د. الهادي بوحمرة يكتب: رجل في دولتين

الهادي بوحمرة (الإنترنت)

كان يوم طرده من المدرسة يومًا فاصلًا في حياته، فبعد أن غضوا الطرف عن شغبه كثيرًا، ها هو مدرس اللغة العربية يحلف بأغلظ الأيمان أنه لن يدخل المدرسة ما دام فيها، فقد ضبطه للمرة الثانية وهو يدخن داخل الفصل.

بعد أيام من استلامه ملفه المدرسي، أعلن الجيش فتح باب قبول مجندين جدد، وجدها أبوه فرصة للتخلص منه، فقد أرهقته شكاوى الجيران.

شعر زملاؤه ومدرسوه وجيرانه بارتياح شديد، شقيٌ عنيفٌ نُزِع من الحي والمدرسة، تفككت بغيابه الشلة التي كانت تتربص بمن في أعمارهم، أكمل تدريبه، أصبح رجلًا يعتمد عليه، بنيته تجعل من الجندية المجال الأنسب إليه، أُعجب به أحد كبار منصة الشرف يوم التخرج، فاصطفاه لنفسه؛ ليكون سائقه وحارسه الشخصي.

حقيبة السيد
قع يومًا نظر زوجته عليه، وهو يدخل لحمل حقيبة سيده، شدت عضلاته المفتولة انتباهها، اختبرت كتمانه، فنجح. فكان الهدية التي طلبتها من زوجها. تفرغ لها، وملأ فراغها، وكان عند طلبها في حلها وترحالها، ظهرت عنده مواهب كادت تُطمس بين دفات الكتب، وقدرات كادت تضيع بالتسكع في شوارع المدينة. استغل دلال الزوجة على زوجها، فما لديه من مقاليد بيدها، أصبح منفذًا لقضاء حاجات، فسيده من كبراء الدولة، وهو لا يعصى لزوجته أمرًا، وهذا يكفيه وزيادة. أصبح بيته محجصا لأصدقاء طفولته ومعارفهم، ومقصدًا لكل طالب حاجة منهم، الدولة بالنسبة لهم لا تعني أكثر من بيته، وبالنسبة له لا تعني أكثر من السيد وحرمه، ذاع صيته، وأصبح مضرب المثل في النجاح، نجاحٌ لا يمكن أن يقارن بنجاح من ظل قابعًا بين جدران المدرسة، ثم الجامعة، وانتهى بعيدًا عنهم. عوائد معرفته لا تقاس بعوائد معرفتهم، ومكانته لا تضاهيها مكانتهم، فنجاحه تجاوزه لغيره، ونجاحهم ظل محصورًا في أشخاصهم.

كان وفيًا لأصدقاء طفولته، خدومًا لمن يعرفه، كان مختلفًا عن غيره ممن هجر مسقط رأسه طلبًا للتعليم، وعندما أكمله بقي بعيدًا عنه، أو جامعًا لمال، وعندما جمعه استثمره لمصلحته.

يحاول من تعلم أن يقلل من قيمته، محاولات تذهب أدراج الرياح، لا تجد آذانًا صاغية، فالناس واقعيون لا يمكن لهم تجاهل ما هو مرئي والاهتمام بما هو هلامي، يحاول البعض أن يصفه بكلمات غامضة مثيرة للشبهات ومحملة بسوء النيات، لكنها كلمات تمحوها صنائعه لمعارفه.

خجل وافتخار
تحول خجل أبيه منه إلى افتخار به، ودعاؤه عليه إلى دعاء له، انتقل من تفادي ذكر اسمه إلى حشره في كل حديث، فهو لا يرد لقاصد حاجة، ومخدومته لا ترد له طلبًا، وزوجها لا يرد لها أمرًا.

تحولت شقاوته إلى سياسة وحنكة، من كانوا يبزونه على مقاعد الدراسة، بزهم في الحياة، شتان بينهم وبينه، هم بحاجة إليه، ولا حاجة له بهم، يقصدونه وهو لا يقصدهم، سكن ما لا يحلمون أن يسكنوه، وركب ما لا يتوقعون يومًا أن يركبوه.

لم يعد يصدق أحد أنه مجرد سائق، فلا يمكن أن يكون لسائق هذا النفوذ في دواليب الدولة، لم يعد هناك من يعتبره مجرد جندي، فسهولة مسلكه في دواوين الرؤوس تتجاوز ما يحمل من شارات على جنبه.

تحركت الأرض من تحت أقدام سيده ومن معه، ساخت قوائمهم فيها، تراجع، وأخذ يراقب مآلهم من بعيد، الأمر لا يعنيه، فما هو إلا سائق وجندي كآلاف الجنود، انتظر قليلًا، عاد للأرض بعضٌ من ثباتها، تيقن أنه يمكن السير عليها، دون أن يعنيه ما حدث، تعلم ما يكفي.

ذكريات الطفولة
كان بحاجة لأن يسترجع ما كان عليه في طفولته، وأن يشكل شلة شبيهة بتلك التي كانت له في الصغر، نفض ما تراكم لديه من دبلوماسية تلبسته لزمن، عاد لفتوته من جديد، هو اليوم في أمس الحاجة لها، رأى محل سيده شاغرًا، إنه يعرف مداخله ومخارجه ومكامن سره، نسج ما يكفي من قصص تناسب الحال، تداولها الناس، وقفز في الوقت المناسب لملء الفراغ، أصبح للشلة مقر يسمى «معسكرًا»، تقدم في سنتين خطوات، تقدمه ما كان ليخطر له على بال، وضع ما يشاء على كتفيه، أصبح رقمًا في المدينة، كما كان رقمًا بين الصبية، سار على خطى سيده، انتصب انتصابته، مشي مشيته، اقتبس كلماته، قلد نظراته، اتخذ سائقًا وحارسًا، واتخذت زوجته سائقًا وحارسًا، فقد حان الوقت أن يشبع رغباته ورغباتها، فحياة السادة ليست كحياة العوام.

تعلم من سيده كيف يكون سيدًا، وكيف يصنع الأوفياء، هدفه أن يحتاط بما يكفي، وأن تبقى الأمور على ما هي عليه، وهو على استعداد لأن يضع يده في يدي القريب والغريب، كي لا يُنزع من المدينة كما نُزع من المدرسة، ولا يكون مصير شلة الكبر كمصير شلة الصغر.

كلمات مفتاحية

المزيد من بوابة الوسط