«السنوسي»: سيرة الدم من داخل معسكر في بنغازي

 قبل روايته الأخيرة «يوميات زمن الحشر» سبق للدكتور صالح السنوسي أن أصدر خمس روايات هي: «متى يفيض الوادي وغدًا تزورنا الخيول ولقاء على الجسر القديم وسيرة آخر بني هلال وحلق الريح».

دارت معظم أحداث هذه الروايات في أوروبا، مكان دراسة الاقتصاد والعلوم السياسية للطالب السنوسي آنذاك، أو في أماكن افتراضية على طريقة «قرية ماكاندوا» ماركيز كما في روايته «حلق الريح»، الأمر الذي جعل الكاتب الليبي يوسف الشريف يقول عنه:

«إن السنوسي لا يكتب رواية ليبية»، لكن في روايته السادسة «يوميات زمن الحشر» وبعد زوال خطر الديكتاتورية، جعل المكان والزمان ليبيين، متناولاً حقبة تاريخية دامية، امتدت لأربعة عقود .

أولى روايات د السنوسي «متى يفيض الوادي 1980 م»، لاقت ترحيبًا نقديًّا لافتًا، حيث قال عنها الناقد الراحل د. غالي شكري: «وكأنّي بصالح السنوسي على صعيد البناء الروائي هوَ أحد الامتدادات الحية لتراث نجيب محفوظ ويوسف إدريس معًا.

إنّ صالح السنوسي من أبناء الواقعية الجديدة إذا شئت، وإنهُ ابنٌ لتراث الرواية العربية الحديثة إذا شئت أيضًا، غير أنه قبلَ ذلكَ وبعده، قبل الأبوة وبعد البنوة هوَ صوت فنّي متميزٌ، لهَ شخصيته الأدبية المستقلة، ولهُ قدرة ٌعلى العطاء السخيّ».

يوميات زمن الحشر

تبدأ رواية «يوميات زمن الحشر» من داخل معسكر اعتقال في بنغازي، معروف للجميع حتى وإن تغاضى الروائي عن ذكر اسمه صراحة، حيث يجرى التحقيق والتعذيب مع أعداد كبيرة من الطلبة والمحامين والتجار والأطباء، على خلفية تظاهرات ضد النظام العسكري آنذاك، لتتنوع مصائر المعتقلين عقب التحقيقات الصورية، من إعدام إلى سجن إلى هروب، إلى جنون .

الرواية تابعت التغيرات الأيدولوجية، التي فرضها النظام، على حياة المجتمع، لينعكس تأثيرها على حياة وسلوك الأفراد، حتى يصل هذا التأثير إلى العواطف، من خلال علاقات حب تنشأ بين شخصيات الرواية، ولا تنتهي بشكل طبيعي، فلا يحدث اللقاء مثلاً إلا بعد سنوات، وفي ممر مستشفى وكلا الحبيبين عاجز، يجلس على كرسي متحرك وقد غيره الزمن شكلاً ومضمونًا .

لم تترك الرواية نقطة دم أريقت أو آهة توجع صدرت عن حنجرة مظلوم أو روح فاضت إلى الملكوت، إلا وتتبعتها عن كثب، أحداث مفصلية دامية حدثت طيلة عمر الرواية، استدعتها وتعاطت معها فنيًّا.

مثال ذلك تظاهرات الطلبة العام 1976 م، الهجوم على ثكنة باب العزيزية مقر القذافي العام 1984، إطلاق السجناء العام 1988 بما يسمى «أصبح الصبح».

 المواجهات المسلحة في بداية التسعينات بين الإسلاميين ونظام القذافي، مذبحة بوسليم صيف 1996 والتي راح فيها حوالي 1270 سجينًا أعزل لم يتم تقديمهم للمحاكمة، انتفاضة الشباب أمام القنصلية الإيطالية في بنغازي العام 2006 احتجاجًا على الإساءة للرسول عليه السلام من قبل وزير إيطالي لبس قميصًا به عبارات مسيئة.

جدلٌ كبيرٌ طال الرواية عقب صدورها، بسبب تناولها تاريخًا يعرفه الجميع.

الأمر الذي جعل د. صالح السنوسي يرد بقوله «هذه الرواية تحوم حولها تهمة أنها تاريخ، غير أنني اتصور أنها محاولة للمزج بين المتخيل والواقع.

 نعم لقد اعتمدت على بعض الوقائع الحقيقية المعروفة في سردها، وحاولت أن أخيّل الواقع وأرفعه الى مستوى الخيال ولا أنزل بالخيال الى مستوى الواقع، ولم يكن عمل الرواية مجرد سرد لأخبار سياسية حدثت في يوم ما، وأبدًا لم تكن رواية أدب سجون كما يتصورها البعض، بل هي رواية تغلغلت في أحشاء المجتمع وقدَّمت طبقات المجتمع وما جرى في تلك المرحلة . لأنني ببساطة لست مؤرخًا» .

 

المزيد من بوابة الوسط