يوسف الشريف: قرأت مبكرًا واصطدمت بأسئلة الجوع والمرض والحرية والاستبداد

الأديب الراحل يوسف الشريف (يسار) مع عبد السلام الفقهي (بوابة الوسط)

ينهض سر الكتابة عند الأديب يوسف الشريف على أرضية الأسئلة التي مثَّلت له قاموسه السحري، وهو كما يراها سلسلة لازمة من الاستفهامات والإشارات والرموز والدلائل المفضية دائمًا إلى الجدل والتفكُّر، ولكن كيف يمكن سبر ملامح هذه الرحلة من التساؤلات بأبعادها الفلسفية والسياسية والاجتماعية والإنسانية أيضًا، ما توجب علينا مستعينين بكتابه (الخلاصة) الاقتراب قليلًا من عقل الشيخ الطفل يوسف الشريف عبر الحوار التالي..

يبدو المجهول تيمة في كتاباتك، أين وصلت في رحلتك معه؟
المجهول بالنسبة لي لم يكن فرديًا، أو لأكن صادقًا معك كان ذا وجهين، على المستوى الشخصي وككل الناس دائمًا هناك المجهول والخوف منه ومما تحمله الأيام في قادمها، إلى درجة أن المؤرخ البريطاني (فرناند توندي) أرجع الجدر الأول للحضارة الإنسانية إلى عامل الخوف، الإنسان الأول رأى القمر ولم يكن يعرفه فعبده وجعله إلهًا، وجعل كل ما سمع ورأى إلهه أيضًا، وهذا ما أريد أن أشير إليه للتفرقة بين المجهول الذاتي والجمعي، لذا عندما بدأت القراءة سكنتني الأسئلة، ومنذ ذلك الحين تلبستني حالة السؤال، وإلى هذه اللحظة بالنسبة لي الإنسان سؤال إذا فقده صار مفقودًا أيضًا، لأن السؤال يؤدي إلى المعرفة والتي بدورها تفضي إلى السؤال وهكذا. الإنسان يمتلك السؤال حتى في عدم إدراكه لامتلاكه.

ثم تساءلت بدوري عن المجهول وعن الحياة والإيمان وكذا الجنة والنار، وهذه الاسئلة الميتافيزيقية تعرض لها الجميع وأنا منهم، إلا نها لم تبق معي زمنًا طويلًا، لكونها أسئلة عدمية، لا جدوى من الخوض فيها، ملخصها أن هناك كونًا وخالقًا له.

وانتقلت من ذلك لأعكس خوف الناس من المجهول في قصصي، أنا لم أكتب عن يوسف الشريف على الإطلاق، وخلال ثلاثة عهود عاصرتها؛ الملك إدريس، ومعمر القذافي، والحالي، وفيما كتبت تبنيت الضمير الجمعي لا الفردي، في (ضمير الغائب) لا وجود للعناوين، ولا الأسماء، فهي عناوين وأسماء كل الناس، قد أشبههم بأناس وضعوا في زنزانة، تأكد هذا في نظام معمر القذافي، والذي لم يستثن أحدًا من خوفه، وقد أشرت إلى تلك الحالة في مجموعتي بشخص يحب مطاردة النجوم، ولعلي الكاتب الوحيد الذي صور نتائج هذا النظام، إلى درجة أن كتاباتي حتى في قصص الأطفال كانت تحت مجهر رجال المخابرات.

هل كان شبح السلطة يطاردك؟
في كل كلمة كتبتها، على سبيل المثال كتبت قصة للأطفال بعنوان (الفأر يصبح أسدًا)، بعد انتفاضة فبراير قال لي أحد رجال المباحث، أحضر شاحنة لكي تحمل التقارير المكتوبة عنك، ومن ضمنها تقرير عن هذه القصة، تتلخص في فأر قرر أن يصبح أسدًا، فاستعار بعض الأنياب والمخالب والفرو.. إلخ، وجاء يتبختبر أمام أصدقائه، فقال أحدهم ساخرًا، الفأر يبقى فأر حتى لو تزين بزي الأسد.

لم تتعرض للمساءلة الشخصية؟
لا، مع أن الترميز كان واضحًا في بعص القصص، على سبيل المثال كتبت قصة بضمير المتكلم، أتصور فيها نفسي نائمًا، ثم شعرت بشيء ما دخل الغرفة، أشعل النار في الأوراق، ثم امتدت يده إلى فمي واقتلع لساني، المعنى كان واضحًا بما فيه الكفاية، وهو غياب الحرية، كان الليبيون يعتقدون أن النظام الملكي هو آخر الأنظمة الفاسدة ويتطلعون إلى الأفضل، وبذا فالمجهول ظل مجهولًا، وعندما حدث ما كانوا يعتقدون أنه ثورة، تحمسوا لذلك، ثم تراجعوا وانكمشوا على أنفسهم، عندما تبيّن العكس، لذلك استقلت من منصبي كمدير للإذاعة بعد ستة أسابيع فقط من انقلاب 1969 لأنني رأيتهم وجهًا لوجه، وخبرتهم فكرًا وسلوكًا، واكتشفت العبث العسكري بتفاصيله، وكنت شاهدًا عليه في وظيفتي، وضحية له خارجها كأي مواطن ليبي، لذلك لا أسماء أو عناوين، الكل متساوون أمام منجل الخوف والمجهول في قصصي.

ألا يفرض عليك المتلقي صياغة معينة تلزمك الوضوح في كتاباتك؟
أنت في أحداثها وشخصياتها في داخلها تمامًا، لذلك لا تستطيع أن تحدد الزمن بداية ونهاية، فزمنك هو نهاية لزمن آخر، ونهايته هو بداية له، لذلك لا يجب أن تقرأ نهاية لقصة حديثة، فالزمن مفتوح، بإيقافه ستحكم عليه بالإعدام وأنت لا تملك هذا الحق، لأنك إحدى إحداثياته، وهنا تكمن مأساة القصة الحديثة والتي لا تبحث عن قارئ الحكاية؛ بل قارئ يتساءل ويسأل، عندما تقرأ في القصة أن مجهولا قطع لسانك هنا ينتهي الكلام.

ذكرت في (الخلاصة) أن القارئ سيهجر الكاتب إذا كانت أسئلته غامضة؟ وربما يكون الكاتب سابقًا لزمنه فتكون أسئلته غامضة ويتضح العكس فيما بعد، وإذا كان لا بُدّ من الغموض، فمن هو الضحية القارئ أم الكاتب؟

الاثنان، ولكن بالرجوع إلى قصصي ما بعد الجدار هجرت الحكاية، لأن الواقع لم يعد بتلك البساطة والبراءة؛ بدليل أن معظم شخصيات الجدار كانت شخصيات الزنقة، ولكن بعدها انتهت الحكاية أو لنقل انتهى الراوي، وأصبح الكاتب نفسه هو الراوي، الذي يعيش في الحدث ذاته، من الصعب أن يرتب الأمور لأنه إحدى الشخصيات. وحتى على المستوى العربي انتهت الحكاية التي يكتبها إحسان عبدالقدوس، عبدالحليم عبدالله، محمد صدقي وغيرهم.

وأستطيع القول أن تجربتي بعد الجدار كانت سابقة على أشكال القصة القصيرة كما يكتبها الآخرون، بالإضافة إلى أنني أول من استعار السيناريو من السينما إلى القصة، لكي أعطي لها إيقاعًا خاصًا، وأول من حذف حرف الواو في السرد، لكي تصبح الجملة أكثر تسارعًا.

أنت لا تميل للفصل بين الكاتب ونصه؟
من الناحية النظرية يجب أن أفصل بين حياة الكاتب ونصه، ولكن إلى أي حد يستطيع الكاتب الخروج من حقيقته الذاتية لكي يكتب عن حقيقة أخرى؟ وكيف يمكن لكاتب ساقط أخلاقيًا أن يصور شخصية رجل فاضل في قصة أو رواية؟ هناك من يقول لا.. لا تحاسبني على حياتي الخاصة، إلا أنني لا أستطيع، خاصة عندما أكون مدركًا لخلفيات الكاتب وعالمه الخاص.

ألمحت إلى ما غيبته أنت عن الذاكرة الخاصة فيما يتعلق بالعمل الوطني؟ ألا يعد التغييب إجحافا في حق الأجيال؟
هذا صحيح؛ لكني لا أرى مساهماتي في هذا العمل، ترتقي إلى التميز، هي بمثابة ما يقوم به أي مواطن، يشعر بانتمائه للوطن، وبمسؤوليته أمام هذا الانتماء، خاصة وأن هناك ممن عاصرتهم، ساهموا بنصيب أوفر مني.

كيف كنت تتخيل شكل المدينة خارج زنقة الباز، كيف كانت صورتها في طفولتك، وكيف وجدتها في الحقيقة؟
لم أكن أعرف المدينة إلا بعدما أصبحت بائعًا للصحف، عالمي كان ينتهي عند زنقة الباز، وكتاب الفقيه عبدالسلام، ومدرسة الظهرة الابتدائية.

المدينة كمدلول ومصطلح تخيف الطفل عندما يدخلها أول مرة، ويراها عالمًا غريبًا عجيبًا، لذلك ذهبت برفقة أخي الأكبر، وتعرفت على شوارعها التي لم تتغير وأناسها الذين تغيَّروا كثيرًا.

هل كان القارئ موجودًا- آنذاك؟
قد أنسى أي شيء، ولكن لا أنسى فترة الخمسينيات منظر الموظفين الليبيين بهندامهم الأنيق في المقاهي يقرأون الصحف ويشربون القهوة قبل ذهابهم إلى العمل، لا أزال أستحضر هذا المشهد الرائع في ذاكرتي.

يطالعون صحيفة طرابلس الغرب والأهرام وغيرهما والفضل لذلك يعود إلى الأستاذ المشيرقي ومحمد الفرجاني واللذين مثلا الباب الواسع لليبيين في علاقتهم بالصحف والكتب والمجلات، لذلك كان زبائننا هم رواد المقاهي، أبيع الصحيفة بقرش وأتحصل على مليم مقابل كل نسخة، وقد مثل لي شكل الصحيفة (طرابلس الغرب) مفاجأة في أول دفعة أستلمها بعدد خمسين نسخة لم أبعها، جلست على الرصيف وتصفحتها، عرفت المجلة في بيتنا لكن لم أتعرف على الصحيفة إلا في هذه التجربة، ووجدتها مختلفة في الشكل الفني والتعليقات والصور وقالبها الإخباري كانت نقلة معرفية أخرى.

ذكرت أن جيل كُتَّاب الستينيات الذي تنتمي إليه، كان معنيًا بالحياة الاقتصادية والاجتماعية؟ ماهي حظوظ السياسة في كتاباتكم؟ أين تتشابك أسئلتكم مع القرار السياسي؟
لم نتعامل مع السياسي مباشرة، وإنما من خلال حياة المواطن المتضمنة للخطاب السياسي.

كيف كانت ردة فعل السياسي اتجاه ذلك في العهد الملكي؟
لم يكن راضيًا بالطبع، باعتبارنا نمثل صوت المواطن في حاجاته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فلو قرأت بعض إبداعات هذا الجيل في القصة والشعر تستشف ذلك، ستجد البعد السياسي ماثلًا في رمزية ما، عندما يقول علي الرقيعي مثلًا في أحد الأبيات (بددته للغير اسمك ياجميلة ) هو يخاطب السياسي منطلقا من الاجتماعي، والسياسي هو نتاج للسؤال الاقتصادي والاجتماعي.

سنة 1952 أنشأت حزبًا.. كيف جاءت الفكرة، هل كنت مؤمنًا بأن التغيير يأتي بممارسة العمل السياسي؟
(ضحك) أنت تتحدث عن مرحلة المراهقة السياسية لشاب لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره كانت أشبه بـ(لعب عيال)، وربما مأساتي أن وعيي تشكل مبكرًا، نسمع عن مصطلح الاشتراكية، التقدم، حتى إننا أسميناها الحزب التقدمي الاشتراكي، أو شيئًا من هذا القبيل دون أن ندرك معانيه، ولم يكن عدد الأعضاء يتجاوز 6 أشخاص ولم يستمر حزبنا في الصمود لأكثر من أسبوع.

وهذا يردنا دائمًا إلى البيئة أو المكون الأساس، أو إلى منشأ كلمة السر؟
دون ادعاء أو بحث عن القضية الوطنية، وجدت نفسي فيها تلقائيًا منذ الطفولة، لم أكن أفهمها على نطاق زنقة الباز، وهي التي تكونت فيها شخصيتي الثقافية والسياسية والاجتماعية.

ما يسمى بالأنا لم تكن موجودة في حياتي على الإطلاق، كانت أسئلتي موجهة للآخر، انطلاقًا من زنقة الباز التي كان أهلها مشردين، مهمشين، يهددهم الجوع واليأس وما يأتي به القدر، هم باختصار من قاع المدينة. وبذا كان لا بُد أن تكون أسئلتي من أجلهم ولماذا هم فقراء؟ ولماذا هم يعانون؟ وبذا قد لا يصدق إنسان كيف خرجت من ذاتي الصغيرة إلى ذاتي الكبيرة.

ولأني بدأت القراءة مبكرًا، اصطدمت بأسئلة الجوع والمرض، والحرية والاستبداد مبكرًا، حتى الحزب الذي أسسته، اعتقادًا مني أني سأغير حياة الناس من خلاله، لأكتشف لاحقًا أن تغيير حياة الناس يحتاج لما هو أكثر.

عندما ذهبت مدرسًا إلى الجنوب اطلعت على حياة أخرى، ربما تختلف الأسماء والظروف، إلا أن الأسئلة التي أثارتها زنقة الباز هي ذاتها التي أثارها وجودي بونزريك، ويبقى السؤال الأخير لماذا هم فقراء، وعندما نضجت القراءة ودخلت المدينة اتسعت دائرة السؤال، وتشدد المواجهة ويزداد الألم، لأني لم أجد الأجوبة، لهذا كان جيل الستينيات داخلا في صلب القضية الاجتماعية والاقتصادية.

ثم خرجت الأنا الكبيرة من زنقة الباز والجنوب وذهبت إلى مصر 1956 أيام العدوان الثلاثي، وعمري لايتجاوز الثامنة عشرة، ذهبت إلى السفارة المصرية وسجلت اسمي في قوائم المتطوعين للدفاع عن مصر، وانتظرت ليلة بكاملها الحافلة التي كان يفترض أن تحملنا، وتم التواصل بيني وبين شاب مصري بريديًا، وأعربت له عن استعدادي التام للدفاع عن بورسعيد، والمفارقة أن الشاب كان مسيحيًا، واتفقنا على اللقاء في مكان محدد، إلا أن ظروفًا حالت دون ذلك، وتراجعي ليس له علاقة بخوف أو تردد؛ وإنما أسباب أخرى، وهنا ترتبط الثقافة بالوطن.

غياب الأنا تحول تدريجيًا إلى تطرف أثّر حتى في علاقاتي الشخصية والتي أصبح معيارها يقاس بمواقفها تجاه الوطن؛ بل ويتحول إلى موقف هجومي حتى عندما تتعلق المسألة بردة فعل شخص ما من عدمها في قضية رأي عام، والحديث الشريف يقول (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، ومن لم يستطع فبلسانه، ومن لم يستطع فبقلبه وهو أضعف الإيمان).

تطرفك قادك إلى رفضك بتسمية العقل العربي بهذا الاسم، نتاج أي أسئلة في نظرك الجبرية أم الاختيارية؟
العقل العربي فضل أن يتخلى عن أدواته، ويبقى متمسكًا بخيمته العتيقة، وسجينها لأكثر من ألف عام، لا دليل على تطور العقل العربي، ولن تجد دالة واحدة على أن العقل العربي وضع الأسئلة الحقيقية أمامه، لا يزال العقل العربي عقلًا جبانًا.

لكن؛ ألا توجد إضاءات على المستوى الفردي؟
توجد، وخاصة في القرن التاسع عشر، لكن العقل العربي لم يواصل رحلة محمد عبده وجمال الدين الأفغاني والكواكبي أيضا في فترة لاحقة، لذلك بعض الأسئلة الحالية لا ترقى إلى أسئلتهم. حتى محاولات محمد عابد الجابري وطه عبدالرحمن وغيرهما ظلت تحوم في حلقة واحدة، في حين أن السؤال المهم أمامهم.

أشرت الى مشروع بعث الشخصية الليبية لعبد الحميد البكوش؟ ما تقييمك لهذه المرحلة؟
عبدالحميد البكوش كان مثقفًا وشاعرًا قبل أن يكون سياسيًا ومهمومًا بالقضية الليبية، وعنده أجمل بيت لاأزال أحفظه (أنا أهواك يا بلدي لأنك لست لي وحدي، مكتض كعش النحل في حضن الأم للولد) هل سمعت شاعرًا متحررًا من ذاته بهذه الصورة. (ينقل إلى السؤال الخاص بالعمل الوطني ).

لدرجة أنه جسّد إيمانه بالشخصية الليبية، وهو أول مشروع تنويري على الإطلاق، لأنه عملي وواضح ويجسد الرغبة في التغيير. لكنه أُجهض.

وأشير الى أننا أحوج ما نكون اليوم لكي تنهض الشخصية الليبية وتعبر عن نفسها خارج الفوضى والخراب لكي تقوم الدولة.

(الذي كان ملاكا) وهو الشخصية الليبية وتحولاتها؟ كيف كانت تحولات المثقف الليبي وردود أفعاله تجاه التغيير، هل انتقده، تحليله، محاولة فهمه؟
المواطن الليبي سواء كان مثقفًا أو غير ذلك، في تلك السنين التي كان فيها ملاكا، لم يواجه صراع الأسئلة لأن الواقع كان بسيطًا، ومع تقدم الزمن وتراكم الأسئلة، حاول المثقف مواكبة الحالة في فترة ما ومع تزايد الصراع تراجع خصوصًا بعد التغيرات السياسية. (يلحق به الجزء الخاص بالمثقف )

برغم أن الأسئلة كانت لدى بعض الشرائح، وأنا هنا أتكلم عن جيلي، مثل التجمع القومي، والبعثيين، والإخوان المسلمين، والموجود وغير الموجود (الحزب الشيوعي)، بإمكانك تسميته بالوهم الموجود.

لماذا؟
لعدم وجوده فعلا، لكن التجمعات التي ذكرتها رفضت تصديق ذلك، وأصروا على وجود حزب شيوعي، والحقيقة تقول أن الأحزاب الشيوعية تنتج عن صراع الطبقات، وهي معطيات لا تتوافر مناخاتها بليبيا، وما حدث كان لغيرتهم من كتاباتنا التي تعكس وتتساءل بلسان حال المواطن، لذلك أرادوا التخلص منا، فاتجهوا لضربنا من تحت الحزام.

كيف وقع أختيارك وزيرًا للإعلام، وهل كانت لديك شروط مسبقة؟
علي زيدان لم أكن أعرفه ولم يكن يعرفني على الإطلاق، برغم الدعاية التي روَّج لها الإسلاميون في هجومهم عليَّ، وللعلم أنني لم أستشر أحدًا، ولكن عندما فاض الكيل بالعنوان العام والذي يقول عندما لم أجد ليبيا في مجلس الوزراء قررت الانسحاب، كان كل شيء موجودًا إلا الوطن.

بعد تجربتك الوزارية، كيف كنت تنظر إلى علاقة المثقف بالسياسي، عندما كنت كاتبًا وبعد ما كنت ممارسًا لها كوزير؟
قناعتي حتى قبل الالتحاق بالوزارة، أن المثقف مثقف والسياسي سياسي لا يلتقيان، مثل الضمير الحي والضمير الميت، وعندما قبلت منصب الوزير كان بتشجيع من الأصدقاء، الذين رأوا أن لا أحد غيري جدير بهذا المنصب، ويجب أن تخوض هذه التجربة.

هل كنت تتوقع النتائج التي وصلت إليها؟
لا، والحقيقة أقول أنني كنت (غبيا)، لأن مسؤولية اختياري كان يجب أن تقودني إلى الأسئلة، رغم أن الأسئلة لم تكن متاحة، مثال ذلك الانقسامات في المؤتمر الوطني، والصراعات بداخله لم تكن واضحة بالنسبة لي، ولم يساعدني بعض الأصدقاء القريبين من داخل المؤتمر لأدراك تلك الأسئلة، برغم أن المعطيات تؤكد أن شيئًا ما سيحدث، بحكم التركيبة غير الطبيعية للمؤتمر، وفعلا حدث ما كنا نخشاه.

أنت ضد إطلاق صفة المثقف على معظم من هم موجودون في الساحة الثقافية؟ هل قصدت المثقف العضوي؟
أنا لا أحبذ مصطلح العضوي لأنه مستهلك، وأقول المثقف خارج النص أين هو؟ هل غادر النص إلى السؤال الأكثر عمومية، إلى واقع آخر يمثل نصًا عمليًا، لا يُرى ولكنه يعاش، أم لا يزال أسير النص؟ الواقع يؤكد أن وجود المثقف خارج النص نادر جدا في المشهد الثقافي الليبي؟ هل تستطيع إعطائي مثالا على وجود المثقف؟ أين هو من القضايا العامة ومن الأسئلة الكبيرة ومن السلطة كسلطة؟

رجل الشارع كان أكثر جرأة ممن المثقف وواجه السلطة بكل تلك التساؤلات، رأى ما استوجب خروجه كفرد وصادف أن كان سؤاله هو ذات سؤال الآخر البعيد عنه مئات الأميال، وبالقياس قد يكون سؤال مواطن ما في باريس هو سؤال مواطن آخر في فرانكفورت، والنتيجة مظاهرة في الاتجاهين.

المثقف لا تتحقق هويته إلا بوجوده خارج النص، وهذه المعادلة لا تتضح إلا بسؤال مواطن ما لنا. ما دليل على أننا مثقفون؟ إذا قلت لي أنك اديب، أجيبك بنعم، ولا أعترف بك مثقفًا. لأن السؤال المتعلق بك لايزال قائما. وهو ما موقفك من الظلم والاستبداد، والفساد السائد.

سيبرر ذلك أن الأديب يعبر عن موقفه من خلال الكتابة؟
هذا الكلام يردده الكثيرون وهم كاذبون.

لكنك أجبتني ضمنيا في سؤالي لك عن دور جيل الستينيات، عندما استشهدت بقصيدة علي الرقيعي، وكيف مارس دوره كمثقف من خلال النص؟
أحيانا النص يتحول إلى قضية، كما في قصيدة أمل دنقل (لا تصالح).

انت تشترط الصدق؟
بالتأكيد؛ إذ من السهل اكتشاف تجسيد الكاتب لواقعه.

هل تقصد أن المثقف والأديب في جيلكم كانا وجهين لعملة واحدة؟
نعم، ثم حدث التباعد بينهما، وكان للطفرة النفطية وتأثيرها، دورها في ذلك.

هل يمكننا إضافة عامل الخوف من السلطة؟
لا، لأنه رغم اختلاف قناعاتنا السياسية، فإن اتجاهات الرأي كانت متاحة، صحيح لم تكن هناك أحزاب، والصحافة مقيدة إلى حد ما، إلا أن الدولة وقوانينها ومؤسساتها كانت موجودة. ثم أن كتابة النص لن تغيرني إلا إذا كانت تحمل سؤالي وتعايشه.

ماذا يفعل المثقف الآن؟ هل تستطيع إجابتي عن هذا السؤال؟
هم خارج المشهد، ويجب أن يكون العكس، لأن المثقفين هم المتضررون الأوائل مما يجري، لأن ما يحدث منذ سنوات يسعى لهدم العقل والانتماء، وهو لايريد المثقف، هم المعنيون بالسؤال أو نحن، أنا لا أستثني نفسي من ذلك، مع أنني خرجت في مظاهرات وأنا طفل، ثم وأنا وزير، هي ليست مفخرة، لكن ان يتجمع بعض الشباب ليخاطبونا نحن الذين في البيوت، أين أنتم، ونحن نكتفي بمشاهدة ما يحدث فقط. ثم يأتي س من الذين يحسبون أنفسهم على مثقفين ليتحدثوا عن التاريخ (هذه مهزلة وهراء). الشباب الذين خرجوا في مظاهرات، أين هم من ليبيا، وأين أنت من ليبيا؟)

هم وضعوا المثقف أمام السؤال المحرج؟
هم يصفعونه، هذه الكارثة، لأنه المعني الأول بالتغيير والقضاء على الفساد وتوعية الناس. عندما أصدرت جريد ة الليبي اليوم بعد 2011، حققت شيئين، وهو اعتبار ما حدث سابقا في حكم الماضي، لذلك لم نكتب على الماضي، ولم نشتم أو نتشفى من أحد، خطاب الصحيفة كان عنوانه المستقبل.

ما تفسيرك لأسباب هذا الغياب؟
هناك قاعدة عامة، وهي صحيحة، المجتمع يفرز أجياله، في كل شيء، السياسة والاجتماع والاقتصاد، وغيره، والمثقف يفترض أن يكون نتاج المجتمع، لكن إذا كان المجتمع في إطاره العام ميتًا ولا يملك أسئلته، فلن ينتج مثقف يمتلك سؤالًا.

الحديث عن المجتمع الليبي لا يسعدني، أزعم أني قرأت كل ما يتعلق بتاريخه القديم والحديث، (وهنا نشير إلى مشكلة العقل العربي) لأنه كأي مجتمع عربي، مجتمع قدري ينتظر معجزة لن تقع، ولا يساهم بل يطلب المساعدة، وهو يعود إلى استبداد الأنظمة العربية، منذ عهد معاوية، ونحن نستنسخ طابع التملك والفردانية.

لذلك كتبت تغريدة في تويتر تقول ( الليبيون يحتاجون إلى «عساس» لديه بندقية فقط، يحميهم ويوفر لهم الأمن)، وتبقى الحرية خارج دائرة العقل والفعل.

بالرجوع الى تاريخك في الصحافة الأدبية، أصدرت مجلة« الفصول الأربعة» بثلاثة أصدقاء.. أين باقي الكتاب؟
جاء ذلك على خلفية اجتماع للأدباء والكتاب ببنغازي، وكانت مجلة الفصول الأربعة متوقفة آنداك ويرأس تحريرها الأستاذ نجم الدين غالب الكيب، أقر المؤتمر إعادة إصدار المجلة، والغريب وكعادتنا دائما أحلامنا أكبر من واقعنا، ونصر على الأحلام دون أن نوفر لها واقعًا يحققها، تجسد ذلك بأن تم تكليفي برئاسة تحرير مجلة الفصول الأربعة، وبصورة شهرية، قلت لهم أن ذلك مستحيل، وأن ذلك يتم فقط إذا التزمتم بمساعدتي، قالوا لي اطمئن نحن معك ولن نخذلك، وللأسف عندما بدأت لم أجد أحدًا، لدرجة أن هناك من الكتاب منْ تحتاج مادته الى مراجعته الشخصية ولا يهتم؟ هذا تجسيد للحالة الليبية التي تلقي بأسئلتها وقضاياها إلى فرد واحد.

ثم واجهتني معضلة أخرى وهي الطباعة، ساعدني في البداية الأستاذ عبدالحميد بيزان مدير إدارة المطبوعات آنذاك في تذليل جانب من هذه العراقيل، إلا أنني اضطررت بعدها للدفع من جيبي الخاص، لاستكمال مراحل إصدار مجلة من مطابع حكومية، أليس هذه نكتة (هذه بلد العجائب)، يحدث هذا في ليبيا التي أتقاضى فيها الآن «مرتب تقاعدي» لا يتجاوز (500) دينار.

وهو ما جعلنا نتحايل على تأخر الصدور بالأعداد المزدوجة، ومع ذلك تمكنا بجهد متواضع من رصد مراحل مهمة في تاريخ المشهد الثقافي الليبي، وهو توثيق التجربة الشعرية الليبية من 1970 إلى 1990، واحتفينا بكتاب وهم على قيد الحياة كالأستاذ خليفة التليسي وغيره من رواد الجيل الأول، للدخول في الجيل الثاني كأمين مازن، كامل المقهور، كامل عراب، إلا أن الظروف حالت دون ذلك.

توقفت عند مسألة التواصل والتجاوز بين الأجيال الأدبية، أين بدأ وأين توقف؟
كان موجودا ثم اختفى، كنا نحتفي بكل كتاب يصدر، وسبق أن سألت أحدهم عندما صدر له كتاب، لماذا لم يهد نسخة إلى التليسي؟ أجابني لماذا لا يهدي إليّ كتابه أيضا.

هذه (صفاقة، واستهانة بما يقدمه الآخرون )، في بلدان أخرى أوربية وعربية، يهدي الكاتب إصداره لكبار الكتاب كتقليد يعزز تواصل الأجيال، وعلى صعيد آخر له مردود نفعي، بالكتابة عنه والترويج له من طرف المهدى إليه.

وللأسف ما هو موجود لدينا إما الانحياز إلى غاية إلغاء الآخر أو العكس، إذا أحببنا الصادق النيهوم أو علي صدقي عبدالقادر فالدنيا تتوقف عندهما، هذا الامتلاك الأناني أثّر حتى في الحركة النقدية، عندما يتحول هذا الكاتب أو ذاك إلى (تابو). وأذكر عندما ألف التليسي كتابه (رفيق شاعر الوطن)، تناول فيه رفيق كشاعر، وعلاقاته الخاصة، فتحت أبواب الجحيم على التليسي وهوجم بألفاظ نابية، لأن البعد القبلي كان في خلفية المشهد ودافعًا له في مقابل تراجع البعد النقدي والثقافي. لذا فالقبيلة ربما يكون مصطلح غير مكتوب لكن أنساقها موجودة بقوة عند بعض الكتاب الليبيين.

في كتابك (الخلاصة) أكدت على أن الشعر الشعبي كان متواطئا مع تلك الأنساق التي أشرت إليها بإدخال المفردات الصحراوية الى المدينة، هل نفهم من هذا أن لك موقفًا من الشعر الشعبي؟
أنا من عشاق الشعر الشعبي، لكن خلال الأربعين سنة الماضية وُظِّف الشعر الشعبي بطريقة جعلتني لا أطيق سماعه، خاصة عندما وظف في الأغنية، والأموال ساعدت على انتشاره وتمكنه، وأقولها بكل صراحة معمر القذافي كان منحازا بالمطلق للشعر الشعبي الذي يعبر عن الصحراء وهو مؤمن بالصحراء وليس المدينة، وللأسف صور الشعر الشعبي وكأنه في عداء مع المدينة، وهذا أثر حتى في انطفاء شهرة بعض فناني الأغنية المدينية، بل وتلاشي الأغنية المدينية ذاتها، وقد كانت الإزاحة عميقة وقسرية تربعت فيها الأغنية البدوية على عرش المدينية بفضل ذلك الانحياز، وتسابق الكثيرون لتملق هذه الإزاحة، لذلك لا تستغرب عندما كتب أحد المؤدلجين في صحيفة الشمس مقالًا في صفحة كاملة بعنوان (النجع في قلب المدينة)، وفي المقابل وبعيدًا عن السياسة، يبقى الشعر الشعبي ذاكرة تاريخنا الاجتماعي والسياسي، ومرآة ملاحم الجهاد الكبرى، ومعبرًا عن تقاليدنا وتراثنا الجميل.

أخيرًا؛ هل أجابك زلزال 2011على جزء من أسئلتك، أم أضاف أسئلة؟
أضاف الى أسئلتي أسئلة أخرى مؤلمة، لكن في المستقبل سترسو كل الأسئلة على شاطئ، بحكم نظرية التغيُّر، هذا كل شيء.


ملاحظة: أُجري الحوار بداية فبراير 2019 وكان من المفترض التوسع في المادة والاستفاضة في الإجابة، إلا أن ظروفا خاصة حالت بيني وبين استكمال المشروع وتوقف الحوار عند هذا الحد.

الأديب الراحل يوسف الشريف (يسار) مع عبد السلام الفقهي (بوابة الوسط)
الأديب الراحل يوسف الشريف (يسار) مع عبد السلام الفقهي (بوابة الوسط)

المزيد من بوابة الوسط