحابات الريشية، والضوء المنهمر الدافق عبر الليل والنهار!

وبدا الأمر كما لو أنني مشدود مثل حبل بين السماء والأرض، ولا أدري -حين ينقطع- هل أكون هنا أم هناك؟. يقول سيدنا عمر بن الخطاب: «اكتف بما يكفيك من الكفافْ، فإن من لم يكفه الكفاف، لم يُغْنه شيء». لكنما الجوع الشره إلى الأعالي، إلى السماء، إلى الانعتاق لا يجدي معه الرضا بالكفاف! ومن هنا تبدأ مسيرة قلقك المتصل طوال العمر القصير، المليء بالمتاعب!

أنت تودّ أن تكون شجرة أصلها ثابت، وفرعها في السماء -كما يقول القرآن الكريم- لكن الآخرين يريدون لفرعك أيضاً، أن يكون في هذه الأرض التعسة: 

«لا تقترب: ممنوع! فأنت إن أحببت حكم القانونْ، عليك بالجنون!». أنت تعرف أن الرسام (فان جوخ) قد قطع إحدى أذنيه، وأهداها لإحدى المومسات حين أخبرته أن أذنيه جميلتان! في هذا الجسد الفاني: أذن واحدة تكفي!!. وأخيراً مات في مصحة عقلية بعد أن أطلق الرصاص على رأسه! ولقد ترك (بول جوجان) حين مرض زوجته وأطفاله في باريس- بعد أن كان رجل أعمال ثرياً هناك، وهاجر إلى جزر تاهيتي بعد أن تمكنت منه موهبة الرسم. في أخريات أيامه، حين مرض، تطوع المواطنون البدائيون، لعلاجه بحرق أصابع يديه وقدميه، لكي يخرج الشيطان من جسده. مات محترقاً، دون أن يبيع لوحة واحدة، ودون أن يرى أطفاله!! ومات المتنبي مقتولاً، ومات بشار تحت ضربات السياط، ومات الحلاج مصلوباً. وغير ذلك كثير.

أنت ترى أن التعلق بسماوات الله الرحيبة العميقة، الصافية الزرقة قد تكلفك رأسك، أو لوثة الجنون، فضلا عن سوء الفهم، والتفاهم مع الآخرين، الآخرين المتطوعين لامتهانك! تخيل فقط أنك جالس في مأتم، واضعا رجلا فوق أخرى أثناء تلاوة القرآن. عندئذ، يتطلع نحوك المسلمون المتملْقون هناك بعين واحدة، مثلما تنظر أمك إلى حذاء مقلوب! إنه ازدراء بالمجان ! فما بالك حين تزرع رأسك في حقل النجوم!؟

 «أوزع نفسي في نفوس كثيرة *** وأحسو قراح الماءِ والماءُ باردُ»

أخي يا صديقي
إن الكتابة إليك أمر شاق، لأنك حزمة من الرجال الرائعين في رجل واحد. وبقدر محبتي لك، بقدر ما أشفق عليك. فأنت كما قال «عروة بن الورد» أوزع نفسي في نفوس كثيرة *** وأحسو قراح الماءِ والماءُ باردُ»

لقد بدأ تعلّقك بالسماء منذ أن تطوعت للتدريس بمدرسة العمال الليلية، ثم انسحب ذلك على كل مراحل حياتك، بحيث أصبحت مسؤولاً -مسؤولية كاملة- عن كل أفراد عائلتك، وأهلك، وأصدقائك، وحتى من لم تعرفهم جيداً. لقد قدمت العون لكل الناس، بالرغم من أنك تواجه كثيراً من الجحود والنكران من لفيف من البشر أمثال ابن نوح، أو صديق المسيح: يهوذا، أو زوجة الكاتب الروسي العظيم (تولستوى) الذي تبرع بكل مزارعه للفلاحين البسطاء العاملين هناك، أو أم الشاعر ابن المعتز التي قتلته مسموماً لكي يتولى أخوه الحكم من بعده! كانت ولاية ابن المعتز في الحكم أقصر ولاية في التاريخ، إذ استمرت ليلة واحدة ! فما بالك ببعض الغرباء المتطوعين أبداً لإيذاء الانسان؟

لكن الحب الذي يعمر قلبك، الحب العميق الخاص هو ما يرفعك إلى سماوات الله الرحيبة، والفن -إذا لم يكن منطويا على مثل هذا الحب- لا يرفعك إلا إلى شقتك المطلة على المبْولة!

«اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون»

أنا -مثلك- نلت كفايتي من كل شيء: من الفقر والغنى، من الحب والأذى، من الضياع والهدى، من الظلم والإنصاف على السواء! إنني لا أود الآن، إلاّ أن أعيش بقية أيامي في هدوء وسكينة! لكن لا أحد يتركك لشأنك. إنهم يجذبونك بكل قواهم من السماء، من حلمك القديم بأن تكون هناك! يجذبونك إلى (الخربة – المبْولة) ثم يشرعون في تقريعك كما لو أنك يهوذا! يحاولون، جهدهم، أن ينزعوا من قلبك كل الحب، لا لشيء إلا أن تكون مثلهم، أن تجاريهم في المقت، وحب الذات إلى حد العبادة (ومن بعدي الطوفان)!!

لكن حبك أكبر منهم جميعاً حتى أنك تهمس في ضراعة -مثل نوح- : «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون».

«توحّدْ، فإن الله واحد»

أخي إحميده
إن ثروة الإنسان الحقيقية هي حبه، وكرامته، وإيمانه بكل شيء نبيل! لكننا- أحياناً- نقدم بعض التنازلات الحمقاء لمراعاة أشياء كثيرة، ربما تكون أكثر حماقة!! يقول أحد المتصوفين: «توحّدْ، فإن الله واحد» فليس ثمة من يستطيع أن يأكل، أو يشرب، أو يتبول من أجلك!. لا أحد يفكر بدلا منك، أنت وحدك الذي يقوم بكل ذلك. لذا من الخطأ الذريع أن أمحو ذاتي في سبيل أحد ما، أو أي شيء !!

ذات يوم دعا الرئيس (كينيدي) كل الأميركيين الحاصلين على جائزة (نوبل) لتناول العشاء معه، في البيت الأبيض. لكن الكاتب الكبير «وليام فوكنر» - المشهور بعزلته- اعتذر قائلاً في برقيته: «إن سني لا تسمح لي بقطع كل هذه المسافة لتناول العشاء من أناس غرباء»!

أنا لا أريد أن أبدو مثل واعظ أحمق لكنني -إذ أكتب إليك- أكتب لنفسي كذلك. يقول الله تعالي: «إليه يصعدُ الكلمُ الطيب».

أخي الحبيب.. لقد وقفت بجانبي دائماً، وشددْت من أزري باتصال، وكنت لي أبداً أخاً، رفيقاً ومسعفاً مثلما كنت للآخرين -بلا مُواربة- أباً حنوناً، وأما رؤوماً ، وكان حبك العظيم هو الذي يقود قدميك عبر كل الأبعاد.

فليرعك الله بعينيه معاً، وأن يعانقك بجناحي محبته، وأن يكون كريماً إلى حد البذخ في إعزازك، وأنا على يقين بأنه يود ذلك بكل إرادته الجليلة، لأنك حقيقي وجدير بكل شيء طيب، ونبيل، وجميل، ودافئ. أطال الله عمرك، ومتعك بصحة وافرة، وأبقاك لأخيك المحب:

القاهرة : 12/6/1990 توقيع خليفة الفاخري

ص.1
ص. 2
ص.3
ص.4
ص.5
ص.6
ص.7
ص.8

المزيد من بوابة الوسط