12- من أدبيات رسائل الفاخري

أدبيات رسائل الفاخري الحلقة 12

12- *«إيصقّص على لقدار. . »

وهي المتممة للحلقة 11

«أخي جلال

لكنما القطار لم يقبل، وفيما أتطلع إلى لوحة المواعيد هناك بقلق وأجفان مثقلة، نقرَ أصبع على كتفي، والتفتُ في الحال، رأيتها تطلب عود ثقاب لتشعل به لفافتها. كانت عجوزًا من نوع آخر، عجوزًا مفعمة بالأصباغ.

«ماذا تفعل هنا أيها الغريب؟» سألتني بتلهف يشوبه التكلف. قلت فيما يشبه الهمس، بعد أن سرقت نظرة خلفي وأخرى على الجانبين:

«كنت أبحث عن الحديقة العامة، لكن الظلام حلّ فجأة، فجئت إلى هنا أنتظر قطار الصباح». قالت بصوت متكسر:

«أنت مجهد، منهك حتى الموت، تعال معي».

في غرفتها التي تشبه «الكهف» خيل لي أنني مكثت هناك ألفاً من السنين، أو يزيد على حين كنت أسير في منامي ويقظتي على السواء - في كل لحظة - صوب المحطة، حالمًا بملاقاة القطار!

أخي جلال..

مأخوذ قلبي بالناس

مأخوذ قلبي بالناس في كل مكان، وقلت لنفسي مرارًا: «من لم يأتك، اذهب إليه» وعلى هذا، فلقد رحلت إلى كل البقاع، ولجت كل الأقبية، وسحبت أقدامي فوق كل الأرصفة، وتحدثت مع عباد الله في الحانات، والمراقص، والمكتبات العامة، والمقاهي والحدائق، والأندية المشبوهة، والفنادق. وتحدثت لهم عن إخوتي وأصدقائي، عن أمنياتي العطشى، وخيبات الأمل، التي منيت بها كثيرًا، والإحساس بالمرارة حين إدراكك بأنك وحيد للغاية، وأن ليس ثمة كثيرًا من الرفاق من يشاركك أفكارك وإيمانك بالناس، وما أنفقت حياتك من أجله.

قلت كلّ ما لدي، بأحسن ما لدي، لكل ما لدي.

ولا زلت - يا أعز الأحباب – أحلم بالكلمات والصحاب، بالكلمات المخضبة بالعرق والدم، وروح الود والتقارب. والصحاب القادرين على أن يكونوا شرفاء تحت كل الظروف! إنني لا زلت أحلم بملاقاة عيون الأحباب – فيما أظل منتظرًا أمام المقهى مثل حصان العربة – أحلم بالتعاطف، والطرائف، والنكات، وبشد الأزر رقم ضيق اليد، والصدر . لكنني لا أتنازل. لا أفرط في حرف واحد من كلماتي المؤمنة -حتى إن دعاني الأمر إلى الموت صمتاً- ولكنك – لحسن الحظ- لا تعرف أنك تتنفس إلا حين تختنق!

حلمت بأن تكون لي زوجة نحيلة تطهو لي طعاماً جيداً، وتنتظرني خلف الباب عبر الأماسي الباردة. حلمت بأن أقري أطفال لحظات النبل الإنساني رغم القهر، حلمت بأن أتزاور معهم جميعاً بقية أحبابنا. لكنما الريح الدعرة - بنت الداعرة – لا تتوافق أحياناً مع شراعك، وعندئذٍ تدرك بأن ليس ثمة لديك سوى آلة كاتبة قديمة العهد، وحزمة ذكريات مؤرقة، وتطلع جائع أبدًا إلى الشمس، والرفاق، ورائحة العرق النبيل. . ليس غير!.

جلال، يا أعز الأحباب

اغتبطت برسالتك كثيرًا، قرأتها عديدًا من المرات، ورأيتك عبر كل حرف خلالها، وودت لو أستطيع أن ألقى كفي على كتفك، واستغرق في سرد حكاياتي إليك. إن الأصدقاء الذين ذكرتهم في رسالتك- الأصدقاء القدامى – لم يتصلوا بي، ولم أشعر – أنا الآخر- بالرغبة في الاتصال بهم حتى الآن، بالرغم من أن أخبارهم تأتي إلي تباعًا**. لكنني أحببت كثيراً - إلى حد البهجة – أن أراك، وأن نجلس معًا، ونشرع في تبادل الأنخاب، أعني الكلمات المفعمة بالإثارة في كل المناحي! وددت أن أراك. ولم أستطع الكتابة إليك، من قبل لأنني لم أكن أعرف أين أنت، على نحو الضبط، واليقين، لكن ما عرفته- وأعرفه الآن وغدًا – هو أن وقفت بجانبي طول المدى، وإني أعزك كثيرًا، أكثر مما تتصور، وأن أروع الرجال، وأحب الأحباب. وسلام غامر إليك مثل المطر أخوك خليفة

-----------------

حاشية:

** قالت الغنَاية :

«على من يقم الصوب *** الخاطر قلاعاته نصب» ثم قالت حين أدركت خيبة الأمل وضرورة العودة إلى الذات:

«إيصقّص على لقدار * عندي العقل * يا بال ع الجفا»

* «أيصقص» لهجة ليبية بمعني «يترفع».

والمعني : يترفع عقلي عن تكريمه فمابالك بمن يجافيه 

-انتهت الرسالة –

لقد عاد إلى فترة ما قبل الزواج وهي التي قلنا الجزء الأول من المرحلة الثالثة، التي لم يبقَ بمفرده أبداً طوال الفترة من وصوله إلى كوبنهاغن حتى رحيله، ولعل كثرة الذين اتخذوا من بيته استراحة في رحلاتهم عبر أوروبا، أو محطة للقادمين من أميركا إلى ليبيا أو العكس، ولقد أوقعه ذلك في عدد من المشاكل حتى أنه سجن عقب عودته إلى طرابلس بسبب وشاية من أحد قال إن بيته كان استراحة لنا! ولكنه بعد التحقيق معه ثلاثة أسابيع أُطلق سراحه، وهي بالمناسبة كتب عنها مقالته الأخيرة، التي أستغرب حتى الآن لما تركها معي ولم ينشرها في حينها، ورحل عنا وكانت أصولها المكتوبة بخط يده وتصحيحاتها كاملة، وهي مقالة «منابت الريح» التي أضفت إليها بأنها كتقديم: «رسالة صغيرة إلى المعتقلين بالأراضي المحتلة»، وذلك بعد اتفاقي مع صديقنا المشترك الأستاذ مفتاح الدغيلي، إبعادًا عن تأويلها أنها تتحدث عن أيام سجنه. العودة إلى هذه المرحلة بسبب رسالة الأستاذ جلال لأنه تطرق فيها إلى علاقته في ذلك الوقت بصادق النيهوم، الذي كان مقيمًا في سويسرا ويصدر في كتب من هناك.

الواقع أنهما اتصلا في بداية وصوله إلى كوبنهاغن، وبسب ما قيل عن صادق وعلاقته بالنظام والنقد المتصل عن تلك العلاقة، ظل صادق رحمه الله يقلل من اتصالاته، وفعل خليفة الشيء نفسه، ولكن من بعد زواج خليفه واستقراره، والحد من سهراته، وضيوفه وعلاقاته، عادت بينهم الاتصالات فلقد تحدثا معًا بحضوري، وتبادلت معه سلامًا أكثر من مرة. بل وفرح كثيرًا لاستقرار جنقي. علاقتهما كانت متينة للغاية والرسائل المتبادلة بينهما والتي تناولناها في كتابي «قطعان الكلمات المضيئة»، وأيضًا في «منابت الريح» تؤكد أنها علاقة متينة لا يمكن أن تنقطع بسهولة، ولقد لمست حزن جنقي الجليل على رحيله. وسنتناول لاحقًا ما كتب جنقي عن هذا الرحيل.

 

الاستاذ جلال الدغيلي
خليفة الفاخري وصادق النيهوم
السفيران محمد يونس المسماري وجلال الدغيلي
جلال الدغيلي احد اصدقاء جنقي
القاخري وارحيمه ( الفندوس) أخ صادق النيهوم

المزيد من بوابة الوسط