سينمائيات: أولا أسئلة السينما في ليبيا

دار عرض سينما الرشيد، طرابلس (أرشيفية: الإنترنت)

أسئلة كثيرة يمكن طرحها عند الحديث عن التجربة السينمائية في ليبيا، وأهم هذه الأسئلة ما يخص منها البدايات، وبالطبع لا ينبغي تجنب التطرق إلى تلك البدايات باعتبار أنها من الماضي البعيد نسبيًا عن الحاضر ولكن هذا الحاضر، هو أبدًا من ذلك الماضي.

من تحصيل الحاصل، القول بأن أحوال السينما في ليبيا الآن في وضع رديء ولا ينطبق هذا الأمر على عقد واحد أخير فحسب؛ ولكن على عقود زمنية سابقة متفاوتة المستوى يمكن التطرق إليها في عدة مناسبات.

إن المسألة مرتبطة دائما بطبيعة الأنظمة السياسية وأساليب التخطيط، ونوع تركيبة المجتمع وظروفه؛ حيث شرعت الدولة منذ مطلع الستينيات في الاهتمام النسبي بالسينما، ونعني بذلك محاولة إنتاج بعض الأفلام الوثائقية ولا سيما ذات الطابع السياحي والتي نفذتها شركات أجنبية بإشراف إداري محلي.

المدن السياحية 
في هذا السياق، قدمت أفلام عن بعض المدن السياحية الليبية، وأفلام حول أنشطة ومشروعات الدولة، كما أن هناك أفلامًا حول اكتشاف النفط والأعياد والمناسبات السياسية، والقائمة ليست طويلة أو مميزة من حيث كمية الإنتاج أو مستواه.

لقد تمثلت الحركة السينمائية في ما قام به قسم السينما التابع لوزارة الإعلام وكذا النشاط التجاري الذي كان سائدًا بدور العرض بواسطة شركات التوزيع الخاصة، مع انتشار أفلام طويلة من مصر ولبنان وأميركا وإيطاليا وبريطانيا وغيرها، وتجاوبًا مع هذه الحركة السينمائية شرعت العناصر المحلية تحلم بإنتاج أفلام ليبية محلية، ولذلك قدمت بعض المشروعات الإنتاجية الخاصة وهي مشروعات أفلام لم تكتمل بسبب صعوبة الإنتاج السينمائي فنيًا وماليًا.

المناسبات الوطنية
مثل كل البلدان العربية إذن كانت البداية بأفلام وثائقية لها علاقة بالمناسبات الوطنية، ثم جاءت بعد ذلك أفلام حول بعض المدن مثل طرابلس وصبراتة ولبدة وغدامس وغيرها، هذا بالإضافة إلى استقبال ليبيا لعدد من شركات الإنتاج العالمية الساعية لتصوير أفلامها في محيط البيئة الليبية، وكل تلك المقدمات كانت مجرد إرهاصات لبداية السينما في ليبيا من خلال إنتاج بعض الأفلام بإشراف قسم السينما منتجًا أو ممولًا، وهو القسم الذي تحول مع مرور الوقت إلى إدارة مختصة.

من الطبيعي أن تكون المحاكاة لدول خارجية هي الحافز وراء محاولة إنتاج الأفلام محليا وهو أمر يعد مكملاً لبناء أساسيات الدولة، بحيث يكون لهذه الدولة إنتاج ثقافي محلي في مجالات الأدب والسينما والمسرح والموسيقى وغيرها، ويعد محصلة مكملة للاستقلال المحلي وإسباغ هوية ليبية على كيان الدولة في كل المجالات.

وسيلة الترفيه الوحيدة
لقد كانت السينما تقريبا هي وسيلة الترفيه الوحيدة في ذلك الأوان، لذلك كان الاهتمام بها واضحا على مستوى القطاع الخاص، من حيث تحقيق المكاسب التجارية، وأيضا المكاسب الرسمية، عندما كانت الدولة تعرض الأفلام في الساحات الشعبية مجانا من خلال قسم السينما بوزارة الإعلام، كما حدث في مناطق مثل أبوسليم وباب عكارة والمدينة القديمة وسوق الجمعة وغيرها.

أيضاً استخدمت السينما باعتبارها وسيلة إعلامية، عندما عرضت أفلاما عن منجزات الدولة، بالإضافة إلى «المجلة السينمائية المصورة»، المعنية بتتبع أخبار الملك والحكومة والبرلمان وهي مجلة تتصدى لأهم الأحداث المصورة، وقد أنجزت الطواقم المحلية في ليبيا الكثير من أعداد هذه المجلة، والتي نتمنى أن تكون الآن صالحة للعرض كما هو حال باقي الأرشيف الإيطالي المحلي المتعلق بليبيا.

إن أهم نقطة في هذا المجال هي مساْلة التأسيس التي شمل الكثير من المجالات بعد استقلال 1952، وخطوات هذا التأسيس الثقافية يفترض أن تضعها وتشرف عليها نخبة مثقفة واعية لها القدرة على التخطيط العملي بالاستفادة في الغالب من تجارب خارجية.

إننا نشير بذلك إلى معظم المجالات الثقافية الفنية ولا سيما الفنون الحديثة مثل السينما. إنها فنون تحتاج إلى النخب الثقافية التي تستوعبها ويقف وراءها عمليا، ولم تبرز في ليبيا هذه النخبة التي كان بإمكانها التأسيس لسينما مؤثرة فنيا ومتقنة من حيث التنفيذ، ومتفاعلة مع حركة المجتمع، وليبيا مثل غيرها من البلدان، بإمكانها إنتاج أفلام وليس تأسيس صناعة سينمائية، والدولة الوحيدة العربية التي أقيمت فيها هذه الصناعة هي مصر لاعتبارات لها علاقة بالسوق ورأس المال والعنصر الفني والتقني.

أننا عندما نقول نخبة فنحن نقصد بها تلك المجموعة الواعية والمتفهمة والقادرة على إدارة الشأن السينمائي بنجاح، وهي نخبة يفترض أنها درست السينما مبكرًا في الخارج، لتعود مع بدايات الاستقلال ولتعمل على مشروع تأسيس لسينما ليبية، مع توفر الوعي الضروري لممارسة وتنفيذ مثل هذا المشروع المقترن بكل ما هو حديث من وتقنية وثقافة، وهو بذلك مشروع يختلف نسبيا عن الأغنية والموسيقى والرسم والأدب بكل أصنافه.

بسبب الافتقاد إلى النخبة، تأخرت السينما في ليبيا من حيث انطلاقة الإنتاج، والأهم استمرارية هذا الإنتاج، ويمكننا القول بأنه لم تبدأ كل المشروعات السينمائية بطريقة جيدة، وانتظرنا سنوات طويلة حتى جاء أول فيلم روائي ليبي 1973، من الناحية التاريخية ثم لم نكمل التجربة إلا جزئيا.

بداية السينما الليبية 
حدث هذا في أكثر من دولة عربية لأسباب متفاوتة، وأظن أن غياب النخبة المثقفة الواعية كان السبب الرئيس وراء تراجع السينما في البلاد المقصودة، حتى وأن تجسد الناتج في عدد قليل من الأفلام، ذلك أن السينما قد ارتبطت بالحداثة الغربية ثقافيا وصناعيا، وهي فن معاصر لا يفيد فيه الترقيع وليس له علاقة بالمورث إلا من حيث اختيار الموضوعات ونوعية النصوص الدرامية.

إن السؤال حول بداية السينما الليبية يكشف عن الرغبة الدفينة لدى الأفراد في الشروع للتعامل مع هذا الفن بأي طريقة كانت، ولعلنا نعود بذلك إلى محاولات بعض المنتجين في ليبيا للدخول في مغامرة الإنتاج وفشلهم أحيانا ونجاحهم في بعض المحاولات بصرف النظر عن تدخل الدولة أو عدم تدخلها.

إن ما يميز السينما ويجعلها مختلفة أن اعتبارات الإنتاج وتصنيفاته كثيرة، ولا يمكن للأفراد أن يتعاملوا مع السينما إلا إذا كانت لديهم ضمانات مالية، ولهذا السبب ارتبطت السينما بالدولة في أغلب الأحيان وفي حال عدم توفر السوق، كما في سورية والعراق وتونس والجزائر والمغرب والكويت ومصر في مرحلة القطاع العام. ولهذا السبب تصرف الدول العربية مبالغ من ميزانيتها لضمان استمرار الإنتاج السينمائي بكل أنواعه، إلا إذا توفرت الصناعة الكاملة، كما في مصر، وحينها يمكن أن تكون هناك ما يُعرف بالدورة الاقتصادية الكاملة للفيلم.

الخلاصة أننا لانزال بحاجة لهذه النخبة الفنية للتأسيس لسينما وطنية ربما لم تبدأ بعد.

المزيد من بوابة الوسط