خيري الراندي: تاريخنا ظل أسير النظرة الأوروبية التي كتبها الرحالة والمستشرقون

خيري الراندي وكيل وزارة الثقافة والتنمية المعرفية (بوابة الوسط)

يشتمل الفعل الثقافي على تفاسيره ومفرداته العديدة ويشكل في سياقه العام تراكمًا يمتاح من التاريخ والجغرافيا والمنجز الإنساني، مانحًا لهذه الأبعاد مغزاها الوجودي، وبالانتقال من النتاج الفردي الخالص إلى الشكل المؤسساتي يصبح السؤال: كيف يفهم العمل الثقافي وكيف يتحقق تمثله المطلوب بين المجتمع والكاتب والمؤسسة؟

وفي ليبيا التي تعايش أحداثًا تتهدد استقرارها، كان ينبغي معرفة دور حكومة الوحدة الوطنية في تلافي هذا الخطر، وبذا كان الحوار مع خيري الراندي وكيل وزارة الثقافة والتنمية المعرفية.

ما الرؤية التي تعمل على تنفيذها وزارة الثقافة في مرحلتها الموقتة؟
الحديث عن التنفيذ أو التطبيق لرؤية ما، يستلزم الدعم المادي المتمثل في الميزانية التي تأخر اعتمادها، لكن ما يمكن ملاحظته في هذا الجانب، أن وزارة الثقافة على مدى عمر الحكومات السابقة لا تمنح التخصيصات المالية اللازمة لسير عملها بالشكل المطلوب ويتم التعامل معها ككيان وزاري أقل أهمية مقارنة بنظيراتها في التشكيل الحكومي، في حين يتوجب النظر إليها كوزارة سيادية؛ بل وتتجاوز في أهميتها بعض الوزارات، فهي الممثل الرئيس لواجهة البلد وذاكرته وهويته بكل ما تشمله من أبعاد؛ إذ لا معنى لوطن بلا ذاكرة.

يتعلق هذا أيضًا بفهم وإدراك معنى الثقافة بالنسبة للوزارة الممثلة لها؟
هذا يقودنا للحديث عن الرؤية في السؤال السابق؛ إذ ليس من أولويات وزارة الثقافة إقامة الأمسيات أو الفعاليات الثقافية..الخ في وطن وصل فيه التشظي لمنزلق خطير، يهدد كيانه وتماسكه، بسبب الحروب والنزاعات، لذا ارتأينا أن نحدد منطلقاتنا باستراتيجيات، تعالج المسألة بصورة أعمق وهو تعزيز مفهوم الهوية الليبية، بإطلاق مبادرة تشرف عليها وزارة الثقافة، تُعنى بكتابة التاريخ الليبي برؤية ليبية، بسبب أن تاريخنا للأسف ظل في جزء منه أسير النظرة الأوروبية التي كتبها الرحالة والمستشرقون والبعثات الدبلوماسية، فكانت نظرتهم لبلداننا بصيغة السيد والتابع، كما أشاراتهم لثقافاتنا المحلية توحي بعدم البناء عليها كرابط جامع.

هذه الرؤية تستدرك أيضًا خطورة الخطاب الجهوي أو القبلي أو المناطقي الذي نسمعه بين حين وآخر مثل الفدرالية، وإقليم طرابلس..إلخ، وتحاول أن تتجه إلى استثمار التنوع الثقافي والذي يتضمن العادات والتقاليد واللهجات باعتباره رافدًا ومجسدًا للهوية الليبية الجامعة.

ومن ذلك كانت لنا لقاءات مع أساتذة التاريخ بالجامعات الليبية، للحديث عن هذا الموضوع وتدارس وجهات نظرهم بالخصوص، ولا نزال في مرحلة التداول لهذا المقترح كمسار تمهيدي.

كذلك نطمح لإعادة قراءة وإصدارات الكُتَّاب الذين تناولوا مفهوم الكيان والهوية في نتاجهم سواء من جيل الرواد مثل عبدالله القويري والجيل اللاحق لهم، بالإضافة إلى أننا نعمل على طباعة الأعمال الكاملة للشاعر علي الفزاني وهو خطوة أولية لأسماء شعرية يتوجب الاهتمام بنتاجها ونشره في صورة الديوان الجامع، وهو امتداد للفكرة الأم المعنية بترميم الذاكرة الثقافية لهذا البلد.

ولكن الرهان يبقى في تطو واستمرارية هذا المشروع في حالة رأى النور، خصوصًا وأن المؤسسات الليبية تبدأ بأفكار وتصورات كبيرة ثم تنتهي إلى اللاشيء؟
نعم، ظلت ثقافة الانقطاع ملازمة لعمل المؤسسات والهيئات والوزارات لعقود طويلة، وظللنا بالتالي نجني تبعاتها، للأسف كل مسؤول يأتي يلغي أي خطوات أو برامج زميله السابق، نحن مشدودون دائمًا بالنقطة صفر أو بالبدايات، ونتج عن ذلك ثقوب وفراغات كثيرة في مسار العمل الثقافي أو الاقتصادي..إلخ، ولكي لا يحدث ذلك اقترحت على ديوان الحكومة تشكيل لجنة أو هيئة عليا دائمة تضم أبرز النخب الثقافية، تشرف بشكل دائم على الرؤية الاستراتيجية الموضوعة من وزارة الثقافة بخصوص الهوية الثقافية ولا تلغى بإقالة حكومة أو بقائها، خصوصًا ونحن نتحدث عن مراحل تحتاج لعقود لكي تفرز نتائجها ونرى ملامحها.

ما الوزارات أو الهيئات المتعاونة معكم في برامجكم الحالية؟
المفترض أن يكون هناك تعاون مع وزارة التعليم، ووزارة السياحة، وأي وزارة أخرى تستدعي الحاجة للعمل معها، ولكن للأسف ونتيجة للترهل الإداري والبقاء في ذات المستنقع من البيروقراطية الإدارية، والروتين الوظيفي الذي يفتقد روح العمل في الوزارات المذكورة والثقافة ليست استثناء من ذلك، ولأسباب يطول شرحها، يبقى هذا التعاون مفقودًا.

أصدرت حكومة الوحدة مؤخرًا قرار نقل تبعية الهيئة العامة للمسرح والخيالة لوزارة الثقافة، ما خلفية هذا الضم؟
من الطبيعي أن تكون تبعية الهيئة العامة للخيالة والمسرح والفنون لوزارة الثقافة، فصميم عملها يصب في جوهر النشاط الثقافي للوزارة، ومن ذلك يجب أن يضم إليها أيضًا، مصلحة الآثار، وجهاز المدن التاريخية، فهي أجنحة رئيسة ورافد حيوي لعملها ويتماهى وجودها لمنظومة الدائرة الإدارية لها.

شاركت الوزارة مؤخرًا بعدد 800 عنوان في معرض القاهرة للكتاب، وهو رقم متواضع، مقارنة بوضعها كممثلة للمنجز الكتابي الليبي؟ إضافة إلى الارتباك المصاحب لترتيبات الذهاب والعودة بشكل عام خلال الدورات السابقة؟
لا تزال المشاركة الليبية واقعة اختياراتها في دائرة الشللية من المعارف والأصدقاء، كذلك عدم وضع خطة وزارية تدرس النتائج المرجوة من الذهاب لهذا المعرض أو ذاك، وما يمكن ملاحظته أيضًا تهميش العاملين في المراكز الثقافية التابعة للوزارة خصوصا في المناطق النائية، وقد التقيت ببعض موظفي هذه المراكز من فئة الشباب الذين يمتلكون ورؤية وفكرًا وفهمًا عميقًا لآليات العمل الثقافي، فلماذا لا يتم تشجيعهم وإدراجهم في قوائم الوفود المشاركة بتلك الفعاليات، أولًا لتعزيز شعور الانتماء لوزارتهم وأنهم جزء فاعل في منظومتها الوظيفية، كذلك الدفع بدماء جديدة ترتفع بمستوى التمثيل الثقافي وتحسن من أدائه التنظيمي.

التقيتم الأيام الماضية بنخبة من الفنانين والمثقفين، ما فحوى هذا الاجتماع؟
استمعت لملاحظاتهم وهي في غالبها احتجاج على الأداء العام للوزارة، وغلبت أجواء المصارحة التي تبادلت فيها وجهات النظر معهم وتقبل انتقاداتهم وكذا إيضاح جوهر الأشكال في القصور الحاصل من جانبنا، وتضمن حديثهم المطالبة بنقابة عامة ووضع آلية لدعم الفنانين.

خيري الراندي وكيل وزارة الثقافة والتنمية المعرفية (بوابة الوسط)
خيري الراندي وكيل وزارة الثقافة والتنمية المعرفية (بوابة الوسط)

المزيد من بوابة الوسط