فتحي العريبي.. رؤيا ووجه آخر لبورتريه الشمس

فتحي العريبي (يسار) مع الصادق النيهوم (بوابة الوسط)

يقدم الفنان الفوتوغرافي الراحل فتحي العريبي، نوتته الشمسية جامعا شحنة من المفازات اللونية في بعدين «الصوت والصدى»، وهو اختزال للغة الحياة وصدى عنفوانها معكوسة في أعماله بمحطات أربع «أثر النهوض، بورتريه الشمس، منازل الرؤيا»، ساحبا عبر هذه المسارب لحافا كريستاليا من أضواء الخيال، تتجلى في تكاوينها أنفاس الأسلاف وملامح لمستقبل يتبدى ويطرق الباب على استحياء.

 ولا تنفصل ومضات العريبي عن بعضها فنيا بل تتراسل تأويليا من ضفة إلى أخرى ملاحقة لمعنى سادر، وهو عصارة تطواف مع كشوفات العدسة وفتوحاتها الساحرة.

المدينة الحالمة
ويسجل الفنان في شواهده الضوئية، مسحة مقطعية لمجتمع يلتمس السبيل للنهوض، تجسده دكاكين، وعربات الخيول، وأخرى لسيارات حديثة والتواءات طرق معبدة، ومبان تلاحق العصرنة معلنة تمددها في كل لحظة كعنوان لجسد بنغازي الستينات ووجهها، وهو ينفض عبر عقد ونيف غبار الحرب، وتتحول «رباية الدايح » رويدا رويدا إلى كتلة من المخاض البشري، متفجرة بالحركة تغسل جدائلها في البحر وتتشمس في فضاءات تخومها المترامية..

ولم يكن لبورتريهات الشمس في خيال الفتى الشاب وهو يعايش المشهد مجال الاخبار بسر لحظة الميلاد والأفول، لكنها معنية بسجن تلك الثواني الساكنة في أرشيف المدينة الحالمة، وهي نسخة سنرى لها توائم عدة في الجغرافيا الأم «ليبيا» اذ لا يكتفي فضول العدسة بمنازل النشأة، لأن وعيا اخر بالمكان وكذا الهوية يفتح النافذة على فضاء انساني يسبر أثر الناس والحياة في ابسط صورها كما في لوحات «رقدالين» المسجلة 1981.

فمن صورتي الرجل والحمار وبراميل الماء، وأخرى لعائلة تجلس امام بيت الشعر، تتمثل احاسيس وأوجاع أيضا وحضور لذات الرؤيا التي يجد نظائر ومرايا لها في اقاصي الشرق والغرب، وإذ تحتفي وتحتفظ تلك التثبيتة برمزية المشهد وهو يواجه الكاميرا، فإن سؤالا يتجدد مع سلاسل رحلات العريبي في كل مرة، ناظرا في مخيلته، إلى أين تقودنا رفيقة الضوء؟

الجانب الآخر
تحيلنا تجارب الفنان كذلك إلى خزان هائل من التذاكر الفوتوغرافية، وهي تشكل في مجملها بانوراما فريدة لشخصيات ذات دلالة ثقافية وفنية ساهمت في تشكيل ذائقة أجيال من الكتاب والشعراء وعشاق السرد والتشكيل، يمنحها طقسها العفوي إطلالة مضافة إلى رصيدها في ذواتنا، كالصادق النيهوم، خليفة الفاخري، رجب الشلطامي، محمد الزواوي، أحمد السيفاو، سليمان الترهوني، على أحمد سالم، مصطفى العقاد، نزار قباني، محمود سعيد..

وتشدنا تلك التواقيع الضوئية بخيطها الزمني الشفيف إلى زوايانا الخاصة في فهم أعمالهم، عبر زمنين، الإعجاب كمدخل أولي ومحاولة لإدراك الدلالة لاحقا، وهي حاضرة بفاعلية الفكر والحبر الذي يجعلها دائما فوارة بحيويتها الآسرة، وبذا ففتحي العريبي يأخذنا إلى كواليس توازي هذا التشابك، ويقدم رؤيته الخاصة لنتاجها شعرا ورسما وكتابة عبر ذكرياته معها هنا سيصبح الفنان ذاته جزءا من المادة الضوئية في شراكة مع ذائقة المتلقي، ويعبر معه عبر أرشيفه الخاص إلى منازل الرؤيا القابعة في مدارات الضوء.

الفنان العريبي، الأول يمين، والفنان المصري الراحل محمود ياسين، الثاني يسار، (بوابة الوسط)
فتحي العريبي يسجل في شواهده الضوئية مسحة مقطعية لمجتمع يلتمس السبيل للنهوض (بوابة الوسط)
فتحي العريبي يسجل في شواهده الضوئية مسحة مقطعية لمجتمع يلتمس السبيل للنهوض (بوابة الوسط)
فتحي العريبي يسجل في شواهده الضوئية مسحة مقطعية لمجتمع يلتمس السبيل للنهوض (بوابة الوسط)

المزيد من بوابة الوسط