13- من أدبيات رسائل الفاخري

جنقي الحلقة (13) رسائل صديقه المناضل محمد حسين القزيري

أواخر سنة 1978 أتم خليفة الفاخري، فترة بقائه القانونية في الدنمارك، فحتى ذلك التاريخ كانت الخارجية تسير وفق النظام الدبلوماسي، المتعارف عليه، وهو بقاء الموظف، في أي دولة، لزمن محدد بأربع سنوات، وكانت إجراءات الخارجية قد اتخذت بنقله إلى دولة أفريقية، أعتقد أنها كينيا.

نهاية العام 1979 كلف أحمد عبدالنبي الشحاتي رئيس مركز دراسات الكتاب الأخضر، الذي كان يشغل وظيفة سكرتير أول بوزارة الخارجية بالزحف على ديوان وزارة الخارجية في طرابلس، تنفيذًا لتفعيل ما أطلق عليه الدبلوماسية الشعبية وبدأ هذا الزحف الفوضوي على وزارة الخارجية من قبل منتسبي مكتب اللجان الثورية والمنتسبين منهم إلى الأمن الخارجي، بالإضافة إلى مسئولي مركز دراسات الكتاب الأخضر، أحمد الشحاتى، وكونوا ما سُمي بالمكتب الشعبي للاتصال الخارجي، وانطلق الموجهون المعروفون بالولاء للنظام، إلى سفارات العالم وتحويلها بشكل فوضوي إلى «مكاتب شعبية». ولحس حظ «جنقي» كان من ضمن أعضاء اللجنة التي وصلت كوبنهاغن واستولت على السفراء، الاستاذ عبدالله الحاراثي الرجل الدمث، الذي ارتبط بسبتمبر من البداية باعتبارها «ثورة القومية العربية»، وظل على عهده مقتنعًا بفكره وانتمائه إلى نظام سبتمبر، ولكن والشهادة لله لم يتلطخ بأي ما يسيء إلى سمعته الطيبة، فهو ابن بنغازي ومن عائلتها وشبابها المعروفين، ولقد عاصرناه عندما كان مسجلًا لكلية الآداب، والشهادة لله أنه كان عصران نظيف اليد والسريرة، ولكن قناعاته كانت كبيرة بالقومية العربية، وظل يرى في معمر القذافي، هو وريثها منذ أن زكّاه الرئيس جمال عبدالناصر في زيارته الشهيرة إلى بنغازي سنة 1970.

وفي تلك الأثناء، كان الفاخري قد طلب تمديدًا لفترة أشهر إلى أن تضع زوجته مولودها الثاني، فما كان من عبدالله الحاراثي، إلاّ أن تدخل وجعل المدة أطول وأعتقد أنها لسنة كاملة. سافر خلال تلك الفترة إلى مقر عمله الجديد، وقدم نفسه إلى السفارة وأحسنوا استقباله، وأحيلت إجراءات انتقاله، إلى وزارة الخارجية في طرابلس وهي التي أصبحت حينها تدار على أسس الدبلوماسية الشعبية من مركز الكتاب الأخضر، وبتسلط مباشر من سكرتير أول الخارجية السيد أحمد الشحاتي، الذي رفض فيما بعد انتقال الأديب خليفة الفاخري إلى عمله الجديد بأفريقيا متحججًا بأنه لا يحمل مؤهلا ولا يجيد اللغة الإنجليزية، وهو الذي نال فيها شهادة منذ سنة 1970 من بريطانيا بعدما باع سيارته لينفق على دراسة استمرت عامًا كاملًا، وأصبح يجيدها. وأمر بعودته إلى طرابلس، وذلك ما حذا بالسيد عبدالله الحراثى بذل مساعيه إلى تمديد عمله وبالتالي إقامته.

وفي تلك الأثناء كانت له رسائل متبادلة مع رفيق غربته في بنغازي، محمد حسين القزيري، عندما سكنا معا في الفندق الكبير، ولقد ظل يسعى بالجهد كله إلى الرحيل إلى بريطانيا، وقام خليفه بعدد من الاتصالات مع أصدقائه، لمساعدته وتمكينه من العمل في وزارة الخارجية ومن ثم سفره إلى الخارج، وانتقل فعلًا إلى طرابلس. ومن هناك له رسائل طويلة مع الفاخري، ولكنني - للأسف الشديد- لم أجد إلاّ في أوراقه سوى الرسائل التي وصلته من القزيري، ولا شيء مما أرسله هو. أولى هذه الرسائل تلك التي أرسلها له من لندن، في رحلته الأولى التي حاول من خلالها العمل بعقد محلي، ولكن السفير حينها السيد محمد يونس المسماري أقنعه فيما يبدو، بإحالة أوراقه إلى الخارجية في طرابلس ومحاوله انتقاله إلى الخارجية رسميًا من هناك وهذا ما قام به ونفذه بالفعل. في تلك الأثناء نجد رسالة منه إلى الفاخري بتاريخ 5/10/1977، إذ يبدو أن الفاخري طلب منه أن يجد له في بريطانيا، ترجمة لرسالة الغفران، الشهيرة والتي كتبها أبوالعلاء المعري، الشاعر والفيلسوف العباسي، والتي تعتبر من أجمل ما كتبه في النثر. يقول القزيري في رسالته:

«خير يا جنقي! أيش حالك؟»

تحرياتي عن «رسالة الغفران» حتى الآن لم تسفر على وجود أية ترجمة كاملة لها، لكني اكتشفت أن ثمة بضع دراسات عنها مع ترجمة جزئية. وسوف أواصل البحث قليلًا، عسى أن أعثر على النص الكامل، وإلاّ فإني سأبعث إليك ما تيسر، والأمر لله وحده. وبالمناسبة أن النصارى يسمونها بالإنجليزية، كما هي بالعربية : «Risalat al-Gufran» أو Epistle of Pardon، أو Forgiveness ».

أما رسالتي القصيرة هذه، فاسمها رسالة الإفلاس أو الإعسار، أو ضيق ذات اليد، وهي مترجمة إلى جميع اللغات الحية والميتة أيضًا. ويمكن تلخيصها فيما يلي: إن كنت «مورقا» فأسعف العبد لله «بتفتوفة» من عندك، وإذا كنت «محَرقا» فلا حول ولا قوة إلاّ بالله.

وفي الحالة الأولى تستطيع أن تبعث الحوالة، إلى حسابي المكشوف، المفضوح الجاري لغير صالحي – ويكتب رقمه وعنوانه، - ويصحح له الاسم مختتما العنوان بتنويه ساخر، فلقد ألغت دولة ثورة سبتمبر أسماء العائلة أو القبيلة من أسماء الليبيين، فأصبح اسم الأستاذ محمد حسين القزيري هو محمد حسين فتح الله – وأضاف ساخر: «كما يطلقون على صاحب هذا الاسم في ساحات القضاء!»

أما في الحالة الثانية، فإن حسابي وحسابك سيكون لاريب عسيرًا يوم الحساب، وتحياتي خالصة كالعادة .. التوقيع»

أما الرسالة الثانية، فلقد بعثها الأستاذ القزيري من فندق قصر ليبيا بطرابلس، حيث يقيم، من بعد التحاقه بوزارة وهي من (7) صفحات أوراق فولسكاب، ومؤرخة في 15 يناير 1979والكثير منها يتناول أمورًا شخصية، سوف أنتقي منها ما يصح نشره: ويبدو أنه كتبها على مراحل، واستخدم لها لونين، وعلى روقان؛ فهو من قال ذات جلسة ساخرًا، عندما أراد أحد الرفاق أن يغادر: «لماذا الاستعجال، فالله عندما خلق الوقت منح الليبيين حصة إضافية تفوق حصص الآخرين ..». ويبدو أنه كان لديه الكثير من أوقات فراغ، فالأستاذ محمد بطبعه حريص على انتقاء أصحابه، يقول:

ومن مسخه الله في الآونة الأخيرة قردًا.

«عالخير يا خليفة ! وين جيت، ما بيكش؟

قبل التحية،

هاك أولا، ما تيسر من أخبار الأقارب والأصدقاء فردًا فردًا باستثناء الموتى والراحلين، ومن مسخه الله في الآونة الأخيرة قردًا. أما عن الصديقات فردة .. فردة، فهن أندر من الثلاجات في جهنم، ولن يصبحن في متناول اليد (ولو بعد الزرع) حتى في سوق الخردة.

ولسوف نحاول بقدر المستطاع أن نربط بين ما بلغنا من سيرة كل واحد منهم وبين ما يدور في ذهننا المشتت من أفكار صبيانية، وما قد يتفتق عنه خيالنا المريض من خرافات وأوهام بريطانية، وذلك مع التركيز الشديد على مقامنا الرفيع- أنا أعرف جيدًا ما ستتبادر إلى ذهنك (السفتار) من معنى هزيل لهذه الصفة. لكنها لعلمك، تعني مناقب أخرى أرفع بكثير من مجرد النحافة، والرشاقة، ومقومات اللياقة والأناقة – مقامنا رفيع نظرًا لما نتمتع به من أهمية قصوى في مجال (لفاريات البرانية) بحكم منصبنا الجديد وصلاحياتنا الاستشارية.

ولكي يصبح كل المذكورين أدناه جديرين بالذكر حقا في هذا السرد المختصر، فقد قررنا نحن الأرشيدوق محمد حسين فتح الله الثالث عشر، أن نمنح كلا منهم أحد ألقاب النبالة، أو ننعم عليهم بوصمة الرزالة، وذلك حسب ما تقتاضيه الحالة:

فالكونت ونيس (الفاخري النفيس) يسعى جاهدًا إلى تحقيق أكبر معجزات القرن العشرين، إذ يحاول أن يتحدى الروتين وينتزع من الحاجة - آمنة والدته – حقه المقدس في الإشراف شخصيًا على تربية بناته والبنين. ولذلك فضلًا على أنه يكاد يكون يسن واقعًا بين نارين: فهو لا يريد التفريط في رضى الوالدين فيخسر قصره في الجنة، ولا يروق له أيضًا، أن يغامر بخسارة قبر الدنيا الذي شيده بمنطقة الصابري، أو أرض بوقرين. ولقد فهمنا منه أنه تخلى طواعية واختيارًا عن قلعته الحصينة، ولأنه على حد زعمه، لا يأنس بالطبع لحياة القصور، وما يحاك فيها من المكائد وعظائم الأمور، ناهيك عن إحساسه بالكراهية والنفور إزاء الجواري ورائحة البخور، ونقص اللحم البلغاري اللازم لتطهي المكمور.. ».

والرسالة طويلة ولفكاهتها وأسلوب السجع الذي انتهجه الأستاذ محمد القزيري، وأيضًا لما نستشف من سخريته لحالة الأصدقاء باعتبار أنها تعكس واقعًا حقيقيًا مر بجيل تلك الحقبة، ولذا سوف نواصل نشرها في الحلقة القادمة، والتعقيب على فقراتها لتعم الفائدة المرجوة.

المزيد من بوابة الوسط