أحلام المهدي تكتب: عرائس أنجامينا

لوحة الأسير للفنان جوزيف رايت (الإنترنت)

يظل غريبا أن يجتمع نقيضان، أن يعمل طبيب في تقليم شجر اللوز، أو يعمل معلم موسيقى في رصف الطرق، أو مثلا يضع عسكري سلاحه جانبا ويمسك وردة أو قلما أو كمانا فيغادر كل الجبهات التي تفوح فيها رائحة الدم والبارود وتتناثر فيها شظايا المعادن الحارقة، ويعتكف في حديقة غنّاء تضج بالورد والعصافير.

عندما قرأت بعض كتاباته للمرة الأولى وجدت في قلمه شيئا مألوفا قد يكون تلك الذكريات التي صنعها انتماء أحد أعمامي للمؤسسة العسكرية وأنه دون غيره كان مرجعا فنيا وأدبيا وإنسانيا لذائقتي الغضة وقتها.

ما يحس النار إلا اللي عافس فيها
نقول في ليبيا: «ما يحس النار إلا اللي عافس فيها»، نحن لم نطأ نار الأسر والحرب التي اشتعلت على حدودنا الجنوبية، لكن قلم «خالد السويّح» جعلنا في بعض كتاباته نشعر بصهدها الذي يطال الوجوه والأرواح، رسم الكثير من الصور المرعبة بكلماته لكن الصورة التي التقطها له آسره عندما قبض عليه مع اثنين من رفاقه شاركاه محنته تظل الأكثر تفردا على الإطلاق في ألبوم العمر المبعثر على رمال أوزو وفايا لارجو، صورة التُقطت يوم 18 أغسطس 1987، وأراها اختصرت عمرا من الألم ربما ومن التحدي ومن الرفض ومن الأمل في ترجمات مختلفة للغة العيون، إلا الذل الذي أراد أن يلتقطه المصور طازجا ساعة الأسر، لم ينله ولم تمنحه له نظرات الليبيين الثلاثة.

يقول العميد خالد واصفا ذاك اليوم من أغسطس: «كنت ثالث ثلاثة في طائرة عسكرية يقودها شقر زرق العيون.. فرنسيون مرفهين! وكانت الطائرة كعلبة سردين تعج بالجرحى والمبتورين من الجنود التشاديين.. نظراتهم النارية تكاد تلتهمنا.. أو تحرقنا! نحن من فعل بهم كل هذا.. وبمجرد وصولنا للسجن أصبت بالحمى.. وأظن أن تلك الحمى نتيجة غضبي الشديد لأني لم أكن ذئبا فأقطع ساقي بأسناني عندما وقعت في الفخ.. ولأني لم أفلح في خطف الرمانة فأفجر الطائرة بكل حمولتها... كنت أغلي كمرجل، أتصبب عرقا وأنزف ألما وكرها.. ينتابني صقيع سيبيري وكأن البلاط الأسمنتي تحول إلى جليد.. أرتجف بشدة.. اتكأ الشهيد العقيد عبدالسلام سحبان على الحائط وأخذني في حضنه من الخلف وجلس الرفيق المقدم طيار عبد المجيد المزوغي بين ساقي.. كان جسدي يستمد حرارته من جسديهما.. وكأنني عدت ذات لحظة لرحم أمي!».

يقول «السويّح» الابن البكر لوالديه إنه لم يستغل يوما سلطاته مع إخوته وأخواته الأصغر منه سنا، فكان يشاركهم الرقص على أغنيات جيمس براون وديميس روسيس، وحتى بعد عودته من الأسر لم تزده التجربة إلا حبا للحياة واحتفاء بها، في نص جميل للسويح يحاول تفسير حبه للبيض نعم البيض الذي نأكله.

أنا بيضاوي
ويقول: «أنا بيضاوي.. لا أقصد أنني من الدار البيضاء ولا أقصد البيت الأبيض ولا أنني شبيه البيضة في تكويني الجسدي، ببساطة أنا بيضاوي لأني أعشق البيض، خلال أربع سنوات من الأسر كنت أتوق للبيض وأفتقده أكثر من أي شيء آخر أو ربما مساو لتوقي للخبز، كنت أحلم دوما بالبيضة ربما لارتباطها بالحياة فمع بعض حرارة كانت ستهب لنا كائنا حيا، والأسر موت وربما كان عقلي الباطن يبحث عن الحياة، البيضة دحية.. والأرض بعد ذلك دحاها، ربما كانت رمزا لأمنا الأرض وكذلك فعل عقلي الباطن مجددا فبحث عن الأرض الحياة، لا أجزم بذلك ربما كان الموضوع بمجمله هلوسات وأحلاما تجعلنا نتخفف من عبء غياهب جب، كانت البيضة حلمي وتوقي كنهد.. ويا للمفاجأة فالنهد أيضا حياة.. تبا لعقلي الباطني الذي يكاد يتجسد، اليوم وبعد عقود من تحرري لا زلت مرتبطا ارتباطا وثيقا بالبيض.. آكله صباحا مساء، مقليا مطبوخا وأعشقه خاصة إذا كانت فترة طبخه في الماء فقط 7 دقائق ويكون تجانسه بين القسوة واللين مثل الحياة.. أصفره رخوا كالذهب المُذاب يسرّ الناظرين، ومع ذلك أكره الدجاج .. تبا لكل أنواع الدجاج.. خاصة الداجن ذي اللحية والشارب».

هناك في صحراء بعيدة تكللها الكثبان وتؤطرها الأسلاك تتحول البيضة إلى حلم يراود جائع، إلى لون ساطع في عالم تملؤه العتمة، إلى مادة دسمة للكتابة لا تختزل الكلس والبروتين فقط، بل نجدها تتجسد لتعوض حتى وجود الناس في عالمنا: «عرفت الألم الحقيقي للجوع، الجوع الوحشي الذي يصيبنا بنوع من لوثة عقلية فينحصر تفكيرنا كله بين برتقالة وبيضة وقطعة خبز وننسى الأم والابن».

كتابات خالد السويّح
في كتابات «خالد السويّح» تكتشف في رحلة قصيرة طبيعة المكان حيث كان أسيرا، تكاد كلماته ترسم برمال «أوزو» عشرات الصور التي لا تكذب لأن صاحبها كان يوما هناك، حتى إن وصفه للحشرات من قمل وبعوض يجعلك تشعر بوخزها يتسلل تحت ملابسك، عرفنا «القالاقالا» التي لم نسمع عنها قط والحرباء التي تملك لسانا بضعفَي جسمها، وكل الكائنات التي تآمرت على الأسرى مع من يشاركونها التّراب: «في السجن التشادي المقيت تحالفت علينا مع آسرنا الحشرات من بعوض ونوعين من القمل.. النوع العادي المعروف الذي يتواجد في الراس والشعر ونوع مقزز باهت اللون.. سمين لحد البدانة يجتاح الجسم ويتخفى بين طيات الثياب، يُجيد القرص والتعذيب وكأنه تحالف مع عدونا، يوميا نقوم بحصة فلي وعادة تكون الأرقام قياسية ولا تقل عن المائة قملة ننتقم منها كما تفعل معنا.. وربما لهذه الأسباب ومع قلة النظافة والتغذية السليمة والحرارة الشديدة التي تسبب الهذيان والذوبان.. انتشرت بيننا الملاريا بطريقة وبائية، والملاريا تنتشر عن طريق نوع معين من البعوض وليس كل البعوض، هنا تستبيحك البعوضة فتمصّ دمك وتكافؤك بنشر المرض! كما يفعل كل انتهازي من ساستنا الكرام..

أصبنا جميعا بالمرض اللعين بدرجات متفاوتة ولكن كانت إصابة أربعة من الرفاق بليغة وخطيرة، ودخلوا في غيبوبة الموت وغياهب الفقد..

بعد معاناة ووجع وألم حتى اصبحنا نتمنى لهم الموت انتقل إلى رحمة الله ثلاثة منهم في ركب الشهداء ولكن وسبحان الله فقد تخطى رابعهم الموت بطريقة غريبة عجيبة، وهو بين غيبوبة ولحظة استفاقة اشتكى من ألم ووخز في ظهره ولما بحثنا حيث أشار وجدنا هناك عقربا ماتت تحت ضغط وزنه حين تقلب، قد قامت بلدغه عديد المرات، ازداد خوفنا عليه فإن تخطى الملاريا فلن يفعل ذلك مع سم العقرب..

وعكس كل التوقعات خرج رفيقنا كطائر فينيق من رماده أشد عزما وأقوى إيمانا وأكثر ثباتا ...جندي إسبرطي أسطوري، كان السم هو الترياق وكان إيمانا عمليا ملموسا لكل أجل كتاب وداوني بالتي كانت هي الداء».

محاولة الهرب
يحكي خالد السويح عن محاولته الهرب مع ثلاثة من رفاقه وقد نجحوا في ذلك، لكن جهلهم بدروب أنجامينا وهيئاتهم الرثة وحظهم العاثر تظافروا جميعا لإفشال سيناريو الحرية الذي رسموه بحثا عن النهر الذي كانوا ينوون تجاوزه باتجاه الكاميرون، فقادتهم الصدفة اللعينة إلى باحة منزل مدير المخابرات ليقول لهم آسروهم ببساطة: «من حقكم كأسرى الهروب ولن نعاقبكم على ذلك ومن حقنا أن ننقلكم إلى سجن أشد أمنا وقسوة».

وهكذا كان، وعن السجن الجديد كتب العميد السويح: «نُقلنا إلى سجن القصر الذائع الصيت، الرهيب الذي لو دخله الشيطان لطلب الرحمة.. سُجن به قادتنا وبضعة مساجين تشاديين، حبس بلا مرحاض.. وبالأصح مرحاض بمواصفات خاصة.. حفرة يحيط بها سور من الزينقو بارتفاع 1.5 متر وطبعا عند قيامك بحاجتك الطبيعية تكون أصوات صنيعك في آذان الآخرين..

سقف السجن أيضا من الزينقو وبابه من حديد.. والحصيلة بوتقة وقمقم جهنمي، ظلام دامس حيث لا نرى الشمس مطلقا.. وعندما خرجنا منه بعد بضع سنوات كنا ببياض ورق الكراس وبرقة قطمير.. كنا أربعة فتية في زنزانة لا تتسع لفرد.. عرضها متر وطولها 4 أمتار وأقصرنا يبلغ 1.86.. ومع الحرارة الأفريقية تصبح تلك المساحة فرنا حقيقيا تنصهر فيه العزيمة والصبر والأعصاب.. وكثير من الكرامة البشرية! ويصبح العرق شلالا لا يتوقف يحفر أخاديد في الجبهة خاصة تلك القريبة من الشعر.. تتجعد البشرة كحال الأصابع عندما نمكث طويلا في الماء.. الغرق في العرق يأكل جزءا من رقبتك وحساسية وتهيج الأماكن الحساسة .. يصبح الاحتكاك مؤلما وكل حركة ولو كانت بسيطة عمل مضن ومؤلم.. حينئذ تتأكد أن حالك كحال إبليس في جهنم..

تتذكر إبليس فتبحث عنه فهو الذي أوقعك وألقى بك في هذا الأتون من العذاب.. تسمع وسوسته وضحكاته الساخرة ولا تراه.. وتكتشف أنك دخلت مرحلة الهلوسة نتيجة الهبوط في الضغط نتاج فقد السوائل من جسدك.. وتحتك تظهر بحيرة من عرق لزج نتن وبعض أدران.. جسدك وكأنه صخرة سيزيف يرتفع ويسقط جسدا غريبا عنك لكنه ملتصق بك، تود التخلص منه.. تئن من ثقله! تكرهه.. ليت بيني وبينك بيدا دونها بيد كما قال المتنبي.. تحاول أن تنسلخ عنه.. ليتني كنت رأسا فقط.. تتساءل هل أنت من جنس آدم الذي كرمه الله أم ثور مخصي في مسلخ بعد أن أثخنه ماتادور بالجراح فاستنزفه كليا؟ هل أنت بشري أم مسخ في خربشات بيكاسو؟ وسرياليات سلفادور دالي؟

هل تغيرت ملامحك فأصبحت شبيها لشخوص لوحة الغورنيكا؟؟

عيون جاحظة وجباه منتفخة ولسان يتدلى.. الملامح..

تختفي ملامحك وملامح رفاقك ويصبح التنفس في ذلك الحيز وفي ذلك الضيق شبه مستحيل، فتتناوب تبادل الأماكن.. فيقترب صاحب الدور من الأعراف قصدي من الباب الحديدي وينبطح واضعا أنفه وكرامته أسفل ذلك الباب لعله يسرق نسمة أو بعض هواء!».

تجربة عميقة
إن تجربة الحرب التي خاضها الليبيون على حدودنا الجنوبية أكبر وأعمق من أن تختصرها عبارات واتهامات وصيد في الماء العكر، حرب كان وقودها فتية ورجال من هذه البلاد عاد بعضهم بعد تجربة أسر مرعبة وقضى بعضهم هناك ليتركوا لأمهاتهم غصة في القلب وبعض الصور الباهتة، لكن العميد خالد السويح ينظر للأمر من زاويته الخاصة التي يراها بعينيه وبقلبه، رجل نبيل عاد في ديسمبر من العام 1990 إلى حضن وطنه، يعيش اليوم مع أسرته الصغيرة الجميلة محتفظا بقدرته على العطاء والحب في كل الظروف التي مرت بها البلاد، في صفحته يبث شيئا من ماضيه فيتسلل بين حروفه شيء من الثقة بأننا سنكون والوطن بخير مهما قست ضربات القدر.

أخيرا إليكم هذه الكلمات التي وصف بها السويح رجوعه إلى أرض الوطن: «سأكتب عن مشاعري الشخصية بعد أن خرجنا من ظلمات السجن وغياهب الجب، أسترجع الموقف فلاش باك وكأنه وليد اللحظة طازجا قُطف لتوه، كُسر القمقم وانعتق المارد وتنفّسنا الحرية ... ولكن أين المفرّ ... عدو وراءنا ومجهول أمامنا..

وطارق بن زياد أحرق سفن نجاتنا..

منذ البداية ومع أول خطوة كانت رحلة تيه ...فنحن بلا بوصلة ولا يلوح لنا نجم طارق ... ولم نأنس نارا، في طريقنا لا منّ ولا سلوى ... وقد يعترض دربنا سامري أو جندي من بقايا جيش حبري

قد يكون عددنا نحن الذين تبقّينا في نهاية المطاف بعد خروجنا من سجن القيادة سيئ الصيت وبعد تصفية بعض رفاقنا غيلة وانتقاما مساويا لعدد أصحاب الكهف.. وقد غمرنا الله برحمته كما غمرهم..

نحن لا نعرف دروب أنجامينا فمشينا بغير هُدى يقودنا حدس وقبس إلهي، حتى لاحت لنا راية فلسطين ... تسوّرنا السفارة ولم يقولوا أبنوا عليهم بنيانا ولم يقولوا أخرجوهم من قريتكم ... بل استقبلونا بحفاوة وغمرونا بكرمهم ... وكذلك يفعلون.. لم يتوجّسوا خيفة منّا..

ورغم انقلاب حياتنا 180 درجة نحو الأحسن ورغم تقلّبنا في النعيم ورغد العيش.. ففي السفارة لحم وبيض وفواكه وقهوة سمراء مغرية غير أنّ الفؤاد كان فارغا كحال فؤاد أم موسى وهي تلقي برضيعها في اليمّ..

الأوضاع مضطربة ونحن نجهل أغلب الأخبار.. ومن قام بالانقلاب إدريس ديبي نعتبره نحن الأسرى عدونا الأساسي خاصة بعد أن نكّل بكبيرنا عبد السلام سحبان..

كان سيادة اللواء أبو القاسم امسيك لا يرتاح ذاهبا غاديا كهدهد سليمان بيننا وبين، بقية الرفاق في سفارتنا في العاصمة التشادية، يطمئن ويطمئننا على باقي الرفاق المحررين من السجون الأخرى، ويأتينا من سبأ بالخبر اليقين..

كانت الأحلام عظيمة وكانت المصاعب جمّة والعواصف تعصف بأعصابنا..

فقد نستكين لواقع مفروض ونعيش في الظلمات ولكن وبمجرد ظهور قبس من نور يتزلزل كل كيانك وتتجه نحوه بكل الاندفاع والرغبة بالعيش ... كاندفاع فراشة نحو لهيب.. يهتز عرش الثبات ويُباح سرنا وضعفنا، بعض جنون وحلم كبير بالانعتاق من نير الذل والعبودية، بضعة أيام بين مدّ وجزر والأمل يزهر ويخبو ... تم نقلنا بعدها إلى المطار، انتظار مملّ يقتات من القلب والروح..

توقفت عقارب الساعة عن الحركة وماتت نظرية آنشتاين وتوقفت الكرة الأرضية عن الدوران وأصبحت الثواني جمرات، ساعات من الانتظار والعذاب المضني، وحركة الفرنسيين المضطربة والعصبية في المطار تزيد من خوفنا.. ثم ظهرت.. لاحت طيور الأبابيل وبساط علاء الدين السحري بكل الجمال والبهاء، نورس يشقّ عباب موج.. حدأة تتحدى كل الطيور الجارحة.. عنقاء، اشرأبّت لها الأعناق ... معجزة... مأدبة من السماء..

نزلت طائرات اليوشن.. كانت بهية شهية تشبه حبيبتي الأبنوسية وبوقار جدتي وألق وجمال أمي، كبيرة عملاقة لا أستطيع احتضانها واحتواءها بيدي فاحتضنتها بقلبي... بكل فؤادي.. قبّلت عجلاتها بلذة أول قبلة من ثغر معشوقتي.. واستنشقت رائحة المطاط المحروق الذي استشعرته أعبق وأجمل وألذّ من كل عطور الدنيا..

عبير فل وياسمين طرابلسي من جنان النوار وبخور أمي وسخاب جدتي.. عبير وطني، فهذه العجلات كانت منذ سويعات تلامس تراب الوطن.. وقريبة عهد به، تمسّحت بها... تيمّمت بها فهي الأطهر.. وسجدت سجدة شكر لله..».

المزيد من بوابة الوسط