ملف: كلمات في رثاء «سافو».. الشيخ الذي رحل طفلًا

الأديب يوسف الشريف (الإنترنت)

يرحل الأديب يوسف الشريف طفلًا في عقده الثامن، يحلم بالكتب وبالعصافير، وبأزهار يقطفها من حدائق مجرته الفريدة التي رسم فيها كل رغباته وطموحاته وأمانيه، التي رفضت أن تشيخ بل تزداد نضارة في كل يوم تلتقي فيه شمس الصباح.

ربما غادرنا (سافو) جسدًا لكن حروفه ستظل باقية في مدونة المعرفة التي كرس حياته لأجلها، مشتبكًا كما يقول مع الفقر والجهل والمرض.

إبراهيم الكوني: الفارس الذي ترجّل
نحن، بوجودنا الروحي، لا نسكن المكان، لا نسكن الزمان، لكننا نسكن ذلك المخلوق، الذي أبَى إمام الحكمة أفلاطون، إلا أن ينصّبه على عرش المثال عندما سوّقه عنوانًا للسعادة، كما الحال مع: الصديق!

فالصديق وحده شريكنا في مائدة الوجود. شريكنا في الحضور قيد الوجود، ليجعل من هذا الوجود فردوسًا جديرًا بأن نحتفي به في بُعده المستعاد. ولهذا السبب لا نخسر، في وجودنا في هذا العالم المُعادي، كما نخسر عندما نفقد الصديق، لأننا بفقده إنما نفقد ثروتنا الأنبل، نفقد معنى وجودنا الذي لا وجود له بغياب الإنسان الذي استودعناه ذكرياتنا، استودعناه تجربتنا، استودعناه ثقتنا، استودعناه حصيلة ذكرياتنا. وما قيمة حياة نزفت فحوى كانت لنا عزاء في محنة الوجود بتبخّر ذكرى، هي، بكل المقاييس، غنيمتنا الوحيدة في دنيانا، غنيمتنا، لأنها مضمون مسيرتنا، والقطب في وجداننا، وانسحابه من واقعنا هو سحب للبساط من تحت أقدامنا.

من تحت أقدامنا؟ كلّا! بل هو سحب للنصيب الأوفر من أرواحنا. فهل نحتمل نزيف الروح طويلًا؟

الواقع أننا لا نزهد في البقاء قيد هذا الوجود أكثر مما ينبغي إلا بسبب هذا النزيف، لأن ليس لنا أن نأمل في طول العمر بأي ثمن ما دام طول العمر رهين الإفلاس الفجيع، الناجم، عن الخواء، الناجم عن رحيل الأخلّاء، الناجم عن سخاء النزيف الذي خلّفه الفرسان الذين اعتادوا أن يخذلونا كلّما ترجّلوا. فبأيّ قياس يستطيع أمثالي أن يخوضوا ما تبقّى من رحلة العمر، وهم الذين مُنيوا، في حياةٍ، هي بالطبيعة فسحة محدودة الصلاحية، بمثل هذا الحجم من الخسارات، ليعترفوا لأنفسهم بالهزيمة؟

بلى! رحيل صادق النيهوم هزيمة، ورحيل جيلاني طريبشان، وعبدالله القويري، وخليفة التليسي، وكامل اعراب، ومحمد الزوي، وأحمد إبراهيم الفقيه، ومحمد الفقيه صالح، وعلي بيري، وخليفة حسين مصطفى، ويوسف القويري، وخديجة الجهمي، وعلي صدقي عبدالقادر، وفنايت الكوني، وحسين الكوني، وعبدالرحمن الخميسي، وغائب طعمة فرمان، وجيلي عبدالرحمن، ومحمد الفيتوري، والطيّب صالح، ومحمود درويش، وسعدي يوسف، وها هو يوسف الشريف ينضمّ إلى هذه القافلة، عندما اختار بالأمس أن يترجّل، لكي يأخذ منّا الذخيرة الأكثر حميمية فينا، لتزداد فينا الروح اغترابًا برحيل هؤلاء، وبؤسًا، بعد أن كانوا قد نهبوا منّا غصبًا فحوى ذاكرة تزداد شحًّا كل يوم، حتى إذا استكمل مَن أحببناهم لملمة أمتعتهم، سقطنا أمواتًا، حتى في حال تظاهرنا ببقائنا قيد وجودٍ يفقد بهجرتهم المعنى، لأنهم هم مَن كان تلك الفحوى. فهل نفلح في أن نستعيد حضورهم فينا، بفضل تلك الأحجية التي لا وجود، بوجودها، لعَدَم، كما الحال مع معجزة لم نقدرها حق قدرها كـ:الذاكرة؟

أمين مازن: يوسف الشريف تجربة الغربة والوعي
انطلاقًا من كتابه «الأيام الجنوبية» والذي أنجزه منذ سنوات وتناول فيه أول تجاربه مع الغربة والوعي، في خمسينيات القرن الماضي، أي قبل التحاقه بالجامعة الليبية وتخرجه والتحاقه بالعمل ابتداءً من الإذاعة الليبية وخوضه تلك التجربة الطويلة التي جمع فيها بين الكتابة الأدبية والفكرية فخاض أكثر من معركة وتعرض لأكثر من صعوبة، وكان دائمًا مثالًا للصمود والتحمّل وسلامة الخيار كما تشهد مدونته الأدبية والفكرية وتجلياتها في القصة القصيرة والمقالة الأدبية والكتابة المتعلقة بأدب الطفل، نصوصًا وترجمة ودراسات، فضلًا عن عن تأسيس أكثر من مطبوعة كمواسم، وأفق والليبي اليوم، إلى جانب المشوار العملي الذي بدأ كما أسلفنا من الإذاعة وعبر مؤسسة النفط وأخيرًا حمل حقيبة وزارة الإعلام، تلك التي لم يتردد في تقديم استقالته منها، لمجرد إحساسه بأن البقاء سينال من تاريخه، وإسراعه لإعادة ما في عهدته واكتفائه بمرتبه التقاعدي المُقرر قبل التكليف وفي حدود درجته التي لم يسع إلى إضافة مكافآت لها كما شهدنا بذلك في حينه وقد أعاد لهم يومئذ السيارة المُسَلَّمة له في الوقت الذي لم يتردد الكثير ممن هم أقل منه منزلة في الإحتفاظ بأكثر من واحدة وما ذلك إلا لرهانه على المستقبل وبالأحرى التاريخ والذي لا بد أن يسطر بمداد من ذهب في سجله الذي لا يرحم أنصع الصفحات لمن يتناول اليوم سبع أقراص لأكثر من مرض ويتحمل التكاليف من مرتبه، في الوقت الذي يوفد العشرات لمعالجة العقم ومثلهم للنزهة فضلًا عن الحج والعمرة، ويتمتع كل من حمل حقيبة الوزارة بأرتال السيارات ويؤشر على أي طلب شخصي يشتهيه ليس له وحده بل ولعديد الأقارب إلى الحد الذي يشبه الخيال، حتى أن القول المعروف بأن من ليبيا يأتي الجديد، لم يصدق بشأن الإستغلال، مثلما يصدق في أيام الناس هذه مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر بالبال عن الفساد والإفساد، والذي فاق في أيامنا هذه عالم الخيال.

علي العباني: يوسف الشريف الذائقة
كوّن يوسف الشريف خصوصية في الوسط الثقافي الليبي كظاهرة أدبية أولا وثقافية إنسانية عالية ثانيا.

وهذه الأخيرة يعرفها عنه الذين اقتربوا منه وعرفوا شخصيته المتفردة عن قرب والتي تكونت في زمن بواكير الشغف الفكري والمعرفي بداية الستينات في مدينة طرابلس التي كانت تعج ساحتها الثقافية بمظاهر التطلع والوعي المبكر رفقة عدد من مجايليه ممن كونوا ملامح الحركة الأدبية فيما بعد من أمثال كامل المقهور وبشير الهاشمي والتكبالي والتليسي.

كانت مقاييسي للتكامل الثقافي والذائقة النقدية التي لايقتصر دورها على النقد الأدبي هي مقاييس المعرفة المتكاملة والتي تشتمل بالضرورة على دراسة تاريخ الفنون البصرية بصنوفها في التشكيل والمسرح والسينما، وأيضا تاريخ ونقد فنون السماع في مجال الغناء والموسيقى والآداء الصوتي.

باختصار كل مجموع الفنون البصرية والسمعية التي تنجم عن الحس الإنساني الرهيف وتؤكد توافر الموهبة والتي تؤكد توافر الحس الإنساني المتكامل.

لقد ذكرت تحديدا المقهور والتليسي والشريف كأدباء وكتاب في طرابلس اكتملت لديهم صنوف المعرفة وملكة الذائقة الجمالية التي مكنتهم من تناول حالات إبداعية بصرية من خلال حدث ما انفرد به كل منهم عند تناوله لظاهرة جمالية خارج التناول المحض أدبي.

التليسي مثلا كتب عن (لوحة الخيش المثقوب) للفنان الإيطالي بوري Burri

والمعروضة بالمتحف الوطني بروما متسائلا عن فحوى المجرد البصري.

وكامل المقهور كون من صالونه بحي الضهرة ملتقى لم يقتصر على الأدباء بل أيضا على الفنانين من أمثال عبدالمنعم بن ناجي وكنت أنا علي العباني ممن كان مُصرًا على حضوري الدائم ولكل الملتقيات الثقافية حينها.

من خلال علاقتي بأدباء الساحة في ليبيا قليل منهم من كان يتحدث مثلًا عن مشاهداته السينمائية ولعل يوسف الشريف في نطاق جيله ممن عرفت كانت لديه ذائقة سينمائية كونت تكاملًا مع ذائقته البصرية التشكيلية خاصة المرحلة الإنطباعية والتأثيرية من خلال رموزها فان جوخ وسيزان وجوجان.

ما يعزي الفقدان لمثل هذا الرمز هو نتاجه الأدبي الذي أثرى وسيثري المكتبة الليبية دون شك.

ليوسف الشريف الرحمة والمغفرة ولليبيا التي أحبها شمالا وجنوبا شرقا وغربا ولكل أصدقائه ومحبيه وللطفولة التي لم تغب يوما عن روحه وافر العزاء.

مصطفى الطرابلسي: «ترحاب» (إلى يوسف الشريف)
من يجيءُ الأطفالَ بالهدايا في الأعياد

وأين يختبئون من القنابل والحجر؟

ومن يمسح عن الغيم غبار الظمأ

ومن يرتب أسرة الصغار

في صباحات المطر

من يعيد صدى الترحاب

هاقد وصل العم يوسف

ياصحاب

أضناه الشجن

قابضا على عصاه

آه كم أتعبتني ياوطن!

أيها اليوسفي الجميل

بردت قهوةُ المذياع

وانحسر القمرِ من أول السهر

وانتظركَ الصغارُ وشايُكَ الصباحي

لكنك لم تجيءْ

وآثرتَ السفر

عاشور الطويبي: في زنقة-الباز استمعنا إلى عازف الترمبيت.. (إلى الصديق الذي عزف لحنه الأخير..)
إلى الكأس أخذتْ النارُ الحاميةُ الرملَ

إلى العنب أخذتْ الشمسُ الماء والالتفاتةَ

إلى السُكْرِ أخذتْ البهجةُ الشاعرَ

وإلى الخلود أخذت المغنيةُ الراقصَ

ب

وبيننا هواءٌ وشجٌر وحُروبٌ

وبيننا جبالٌ وأودية وسُحبٌ

وبيننا قلاعٌ وأعلامٌ ومقابرٌ

وبيننا أسرّةٌ وأسواقٌ وأغاني

وبيننا كلامٌ ونومٌ ويقظةٌ

ت

الواقفُ على رأس التلّ عارفٌ بالغيوم

الواقفُ على رأس الوادي عارفٌ بالصمت

الواقفُ على رأس البحر عارفٌ بالنسيان

ث

الكثبان الرملية بناتُ الريح الجنوبية

بيتُ العناكب صغيرٌ على سفينة النجاة

رشيقٌ كمتسلّقِ نخيل

يسأل الناس عن إيقاعه المسروق

يصرخ: اقتربي أكثر أيّتها العيس

د

من يفهم حكاية الغريب؟

لقد دخلتْ الأنعام المصيدة الحجرية!

المهدي الحمروني: الرسول المُغيّب..

تبنّيتني إبنًا تبنيتكم أبا

كأن كلانا الطفلُ مُغوىً ليلعبا

فديتُك لو ترضى سنينًا تقاصرت

على إثر مولدك المُفدّى تقرُّبا

كأن سؤال النخل إرثٌ يصوغُنا

نبيّين يغتربان وحيًا مُعذّبا

تأملتَها الدنيا وكُنتَ فصيلةً

من الحب تُغرِسُها الفسيل المهذّبا

فلا مكسبٌ إلا قلوبٌ تهافتت

إليك بفيض الحس شرقًا ومغربا

تشيخ النوايا بين خوفٍ ومطمعٍ

وبتَّ عفيف النبض في رونق الصبا

ولا خشيةٌ في الحق من لومة لها

زئيرٌ تولّى عنه من قد تقلّبا

ويا يوسف الخيرات ألهمت روحها

صنيع الثنايا في المُلِمّات مطلبا

تواضعت من أجل الطفولة رؤيةً

سَمتْ حُلُمًا من أجل حُلْمٍ تغرَّبا

ويا يوسف الروح التي لا يطالها

من الحُسن تأويلٌ مُعنّىً توثُّبا

تَعَجّبَ فيكم كلِّ خُلقٍ كأنما

تملّكته من كلِّ خُلقٍ مؤنّبا

تعهدتَ أثواب النقاء سريرةً

لوجه الندى حتى أفاض وأعشبا

وصُنتَ لها ضحكات سَردٍ مغرّدِ

بريعٍ رعاها عطفةً وتحبُّبا

بُعِثتَ خليل الصدق في كلِّ صحبةٍ

وصدِّيقها فاسْمُ رسولًا مُغيَّبا

عمر الكدي: ستشتمني.. سأضحك (إلى الأستاذ/ يوسف الشريف)
وأنا أغرق في أوهامك

تعلمت العوم صدفة

ها نحن نبتعد عن

الشاطي،

وحكايتك لم تنتهِ بعد

يحزنني أننا الآن غرقى

اختفت من أمامنا المرافئ

القديمة

غرقي.. غير أن فقاعاتنا

ما زالت تتفجر في الهواء

الطلق

شفافة بين زرقتين

أمازلت تبحث عن

«طرابلس»

بين النفايات

يا صديقي لقد ضيعتها

وضاعت

هل تجدي الحسرة الآن؟

ولم يبقَ ما نفرشه لك

لتمر متوجا بما رأيت

سأستمع الى حكاياتك

ونحن نغرق

فافرغ ما في جعبتك

أو أفرغ ما في رئتيك

كي تتفجر الكلمات في وجه الحياة

الكلمات التي تبقى بعد الموت

أيها الريفي الذي ضيع «طرابلس»

سأعاصرك حتى تعيدها بالحكايات

ولنغرق مثلما يغرق

ثم يطفو «سندباد»

أراك الآن بوجهك «المنقط»

الذي يخافه اللصوص

يلمع تحت نعليك رصيف

يقود الى المسرات

لن تزعجني ظلال الأمنيات

فأنا ولدت في العاصفة

ولم أر ما يستحق الندم

لذلك أضحك كلما تذكرتكم

تقفون سكارى..

للنشيد الوطني

وسأحترم نشيجك العميق

والرياح تصفر بين الخرائب

فتلثم حتى يدا الغبار

وتمتم بما تشاء

أذني دهليز عميق يألفه الصدى

وإذا لم يلمع تحتك الرصيف

فليلمع فوقه الحذاء

العروس التي ربتت على وجنتيك

قد آصبحت شمطاء

لذلك ستشتمني كلما تغضب

وسأضحك لأنك تدفع الثمن

تسرني هذه الطمأنينة

كلما رأيتك باسما أو عابسا

متأملا خطاك الحافية

وخطاي تنتعل خطاك

هذه الجدران عالية دون كتفيك

لا بد أن ننحني قليلا كي نقفز الزمن

وسأضحك لأنك تشمتني

وستشتمني لأنني أضحك

ونفرغ ما في رئتينا

بالشتم والضحك.

عزة المقهور: يوسف الشريف الساخر.. الساحر
كلما أتذكر الأستاذ يوسف الشريف تحضرني صورته وهو يبكي بحرقة أمام بيتنا في مأتم والدي.. كانت حرقة الأخ على وفاة أخيه الأكبر، حرقة أكبر من الفقد ذاته وكأنه يبكي جيلا يختفي أثره.. إنها الحرقة على الوطن.

كان يوما شتويا لكنه مشرق، جاء على عجلة بمجرد أن سمع بالخبر.. جاء يبكي وهو يقول «الأستاذ كامل» ويضرب كفا بكف.. كنت أشدَّ بأسًا أمامه لأنني لم أرَ الأستاذ يوسف إلا باسمًا بشفتين مائلتين، وهو يغطي فمه بكفه ويسخر من كل شيء.. يسخر مني ومن ابنتي ذات الشعر الملتوي ومن لون عينيها الرماديتين.. ومن قامتي القصيرة ومن عملي ومن كل شيء لينجح في جرك سريعًا إلى حلبة السخرية تضحك معه وتستعذب سخريته.

أتذكر في إحدى الأمسيات الأدبية في شتاء طرابلس الدافئ، انتحى بي عمي «يوسف» جانبا، وقال لي بصوت هاديء بالكاد يسمع.. «هل ما زال في درج «كامل» نسخ من قصصه»، ضحكت من قلبي وكنت أعلم أنه يستدرجني ليسخر.. قلت له، سأكتب قصة الليلة وأهديها إليك وستكون لها علاقة بهذه «الهدرزة» في سقيفة المكان. وبالفعل في اليوم التالي نشرت قصة «هدرزة سقيفة» وأهديتها إليه.

عرفت يوسف الشريف منذ أن ميزت الوجوه الباسمة أمام عيني والقريبة من وجهي، كان يزورنا ببيتنا في شارع خالد بن الوليد بالظهرة، فهو ابن فشلوم حتى النخاع، حتى وإن ارتد في أصوله إلى مسقط رأسه مدينة ودان المقدسة بهالة من أشرافها، إلا أن طبيعته، بل حتى لونه الخمري وسخريته وبساطته ونظرته واهتزاز جسده وهو يضحك، كلها من عادات أهل فشلوم.

فشلوم الحي الشعبي الذي لم يتغير، الحي الذي يرصد الغرباء إلا من جاء لزيارة أهله فيه أو معارفه.. تدخل فشلوم فتشعر بحي ينتظم سكانه متساوين في صف واحد، ينظرون إليك وهم يعلمون إنك إما مار من الطريق الرئيسي الطويل الضيق أو في زيارة لبيت من بيوته، لكنك لست باقيا فيه.. لكي تكون منهم عليك أن تتبنى نمط حياتهم البسيطة في تفاصيلها والغنية في علاقاتها وإلا..

فابن فشلوم لا بد وأن يكون «جدع».. يحترم أصول العيش المشترك لحي شعبي، تتراص بيوته كأنها قطع لعبة التركيب، وتشرع أبوابه، تحول بينها وبين أزقتها المتربة قطع قماش تنسدل منها يقذف بها الريح.. فتعري سقيفته وأهلها المتربعين فيها.. لكن لا أحد يلتفت إلى الداخل. حي مكتظ من أحياء وسط طرابلس.. ولعمري لم أقابل شخصا عاش في فشلوم إلا وعاد إليه زائرًا أو مجالسًا على رصيفه أو ساكنا فيه من جديد.. ولم أقابل منهم من رحل عن الحي إلا وذكر أنه من أزقة فشلوم الترابية ومن مساكنه «العربية» ذات الأسقف المفتوحة.. تعانق السماء وتتنفس جدرانها غبار الأرض.

ويوسف الشريف الذي رحل عن فشلوم إلى دارة بها حديقة غناء بحي الأندلس، وتولى مناصب في المؤسسة الوطنية للنفط، وسافر إلى بقاع شتى من هذا العالم، ظل ابن فشلوم.. شديد النظافة، معتدًا بنفسه، محبا لوطنه، منفتحا على مدنه، عاشقا لألوانه، وساخرا من كل ما حوله.

يتجمع من حوله أدباء وكتاب وشعراء من كل ليبيا، أصغر منه سنا بل منهم من هو في عمر أولاده، يجالسهم ويضاحكهم ويناكفهم ويوجههم ويدافع عنهم ويتشاجر مع قلة منهم ثم سرعان ما يتصافى معهم.

كان صديقا مقربا من الكاتب محمد أحمد الزوي، قضى معه سنوات طويلة.. وفي فترة الستينات كانا يلازمان والدي، يقطعان عليه خلوته في مكتبه بشارع الاستقلال، ينتزعانه من بين نصوص القانون ومذكراته ويجرانه معهما إلى عالم الكتابة والخيال والإبداع.. كان ينتظرهما لكي يخرجاه من عالم المهنة إلى عالم الأدب.. كان يوسف الشريف شديد الاحترام لوالدي، يقدره ويناقشه في آن واحد، لكنه كثيرا ما ينصت إليه.

حين قرر والدي العودة بقوة لعالم الأدب الذي أحبه وأحب وسطه، هذا العالم الذي يعيش داخله ساكنا أحيانا لكنه سرعان ماينداح كالبركان، ليخرج إبداعا من قصص قصيرة عن مدينته وسكانها وأصحابه وسيرته وسيرتها التي تشابكت.. عن الحي الذي أحب حتى الثمالة «الظهرة» والملاصق لفشلوم.. حين قرر العودة في ذلك اليوم الذي كنت معه على متن طائرة أقلتنا من جنيف إلى الرباط.. يفرش الأوراق البيضاء ويكتب بقلم الرصاص سيرة الحي والمدينة والبلد.. يصل الليل بالنهار يكتب بسرعة ويوزع علينا الورق لنقرأ عن جيل لا نعرف عنه شيئا.. حين عاد اختار يوسف الشريف ليعلنها من خلال مقدمة غنية لكتابه محطات/سيرة شبه ذاتية وبعنوان «عودة الفارس القديم..».. وكأنه به يستدعيه.. يضع سرجه على الحصان، يعاونه على امتطائه، يصيح فيه أن ينطلق ويضرب بكفه عجيزة الحصان.. فينطلق بقوة وهو يعلم أن «كامل المقهور» لديه طاقات أدبية هائلة لا بد وأن يفرغها على الورق للأجيال المتعاقبة.. هكذا عاد والدي وانطلق في ساحة الأدب من جديد.

يقول الشريف في مقدمة كتاب محطات: «فالبطل هنا ليس سوى نموذج لجيل قدر له أن يكون أول من يدق أبواب المستقبل، يدقها بعنف، وبقبضتين عاريتين.. إنها رحلة.. اتخذت من ضمير المتكلم منطلقا لسياقهاـ غير أن هذا الضمير لا يملي سياقها بل تمليه شخصيات أخرى تمثل الركيزة الحقيقية للأحداث، وهي شخصيات فاعلة وليست محايدة رغم اختفائها خلف ضمير الغائب».

يبدو أن مهن والدي الشاقة أبعدته لفترة عن قومه، عن أحبائه وأصدقائه، عن الأدب الذي عشقه.. فكان لا بد من عودة، وكانت العودة مع كوكبة من أهل الأدب، تقدم إليهم بالشكر في مقدمة كتابه.

ذات يوم، أتذكره بتفاصيله كاليوم، في مكتبنا للمحاماة حين كان موقعه في ميدان الجزائر بالدور الثالث، يطل على مبنى بلدية طرابلس بدرجاته الرخامية وعلى يمينه الكاتدرائية التي تحولت إلى جامع.. كانت طرابلس قد نهضت ببطء من غفوة طويلة أمم فيها العمل الخاص ومن بينه مهنة المحاماة.. عادت مهنة المحاماة خاصة وحرة كما هي دوما وكنت مع والدي قد بدأنا التأسيس والانطلاق بخطى وئيدة لـ«مكتب المقهور وشركاه».

رن جرس الباب ولمحت من غرفة مكتبي رجلا يرتدي سروالا رماديًا وقميصًا أبيض ناصعًا، تصحبه فتاة في مقتبل العمر يدخلان مباشرة إلى مكتب والدي.. وفجأة سمعت صوت أبي جذلًا عاليًا مرحبًا، وهو يقول «يوسف مش معقول؟».

تذكرت بعض ملامحه حين ناداني أبي للسلام عليه، احتضنني كابنته، وهو يصف لي ذكرياته في بيتنا، شقاوتي في صغري.. والأهم أن ابنته منار التحقت بالعمل في مكتبنا، لتصبح عضوًا فعالًا فيه، مكثت حوالي الخمس سنوات، ربطتنا المهنة وتلك العلاقة القيّمة في معناها، المتأصلة ما بين والدينا.. فتحت لي مكتبة عمي يوسف فقرأت الأدب الروسي وأحببت تولستوي، وفتحت لها قلبي فكنت بمثابة أخت كبرى، وهي ابنة وحيدة، وكنت أشرف عليها في عملها.. غالبا ما استعان بها والدي لمراجعة طباعة ما يكتبه من قصص، وكأنه يستعين بعيني أبيها يوسف الشريف.

عمل يوسف الشريف في مجال الإعلام والصحافة وعين مديرًا للإذاعة الليبية في العام 1969، وتولى رئاسة تحرير مجلة الفصول الأربعة، وهي مجلة تعنى بالأدب وصيتها بلغ خارج الحدود.. كان والدي يداوم على اقتنائها. ثم قرر الشريف أن يلج إلى عالم جديد لا يعيره الأدباء العرب اهتمامًا.. ألا وهو أدب الطفل، فألف القصص، وأعد المعاجم لهم، منها «المختار في اللغة والعلوم»، وبلغت مؤلفاته لهم المائة عنوان.. لم يكن أحفاده قد وصلوا بعد.. لكنهم وقد حلوا في مضاربه، فلا بد وأن «جدو» اليوم يقرأ لهم ما كتب.

«سقطت حبة القمح من سنبلتها، وسقطت قطرة الماء من سحابتها، قالت قطرة الماء لحبة القمح، تعالي ننام في فراش واحد. فتدحرجت حبة القمح حتى عانقت قطرة الماء. وناما معًا. بعد يوم أو يومين.. بعد شهر أو شهرين، صارت حبة القمح سنبلة».

«خرج العصفور من بين جناحي أمه، وطار فوق الغابة الكبيرة، عندما تعب، حط على ضفة نهر صغير، جاء طير كبير، وقال هذا النهر لي، فطار حتى وجد نهرا، فهبط وجلس على ضفة النهر الكبير، جاء طير كبير، وقال هذا النهر لي، عاد العصفور إلى جناح أمه، وقال: هذه أمي، وهذا الجناح لي».

وأسس مكتبة متواضعة للطفل تحت شعار «من أجل عقل حر»، يشجع فيها على القراءة ويوزع الكتب مجانًا للأطفال.

وكان أجمل ما كتب على الإطلاق بعد مجموعته القصصية «الجدار» التي نال عليها جائزة الدولة التقديرية في العام 1965، ومجموعته الأقدام العارية، هو سيرته الذاتية «الأيام الجنوبية/سيرة) التي امتزج فيها الألم بشظف الحياة.. كان صادقًا بطباع أهل فشلوم.. لم يخف العوز والحاجة والمرض والخوف.. عرج على الجنوب الذي كان ملاذًا لأهله القاطنين طرابلس كلما ضاقت بهم الحياة فيها.. وأجمل مقطع أثر فيّ، أراه بقلبي الذي يعتصر وهو يلتقط كلماته الحزينة.. تلك الرحلة من طرابلس إلى فزان ليعمل معلما للمرحلة الابتدائية وهو لم يبلغ سن الرشد.. يجلس فوق البضائع في صندوق الشاحنة العاري مرتديًّا معطفًا أكبر من حجمه وحذاء قديمًا.. يقول الشريف في ذلك المقطع المؤثر.

«عندما لوح أبي بيده مودعا، قال لي قلبي أني لن أراه مرة أخرى، واريت وجهي وبكيت، إلى أين تأخذني الأيام، لماذا في لحظات الوداع يفيض الحب العظيم، فنتذكر كل ما هو صغير وعرضي وتافه، ونرى فيه ملاذا لكل ما هو جميل ورائع في حياتنا؟ في تلك اللحظة أخذتني شيخوخة مبكرة فاسترجعت وجوه أصدقائي وجهًا فوجهًا، واسترجعت وجه حبيبة طفولتي واخترق قلبي بالحنين».

وفي مقطع آخر «لم أجد لجسدي مكانًا فوق البضائع، كانت محمية بغطاء سميك ومشدودة بحبال قوية تتقاطع في اتجاهات متعددة استطعت أن أفسح لجسدي فضاء بين البضائع والضلع الأخير من صندوق الشاحنة، رغم صغر حجمي فإنني لم أستطع أن أتمدد، ثنيت ساقي وشبكت ذراعي على صدري وأخفيت رأسي في ياقة المعطف العسكري القديم، اشتراه لي أبي، وجدت فيه غطاء يحميني من الغبار وموجات الهواء المعاكسة لاتجاه الشاحنة».

وكان هذا ما يصنع الرجال في بلادي.. قسوة ظروف العيش وشح المشاعر وصلابة العود والتشبث بوعد لمستقبل آتٍ، كما وعد حبة اللوز الأخضر الصلبة بقلب أبيض رطب.

أتقن الشريف اللغة الإنجليزية، تمرس في الأدب والصحافة، وتعفف عن المناصب حين سعت إليه، وولج عالم أدب الطفل، التهم الكتب بأنواعها ليصبح مثقفًا من الطراز الرفيع.. واليوم يواظب على المشاركة في منصات التواصل الاجتماعي بإدراجاته الفيسبوكية وتغريداته المكتنزة في معانيها كفطائر «سفنز» الصباح في فشلوم، يحلم عمي «يوسف الشريف» لهذا الوطن أن يكون «فشلوم» كبيرًا في تماسكه وتراصه ومحبته وبساطة أهله، يتمنى ألا يبكيه أكثر.

مريم سلامة: عجين الرؤية والابداع
«أذهلني رؤية الشمس وهي ترحل محتمية بالجبال بقيت أرقبها حتى اختفى آخر شعاع منها قرأت في الكتب أنها لا تغيب، لكنها تشرق في مكان آخر».

ينطلق يوسف الشريف في اهتماماته، التي يتصدرها الطفل والبحت الموسوعي، وكتاباته، التي يتصدرها القص والمقالة والتنضيد المعجمي، من شغفي التأمل والقراءة. وفي هذا المسير لم أجد عبارة تختزل بجمال وأبهة هذين الشغفين مثل هذه العبارة التي وردت في كتابه (الأيام الجنوبية)، الذي كان قطاره السريع إلى ركن قصي في الذاكرة، هو بلد قصي في أرض الوطن، أطلق عليه رحلة اليوم الواحد.

ذهب إليه شابًا يافعًا حالمًا بالتغيير والعطاء وسقاء التجربة، وعاد إليه مبدعًا مخضرمًا واسع المعرفة، فتكون الثمرة ألذ وأغنى مما قد نتخيل.

تجربة غنية تأخر في تدوينها وتمهل في تفصيلها فجاءت متأخرة مختزلة، لكنني سعدت بها كثيرًا واستمتعت بقراءتها جدًا وأظن كثيرون غيري قد فعلوا.. فهي جديرة بالثناء.

وكان لأطفالي ولنقل تحديدا (جني وحلا) جلسات مطولة مع كتابه المهر الأسود قراءة بعد قراءة دون ملل، ثم صارت حلا تنصح صديقاتها وأبناء وبنات صديقات والدتها بقراءته، وظل يتنقل من يد إلى يد حتى عاد إلينا في نهاية الرحلة مجعدًا حاملًا خربشات قارئيه وملاحظاتهم.

ذات نهار سمعتهما يتحدثان عنه وعن ملاحظة ذكية تكمن في تغير الأسلوب لبعض القصص ومعهما الحق فبعض القصص مؤلفة وبعضها مترجم فقلت لهما ما رأيكما أن نذهب للمؤلف ونتحدث إليه وتعجبا أن كان ذلك ممكنًا؟

وذهبنا إليه في مكتبته في شارع النصر بعد أن ضربنا معه موعدا وكان هناك الشاعرات الصديقات حواء وسالمة وأسماء والإعلامي وليد بن دلة، ووجدته قد ذهب ليحضر الشكولاتة لابنتي دون أن يعلم أن ابني أيضًا عيسى وأحمد قد رافقاني.

حدثته حلا عن إعجابها بالمهر الأسود، وطرحت عليه جنى ما شاءت من الأسئلة. وتحدثنا إليه عن شجون مكان يجمعنا نسميه في قصائدنا الوطن، وعن متاعب الأم العاملة وكان ينصت بقلب المحب واهتمام الأديب المبدع، كما لم يبخل علينا بحديث يتشعب بين ماضٍ وحاضر في سرد الذي ما زال يحلم وهو يتذكر.

«إلى أين تأخذني الأيام؟»
كثير من الوقت أمضاه في القراءة ووالعمل الصحفي وأيضًا الكتابة وللطفل والناشئة نصيب كبير من عصارة روحه وخميرة تأملاته في المكان والزمان والإنسان.

«أي مسار كانت ستأخذه رحلة حياتي لو لما يحدث ما حدث في تكلك الليلة التي أراها ألان تشع بألف نجمة ونجمة».

كل حرف دونه في كل عمل ألفه يشع بريقه في قلوبنا التي دأبت على قرأته بمحبة وانتباه. فقد كان يكتب من تجربة عميقة مبنية على وعي وفهم بأحوال الكائنات ومساراتها الغامضة حينًا والمتشابكة حينًا في نص يحفر أساساته في الإدراك التام لضرورة الوضوح في البناء فيمضي النسق في خط مستقيم دون أن يدعي أن نهاية السطر حقيقة مبنية على يقين فمهمته أن يشغل الأدمغة بالأسئلة ويدفعها بعشق إلى البحث.

«ولأني كنت أبحث عن أجوبة لأسئلتي صرت كثير الجدل لا أعرف المطلق واليقين أرفض من يدعي امتلاك اليقين وعندما تتوالى سنوات العمر ويكتظ عقلي بالأسئلة الكبرى أجد نفسي على ما كنت عليه».

في كل مرة التقي معه أستشعر بتلك المهابة في العقول العظيمة التي ترى في الصمت ما يستحق السمع والتأمل ذلك الكنز الذي يتدلى من أحاديثه ومن كتاباته فتود لو أن اللحظات لا تنقضي وإن ذلك المذاق الحلو لعجين الرؤية والإبداع بين يدي قامة عملاقة كيوسف الشريف تظل طازجة حاضرة شاهرة إشاراتها وعلاماتها دون توقف.

«حياة الإنسان ما هي إلا رحلة لقهر الخوف وأن تقهر الخوف يعني أنك تبحث عن الحرية والحرية والخوف عدوان لا يجتمعان في عقل واحد».

ذات ضحى في زمن الكورونا ذهبت إليه في بيته صحبة الشاعرتين حواء القمودي وحنان محفوظ، وهما في نشوة الإصدارات الجديدة، وقد قررتا أن يشركا أستاذنا الكبير في هذه البهجة وأن يهديا إليه نسخًا من مجموعتيهما الشعريتين الجديدتين. في بيته استقبلتنا زوجته بحب وحنو الأمهات الطرابلسيات، وهي تحلق كنحلة نشطة لا أثر للزمن عليها بقلبها الذي يفيض شبابًا وألق. جلسنا في صالونه ثم أقبل علينا على مهل وفي صوته رنة الفرح بوجودنا ثم استمع لحوا تلقي قصيدتها (هكذا صرخت) وتحدث وخلط حديثه بمزاح وتوقفنا ننتبه إلى تلميحاته ونحن ندرك أن هذا الحديث المقتضب هو بعض شجرة سامقة قطوفها دانية لمن يقرأ ويفهم. وهو شرط لا يليق إلا بقامة فكرية مثله.ِ

وكانت لحظات قصيرة ابتهجنا فيها كثيرًا حتى ودعنا صحبة رفيقته التي غمرتنا بما تفيض حديقتها من إكليل وعطر ونعناع..

«لماذا في لحظات الوداع يفيض الحب العظيم، فنتذكر كل ما هو صغير وعرضي وتافه ونرى فيه ملاذًا لكل ما هو جميل ورائع في حياتنا».

هو يغادرنا اليوم إلى أرض الصمت والسكينة ليستريح جسده من عناء رحلة مضنية أنهكت عقله الشغوف بالمعرفة وقلبه المحب للحياة وجسده المتفرغ للعمل.

فالوداع الوداع.. يوسف الشريف وطوبى لأرض تحمل في رحمها رفاتك.

«وعندما لوح أبي بيده مودعًا قال لي قلبي إني لن أراه مرة أخرى ورأيت وجهي وبكيت».

عبدالحكيم كشاد: ونزريك.. احتمال جزيرة!
فضاء مترامي الأطراف، وعلى ظهر سيارة شحن قديمة، يجلس شاب أسمر في مقتبل العمر، قدماه مضمومتان، يداه على صدره..

ولا شيء في البال إلا وحشة الأسئلة وتأمل لا يكف عن طرح سؤال. وراء السؤال والسيارة تعبر هذا الفاصل ما بين المدينة والصحراء، والنظر مدى موغل في المجهول، كانت تلك رحلة مرحلة من مراحل في حياة الكاتب والأديب الليبي «يوسف الشريف» إلى قرية جنوبية في عمق فزان «ونزريك» التي تبعد عن سبها 200، الرحلة الأصعب لتأسيس البدايات..

أولى تجاربه الحياتية كمعلم مدرسة، وقارئ يثقف نفسه بجوار بئر تمتح ماء المعرفة كأنها موصولة بوريد الحياة. أيهٍ يوسف المعلّم! وكما يقول الشريف رحمه الله: (الشدائد تعلم الشجاعة والرجال ما جرّبوا).

الوطن الصديق وصديق الوطن
لا نستطع الكتابة عن يوسف الشريف دون تمثّل أسئلته.. هذه الروح التي تظل بين جنبيه، وهي تتنفّس أسئلة الحياة كأنها تبدأ الآن، ولو أردنا اختصاره لكان في جملتين «الوطن الصدق وصديق الوطن» ويظل أصدق تمثلا له كتابه الأخير «الخلاصة» أسئلة وكلمات «شخصيا كنت أنتظر مثل هذا الكتاب ليكشف ما وراء إبداع الرجل، وما يشغله من أسئلة خاصة فيما يخصّ العملية الإبداعية لديه في القصة مثلا وكيف يفكر هذا الرجل المتخم بالأسئلة حدّ الوجع، في مقاربة ستنعكس على كل ما كتب، وأسئلة تشرعن وجودها غالبًا انطلاقا من بعدها الاجتماعي من منطلق حياة سؤال لا ينتهي في مداورة زمن متغيّر بمعطياته، يفتح طاقة جبارة على الغد واليوم والأمس، وهي أسئلة لا تتوقف إلا بتوقف الحياة ذاتها، ذلك التحرر الذي انطلق بوضع فرضية أسئلته منذ البداية سواء وهو يأخذ شكله الاجتماعي، أو انعكاسه على أدبه فكرا وإبداعا. قصة عن امرأة لها دلالة يذكرها يوسف وسط ركام ذكرياته في علاقة المرأة بالرجل، وانعكاس المكان على الأثنين، المرأة التي رآها نموذجا حيا لتحوّل البدايات، تلك المرأة هي «صبرية» والمكان هو «فشلوم» شارع الباز والزمان الخمسينيات، حيث عاش الكاتب في طرابلس، يصف لنا يوسف تدرّج هذا التحرر الأنثوي المتمثل في صبرية حين بدأ من الفراشية إلى البيشة وحتى سفور الوجه كصرخة مرعبة في الوجه الذكوري آنذاك، وصعوبته بالقياس الى زمنه. بدأت صبرية عصيّة وقتها وفي طرح اسئلتها الملحة والمهمة في وسط يهمل مثل هذه الاسئلة ويستمر طرح الأسئلة بفرضية واقع يتعرّى، ويتحوّل إلى مشهدية ما صار إليه من غموض فيما بعد، لم يعد كما كان من الوضوح بمكان ما يجبرنا على رسم ظلاله لا صوره، وربما غاب فيه المكان مغالبًا التغوّل، وهو ما نعكس على تجربة يوسف في القصة القصيرة، تسيّد لسؤال يرمي بظلاله هذه المرة،الحكاية لم تعد حدوته، فقدت القصة شروطها في اللغة كقصة تُروى، والذين قرأوا قصصي يقول «يوسف الشريف» وصفوها بالغامضة، لم ينتبهوا لهذا التحوّل بل التغوّل بحيث لا يجب أن نكذب عن أنفسنا..

وهكذا تتحول أسئلة يوسف في القصة لهذا نجدها منزوعة الأسماء والأمكنة ما بعد مجموعته الأولى «الجدار» تضعك أفعالها في حركتها مباشرة ثم بعد ذلك هي لاتصف بقدر ما تومئ، وأكاد لا أعرف قاصًا يضعك في الحدث وصيرورته، كما يفعل «يوسف الشريف» في قصصه القصيرة الدّالة. ثمة هاجس دائما يقضّ مضجعه بوطأة هذه الأسئلة في كل ما يرسم قلمه من شخصيات، بداية من مجموعته «الجدار» وهي وإطلالة باستحياء من خلال نماذج من واقع الناس، في حدود أسئلتها تخصها آنذاك كنماذج حية خلف جدار، ومن ثم يستمر التباين في طرح شكل تلك الأسئلة التي بطبيعة الحياة التي تختلف وتتجدد، تباعا في مجموعاته التالية «الأقدام العارية» و«ضمير الغائب» «هذا كل شيء» وهو كمصباح جالنيوس مجدٌّ في طلب السؤال ومعرفة الحقيقة كاشفا ما حوله من حجر وبشر، ربما يتحول المكان هنا إلى إنسان وهو ضائع بين الأزمنة، في «الخلاصة» نتف ممهورة بتعب وحكمة السنين، والسؤال الذي يلحّ ما يتبقى من «يوسف الشريف» الأديب والكاتب مع كل ما قرأناه له من إبداع وفكر سوى هذه الروح والأهم التي لا تكف عن طرح أسئلة مهمة وملحة. يدرك ذلك كل من عرف يوسف وكان قريبا منه. لا يكبر من يدرك طبيعة السؤال، ومعطيات تغيّر الحياة بداهة السؤال هو طفولة يوسف الشريف وهذا الدرس الأكبر الذي نتعلّمه في مسيرة متناغمة رغم كل صعوباتها، حيّة رغم جذبها، ويظل السؤال قائمًا ما ظل وطنًا بحجم يوسف الشريف يسكننا.. الوطن الذي عشقه ورفض رغم كل الصعوبات أن يغادره، وسيبقى!

صالح قادربوه: رحل الصادق وظلت آثاره
إن ما ربطني بالأستاذ يوسف الشريف ليس الانتماء إلى الحقل الثقافي لكوننا أديبين من جيلين مختلفين، وإنما العمل والمشروع الثقافي، فقد انضممت إلى فريقه لإصدار صحيفة مواسم الثقافية 2009، وكنت مساعده الأول في هذا المشروع، ورغم أن بيننا ما يقرب الأربعين عامًا فإن هناك تقاربًا كبيرًا في التصور ومستوى المواد وتحريك عجلة القضايا، وقد سعدت بتجربتي هذه إلى جواره رغم انسحابي لظروف قاهرة وقد واصل بعدها العمل دون كلل. كان صارمًا في المواعيد جادًا في إنجاز الأعمال المطلوبة، شريكًا قويًّا وذا نفس طويل. وشاء الله أن يظل ما يجمعنا هو المشروع والعمل الثقافي بعد أزيد من عقد كامل، حيث كان أحد أصدق وأنبل من في المشهد الثقافي فقام بتقديم مكتبته التي ضمت حلمه الجميل (مكتبة الطفل)، لتكون مقر المركز الليبي للدراسات الثقافية مشترطا علي عدم التلكؤ والعمل الجاد والنجاح وخدمة المشهد الثقافي الليبي. رحل الصادق وظلت آثاره وسأواصل ما وعدته من عمل لإنجاح هذا المشروع النقي وخدمة ليبيا ذات الإرث الحضاري العظيم.

فتحية الجديدي: يوسف الشريف (أسئلة وكلمات).. «هذا كل شيء» رحلة بوح طفولية
«هنا ليست كل الأسئلة لأن الأسئلة بطبيعتها متغيرة في زمانها ومكانها وظروفها، ولعلها المصطلح الوحيد الذي لا يمكن تحديده بحدود مطلقة، وهو المصطلح الوحيد الذي يرفض الموت إن على مستوى فردي أو على المستوى الجمعي، هي فقط حزمة من أسئلة توقفت على ضفة القلب وعلى طرف اللسان، ورأيت أن أطلقها لعل بعضها يلامس أسئلة أخرى في مكان ما وزمن ما، وهي في جملة معانيها لا تحيط بأي حقيقة ولا تدعيها وقيمتها الوحيدة صدقها «الكاتب».

عندما أهداني الكاتب والأديب الراحل الأستاذ يوسف الشريف كتابه الخلاصة «أسئلة وكلمات» الصادر عن مكتبة طرابلس العلمية العالمية حاملًا لتوقيعه بخط يده (إلى فتحية.. كل ما في الكون من لغات لا ترقى إليك) بلغته السهلة ورسمه للحرف كأنه ينسخ صورة من صور الحياة البهيجة أو يهدي لي وردة ملونة مقطوفة من حديقة غناء يمسكها بيده، تركت الكتاب اكثر من شهر لأستعيد عافيتي من تعب الغوص في نفسه بعد حديث سريع دار بيني وبينه، وأفرغ من مهامي الوظيفية والعودة إلى القراءة.

الكتاب
تناول في كتابه (الخلاصة) الذي جاء في 469 صفحة اضافة لسيرته الذاتية تباعًا، عناوين اختصرت رحلته الأدبية ووقفاته الحياتية وعلاقته بالأشياء والمحيط، وأيضًا البوح بشيء من الفيض والحنين للذكريات، ومكاشفة نفسه ووفائه لمن رافقوا مشواره، وممن مروا في حياته، كما تذكر الأماكن والمناسبات وعرض برصانة مواقف أصحابها دون أن يفشي أي أسرار أو إثارة أو مغامرات، كانت صفحات الكتاب تحمل خواطر ومحطات مهنية ومشاركات مهمة ترجمت أهمية إنتاج الكاتب وكيف كان يتعامل في وسطه ضمن عالمه المتفرد.

تحدث عن مكتبته وكتبه وعن الثقافة والحب والطفولة والعبودية والوطن، وأخذنا لجده وأصدقائه وبيئة عيشه ومنبر علمه، وكتب عن «صبرية» والجامع والكنيسة والأخ «لامين» الذي أدخله إلى عالم القراءة والثقافة الأدب من خلال أسئلة كان يطرحها تفوق سنه الصغيرة حين ذاك، وجريدته الذي لم يفهم بعض ما فيها ويبيعها فجرًا، تمنيات واستفسارات دارت في فلك كاتبنا الراحل تاركًا إرثًا عظيمًا يحتاج إلى قراءات معمَقة كونه فلسفة مكتملة للحياة.

هذا كل شيء
لو لم تأخذه الطفولة لكتب الكثير من القصص القصيرة وقصص أخرى، حيث انخرط في مجالها من خلال الأنشطة الثقافية المختلفة ومشاركاته العديدة عبر الإذاعة والملتقيات الثقافية والعلمية، ووجوده بالمكتبات المدرسية

الكاتب يوسف الشريف من رواد تشجيع الطفل على القراءة.

أن تأسس مكتبته الخاصة التي كانت جسرًا بينه وبين الأطفال سببًا عمل من ورائه على التشجيع الطفل على القراءة، حيث كان يوزع الكتاب مجانا لهم، وهي المكتبة الوحيدة في الوطن العربي التي تذهب للطفل وتضع بين يديه الكتاب دون مقابل.

كما كان يعود للطفولة بسرعة بعد أن يسرق وقتًا لكتابة القصة القصيرة واقترابه من عالم الطفل للكتابة لهم ومن أجلهم - وهذا اقرار منه - حين ذكر في كتابه (الخلاصة) «أني ما كنت أجد نفسي كاتبًا في الطفولة لو أنني لم أبدأ بالقصة»، الأمر الذي أعترف فيه أن ما كتبه للأطفال هو انعكاس لما كتبه للكبار باعتبارها وجهين لكتابة واحدة، تلك كانت عقيدته الثقافية وإيمانه القوي بأن الثقافة وطن ولا تتجزأ.

ففي قصصه للأطفال كشف عن القيود المجتمعية وغياب الحرية وجسَد الواقع في تلك القصص التي أخبرنا بأنها خضعت أيضًا للرقابة الأمنية في فترات سابقة أيام النظام الفردي، وأن التنوع المعاني والمفاهيم وزيادة المعرفة تأتي من النوع وليس الكمَ، ومن هنا تأتي الغزارة في الانتاج الأدبي، ولهذا قل إنتاجه القصصي الأمر الذي اضطره إلى طباعة كتابين من كتبه خارج البلاد.

(عندما يتشوه الواقع يتشوه كل شيء، الزمان والناس والمكان وتفقد الأحداث منطقها).. كانت هذه العبارة ردًا على النقاد وبعض القراء حول هذا الموضوع تحديدًا، بالإضافة إلى الاختلاف في تركيبته القصصية التي تعتمد على الجُمل القصير وتحمل غزارة في المعنى، حيث يظهر عليها السلاسة في التناول لكنها «سيناريو» متكامل يسرد القصة بكل مكوناتها.

تجربته القصصية أخذت تنوعًا في علاقتها بالموضوع وتميزًا في اللغة، مما منحها الفهم المباشر من خلال مضامينها دون المساس بكيانها المتين «هذا كل شيء».

إبراهيم الكوني (الإنترنت)
أمين مازن (الإنترنت)
فتحية الجديدي (الإنترنت)
عبد الحكيم كشاد (الإنترنت)
صالح قادربوه (الإنترنت)
عاشور الطويبي (الإنترنت)
المهدي الحمروني (الإنترنت)
عمر الكدي (الإنترنت)
على العباني (الإنترنت)
مريم سلامة (الإنترنت)

المزيد من بوابة الوسط