الطفولة والمعرفة.. مدخل ورؤية يوسف الشريف في عوامل النهوض

الأديب يوسف الشريف (الإنترنت)

يقدِّم الكاتب الراحل يوسف الشريف في هذه المقالات المنشورة على فترات زمنية متلاحقة في مؤلفاته وإدراجاته على صفحته الشخصية في «فيسبوك»، تصوره ووجهة نظره في الطريقة أو الأسلوب الذي يجب تبنيه لتكوين قاعدة معرفية وعلمية سليمة للطفل، وكذا النافذة التي يجب الدخول منها إلى فضاءاته وعوالمه الخاصة، وهي السبيل أو المفتاح النفسي لفهم إدراكه ومدى استيعابه لمحيطه.

ويقول تأكيدًا على قدسية القراءة (كن قارئًا لتعرف الطريق إلى الله.. كن قارئًا لتعرف الطريق إلى الإيمان.. كن قارئًا قبل لحظة الندم في الوقت الضائع، لتعرف الطريق إلى المحبة، ولتعرف الطريق إلى المحبوب، وكيف تتعلم.. كن قارئًا لتعرف كيف تفكر.. كن قارئًا لتعرف كيف تسأل، كن قارئًا لتعرف أن الجهل عدوك الأول، لتعرف كيف تربي وتعلم).

ويمهد الشريف لمنهجه المعرفي بمفتتح لسيرته مع الكتاب عبر المكتبة بتعبيره (مكتبتي هي أنا في كل خلية وكل جزيء،هي كلماتي وحروفي وأسئلتي وقضيتي، أنام وأحيا على مواقيتها، يبدأ منها الزمن وينتهي، تشرق الشمس من عناوينها وتنام على سرير حروفها، هي ضمير المفرد والجمع وضمير الغائب، ضمير الأخرس والمتكلم، هي كل تنهيدة تخرج من صدري وكل خفقة يخفق بها قلبي، شهيقي وزفيري، مصباحي وطريقي وأحلامي وهدوئي وسهري وقلقي وانتظاري ليوم أجمل).

كتاب وذكريات
ويضيف مؤكدًا أن لكل كتاب ذكرى ولكل كتاب مقاما وتاريخا،عمرها من عمري وعمري من عمرها، آلاف الكتب التي ليست مجرد ورق وحبر، كل كلمة من أي كتاب هي ذوب قلب كاتبها، دمعه ونور عينيه أحلامه وأشواقه وحنينه ولوعته سهره وأرقه وسهاده واحتراقه وتوقه لقارئ يسمع نبض قلبه ويترفق بكتابه، هي الأم التي لا أفارق حضنها ولا أحن إلى سواها،لا سوانا في الزمان ولا سوانا في المكان، كتبها نجوم لا تغيب ولا يخبو نورها وكأن ميلادها ألف ألف مليار عام أو كأنها المرادف الوحيد للخلود.

ويشير في كل مرة إلى نفسه كطفل كبير معلقا (كم قرأت وكم سأقرأ، هي الاسم الجميل الآخر لأي شيء جميل في حياتي، أبي كان يحب الكتب ويحب الذين يحبون الكتب، كان يتباهي بكتبي فيهديها لأصدقائي، ماذا لو أن لي طائرة خاصة أجول بها على كل مكتبات العالم، ماذا لو أن كل ما في العالم من كتب صارت كتابا واحدا، لا بأس، خيال وما أجمل أن تتخيل كتابا. ماذا لو أن شرط القراءة صار شرطا عند الزواج وعند التعيين في الوظيفة، أوقاتي فيها هي الأجمل والأغلى على قلبي وعقلي، وحدها ستبكي عند رحيلي عنها، أنا أيضًا سأبكي لفراقها ولن يعرف أحد كيف ستبكي هي وكيف سأبكي أنا،هذا سر الأسرار بيننا).

ويختم استهلاله محذرًا (يا ويل أمة مواطنوها لا يقرءون، ويا ويل أمة أطفالها لا يقرءون، ويا ويل بيت لا تزهر فيه مكتبة، ماذا لو أن السماء أمطرت كتبا وماذا لو أن الحقول زرعت كتبا، أنا الاسم الآخر للكتاب، القراءة عندي عبادة، لكم تمنيت لو أن بيتي بني من كتب، لكم تمنيت لو أني أقرأ بألف لغة كي أقرأ بكل اللغات، لكم تمنيت لو أن لي مكتبة متنقلة أصل بها إلى أبعد بقعة في الخريطة لأزرع كتابا ومكتبة. هيا بنا نزرع في كل بيت كتابا).

عوامل مهمة
يرى يوسف الشريف في كتابه (المنقذ في العملية التعليمية) أن إصلاحها يقتضي خلق الأرضية الضامنة لنجاحها وذلك لا يكون من وجهة نظره إلا إذا توافرت شروط منها أن يكون التلميذ مشاركا فيها وليس متلقيا لها، وهذا يعني أن مصادرة قدراته العقلية أو الاستهانة بتأثيرها في تنمية معارفه ووعيه لن تجعل منه رجلا يساهم في بناء مستقبل بلاده، وعندما نقول مشاركا فيها نعني التوقف نهائيا عن تكليفه بالواجبات البيتية كي يصبح الفصل هو البيئة الأولى التي يتفاعل فيها التلميذ مع الموجه ومع التلاميذ، كذلك الموجه يجب أن يكون خادما لأسئلة التلميذ بالشرح والتوجيه والتفسير دون أن يحدد مسارات معينة يقرر هو من أين تبدأ وأين تنتهي، هذه المسارات، وهذا يعني إفساح المجال أمامه للكشف عن اهتماماته ومهاراته التي تكشف عن نزعاته العلمية والأدبية؛ بل وحتى نزعاته وميوله الاجتماعية بجوانبها المتعددة وقبل كل شيء عن أسئلته لأن عقله في هذه المرحلة التعليمية يبدأ في مواجهة أسئلة كثيرة ويهمه أن يجد من يستمع إليها ويشاركه التفكير فيها.

ويلحق الى ما سبق من عوامل إن النشاط الجمعي عامل إثارة للمبادرة والتنافس المعرفي، وهذا يعني أن النشاط التفاعلي بين التلاميذ في المهرجانات والمسابقات والأنشطة الثقافية والعلمية من شأنه أن يحفز عقل التلميذ على إنتاج أسئلة تساعده على إثبات جدارته بأن يكون له وجود مميز في مجتمعه الصغير وهي المدرسة كما في مجتمعه الكبير وهو المجتمع، موضحًا أن العملية التعليمية ليست اختبارًا إجباريًا تحدده درجة للنجاح وأخرى للرسوب، هي فقط مساعدة التلميذ لمعرفة قدراته الحقيقية وتوظيفها للكشف عن قدرات أخرى ومعرفة أخرى، ولهذا نقول بعدم جدوى امتحانات آخر العام لمعرفة هذه القدرات والإشارة هنا إلى تلاميذ المرحلة الأولى من التعليم الأساسي.

سؤال العقل
يصل الأديب الراحل في مسارات خطوطه البحثية عند السؤال الرئيس أين نجد العقل التعليمي..؟ ويجيب محللا أن هذا السؤال الإجباري هو المنتج لكل أسئلة القطاعات التعليمية، ومهما تنوعت واختلفت واتفقت أو تصادمت؛ لكنه مؤجل لغياب شرط وجوده «العقل الحر»، هذا الغياب تجسد في مصادرة عقل التلميذ عن كل مجريات العملية التعليمية حتى تحول إلى مجرد وعاء استقبال لكل ما نعتقد أنه يصنع منه إنسانا سويا ومواطنا صالحا، أقول هذا بعد مسيرة استهلكت سنين تعد بالعقود من عمري عبر طفولتها خاصة في المرحلة الأولى من التعليم الأساسي.

مشيرا الى أن دخوله لتلاميذ هذه المرحلة كان منذ سنة 1975 من كتابة القصص والمسرحيات والبرامج الإذاعية والحلقات الدراسية في بعض المدارس وكتابة الموسوعة والمعاجم والمختار في اللغة والعلوم والدراسات المتخصصة في الطفولة، إضافة إلى مشاركاته في معارض أطفال خارجية، ثم كانت الخاتمة في إنشاء مكتبة للطفل يكتبها دستور كتاب لكل طفل وبما يعني مجانية كتاب الطفل، ومن حق هذه المكتبة أن تفخر وتعتز بأنها الوحيدة عربيا تقوم بتوزيع كل ما حوته من كتب أطفال في مكتبات مدارسهم وخارجها مجانا إيمانا منها بأن بيع المعرفة للأطفال مخالفة لحقوق الطفل.

ويخلص إلى بُعد آخر مهم في ترقية خيال الطفل وهو أن ملكة التفكير لا ملكة الحفظ والتلقين هذه هي المادة الأولى في دستور العملية التعليمية وأي دفاع عن ما عداها إنما هو دفاع عن الجهل والظلام كما أن السنوات الثلاثة الأولى أهم أسس العملية التعليمية وترتكز على إطلاق عقل الطفل ليمارس البحث عن المعرفة وفق حاجة جسمه وعقله وفي فضاء لا يحد من حركته، هذا يعني أن الكتاب والكراسة والقلم التقليدي لا وجود لها، والبديل هو التعلم بواسطة المجسمات والأشكال الهندسية والمكعبات اللغوية بمختلف أحجامها وألوانها وألواح الكتابة لتعلم كتابة الحروف والكلمات والأرقام، كل هذا مع وسائل التعلم الأخرى ومنها التلفزيون لعرض البرامج الترفيهية والتعليمية، والنتيجة النهائية لهذه المرحلة أن الطفل ومع انتهاء السنة الثالثة يجب أن يكون قادرًا على الكتابة والقراءة والقيام بالعمليات الحسابية البسيطة، كل هذا مرتبط بمعلم هذه المرحلة وهو أقرب للموجه منه للمعلم وفق معايير ثقافية بالدرجة الأولى.

خروج عن الأدب
يصف الكاتب جملة (اسكت يا فرخ) بأنها تلخص أدبيات الأسرة الليبية وثقافتها لتربية أطفالها وهو بصيغة الأمر كما هو الحال في المجتمع في تربية مواطنيه، وكما هو الحال في الدولة التي تتوقع من مواطنيها الطاعة العمياء دون سؤال، لكننا سنتوقف عند الأسرة لأن هناك إمكانية لإلغاء فعل الأمر أو تعديله إذا قدر للعملية التعليمية أن تحترم عقل تلاميذها في مرحلة التعليم الأولى، ونبدأ بهذا السؤال: لماذا نصف أسئلة الطفل المتعلقة برغبته في المعرفة بأنها محرجة..؟ غالبا ما يكون السبب علاقة الأسئلة بالمعرفة الجنسية، أو لأن في الأسئلة خروجا عن الأدب، أو لأنه ليس على الطفل أن يسأل، إضافة لأسباب أخرى كثيرة تؤدي إلى جملة نتائج.

ويوضح الشريف وفق صياغة جامعة لهذه التساؤلات أنها تحيلنا لاستنتاجات منها أننا نصادر حق الطفل للمعرفة، وهو الحق الرئيس من جملة حقوقه الأخرى التي أكدتها مواثيق حقوق الطفل في كل دول العالم، دون أن ندرك أن مصادرة الحق في المعرفة إنما يعني مصادرة للعقل ذاته، ومصادرة العقل تعني مصادرة الحرية.

وكذا وجوب ألا تحجبنا عن حقيقة واضحة، وهي أن الطفل الذي لا يسأل هو طفل غير سوي، ذلك لأن مفردات المحيط الذي يعيش فيه ويتفاعل معه ويأخذ منه وتتكون فيه شخصيته لا بد وأن يثير في عقله ووجدانه أسئلة كثيرة لأن الإنسان لا يتآلف مع محيط لا يعرفه ولا يقبله، فهو يسأل عن الشمس والقمر ويسأل لماذا يأتي الليل وأين تذهب الشمس ولماذا لا يسقط القمر، يسأل لماذا الذي في جسده غير الذي في جسد أخته، يسأل من أين جاء ولماذا لا ينام في غرفة نوم أمه وأبيه، يسأل لماذا والد صديقه يملك سيارة كبيرة فيما والده هو يملك سيارة صغيرة، هكذا، أسئلة تتراكم في عقل الطفل وتؤرقه لأنه لا يعرف الإجابة عليها، وإذا لم يسأل ويستفسر ويتعجب فعلى الأب والأم أن ينتبها لأن هناك خللا في شخصية ابنهما أو ابنتهما.

وينتهي في خلاصته أن عقلنا عاجز عن تحقيق ثقافة متكاملة للطفل، تعليمية،بدنية، عقلية، نفسية، اجتماعية وتربوية، ومن هنا اعتقدنا بحرج أسئلة الأطفال واحتمينا بوسائل متعددة للهروب منها مثل: «لما تكبر تعرف» «عيب» «اسأل المعلم» أو «إياك أن تسأل هذا السؤال مرة ثانية.

الأديب يوسف الشريف (الإنترنت)
الأديب يوسف الشريف (الإنترنت)

المزيد من بوابة الوسط