رحيل الابتسامة النقية

يوسف الشريف الابتسامة النقية

بدأت علاقتي بالراحل العزيز بمناقرة، كان آخرها هذا الإدراج، الذي كتبته وشاركته فيه، من بعد أن اختير وزيرًا للإعلام، ونشرته يوم 20 فبراير 2013:

«صديقي أستاذ يوسف الشريف، أريد أن أهنئ وزارة الإعلام بك، وأريد أن أذكرك بهذه الصورة، لقد اُلتقطت أثناء مهرجان كتاب الأطفال الذي نظمته رابطة الأدباء والكتاب في بنغازي، وكنت أحد المشاركين البارزين فيه. ولقد حدثتك حينها عن «يافطة» كانت في شارع عشرين ببنغازي، الذي كان يسمى حينها شارع «السكة» لأن قطارًا، أيام ما كان في بنغازي قطارات، يمر من هناك في طريقه إلى المرج. باليافطة ثمة تحذير من عهد إيطاليا يقول «ردوا بالكم من الشيمنديفير!» وتعني لمن لا يعرف الإيطالية أن كلمة «الشيمنديفير» تعني القطار. أهديك هذه الصورة وأقول «رد بالك من رجال الظل! فلقد أفسدوا وزارات من قبل، ولكن ثقتي في خبرتك ونزاهتك وشجاعتك كبيرة وبالتوفيق بعون الله».

وأشرقت ألوان نافورة ابتسامته العذب

كانت المناقرة الأولى وهي بداية علاقتي به، يوم دفع باب السيدة الفاضلة سالمة المدني عندما كانت رئيسة تحرير مجلة «البيت»، وكانت قد عينته مستشارًا للمجلة. دخل مكتبها، محتدًّا ومعترضًا على نشر صورة لي، على غلاف المجلة التي كانت قد نشرت لي حوارًا عاديًا جدًّا، ولا يرتقي لأن يتصدر صاحبه غلاف المجلة. أنا لم أعلم بهذه «الخارقة» وعاتبت الأستاذة سالمة عليها، لأن المحاورة كانت في الواقع مجرد بطاقة تعارف! ولقد علمت بغضب الأستاذ يوسف بذلك، وعندما التقيته في مكتب الأستاذ الدكتور جمعة عتيقة، بادرته قائلًا: «لقد أخبرتني الأستاذة سالمة أنك غاضب من غلاف المجلة، واعترف أنه عندك حق!، ولكنك ظلمتها لأنها كانت تنوي أن ترحب بك في المجلة، وتنشر صورتك أنت، ولكنني - وهذا خطأ مني – نبهتها أن الأستاذ يوسف حبيب الأطفال، وهو بطلهم المثالي، وأنهم مأخوذون بأدبه وإبداعه، ولكن أغلبهم يسمع فقط باسمه الجميل، ولا ينبغي أبدًا أن نمسخ الصورة التي رسموها له في خيالهم، فلندعهم يحلمون بكاتبهم المتميز من دون أن نفسد أحلامهم ونرعبهم بصورته!..». فكور قبضته - كعادته - ورفعها فوق فمه وأشرقت ألوان نافورة ابتسامته العذبة، وقال بعفوية «غلبتني يا معفن!».

يا بلادي.. يا بلادي بجهادي وجلادي.

في مهرجان كتاب الأطفال، الذي أشرت إليه، اقترح المرحوم إدريس المسماري أن نستضيف رفاقنا الذين يغمروننا بكرمهم عندما نزور طرابلس، وفي شاليه لنا في شاطئ بحر بوفاخرة، استضفناهم، وكانت فكرة جيدة. ذات ليلة من تلك الإقامة، خرج الأستاذ يوسف من بين الرفاق، واتجه نحو البحر، ثم سمعناه، يتغنى بصوت عالٍ بنشيد المملكة : «يا بلادي.. يا بلادي بجهادي وجلادي..» إلى أن وصل «حيي إدريس سبيل الفاتحين..» فانطلقنا نحوه، إذ لم نكن وحدنا بالمصيف، صحيح أننا اقتربنا من المنتصف والشاطئ خالٍ من الناس، ولكن أغلب الشاليهات مضاءة وأصحابها يتسامرون، ويسمعون! لما وصلنا، وأسكتناه، وقلت له «يبدو أنك ما زلت تريد صورتك تتصدر الصحف والمجلات، ولكن انتبه أن الناس لن يروا وجهك الوسيم بسبب الشكارة السوداء التي سيضعونها فوقه، قبل شنقك وتصويرك. يا راجل رمال الشط تسجل ما يقال، فما بالك بالبشر!».

لم يهِن، ولم يهَن، ولم يهدأ أو يستكين أو يهادن أو يداهن

رحم الله خونا يوسف الشريف الذي أثرى المكتبة الليبية بالعديد من كتبه وكتاباته، وما زالت أقول، وأكرر إن المعجم الذي أعده للأطفال، لم يسبقه عليه أحد إلا الأوربيون. عاش شريفًا عفيفًا، لم يتلوث لا قبل ولا بعد، وقد يكون الوزير الوحيد، الذي ظل في بيته، ولا أعتقد أيضًا أنه سعى أو تقاضى شيئًا، مثلما فعل غيره! ظل صاحب موقف لم يهِن، ولم يهَن، ولم يهدأ أو يستكين أو يهادن أو يداهن.

وأذكر أنه لما كلفه الأستاذ محمد كانون رئاسة تحرير مجلة «الغرفة التجارية»، التي لا أذكر في هذه العجالة عنوانها، لم يصدر عددًا منها من دون نقد مباشر للقائمين عليها، وعلى رأسهم رئيس الغرفة الذي اختاره وزكاه وعينه!

يوسف الشريف، ظاهرة أدبية إنسانية سنظل طويلًا نتذكره بالخير والصفاء، فمثله عصي على النسيان.

المزيد من بوابة الوسط