الفنان التشكيلي محمد عبدالهادي إستيته

الفنان التشكيلي محمد إستيته

الفنان التشكيلي الأستاذ محمد عبد الهادي إستيته ( 1939 – 2005 )

وكأن المطر كان ينتظر وصولنا إلى منزل الفنان التشكيلي محمد عبد الهادي استيته، فلقد سبقت تلك الليلة، أيام برد قارس، وسحب وبرق خُلبُ، كانت (قرة عنز) حقيقية؛ ولكن تلك الليلة انسكب نهر من السماء فوق ميدان البركة مباشرة. استقبلنا المرحوم بابتسامته الدافئة ودماثته المعتادة. كان ملتفًا بجلباب مغربي بني اللون بكوفية غطت الرأس والأذنين. تصافحنا داخل السقيفة.  أخذنا إلى غرفة الجلوس. جلسنا بعيدين عن المدفأة المتوهجة. كان الدفء يغمر المكان.

ولو لم نكن على موعد مسبق لحال ذلك الطقس دون متعة تلك الليلة الرائعة التي لم تتوقف أمطارها. كان محمد استيته في ذلك الوقت قد افتتح مرسمًا في قصر المنار وصار قبلة للعددين من الفنانين الشباب، الذين أثروا سريعًا مشهدنا التشكيلي بأعمال فنية غاية في الجمال والعمق، أذكر منهم حسين ديهوم، محمود الحاسي، عادل جربوع، وجمال الشريف وعبد القادر بدر.

لم أكن أعرف حينها عن الرسم أكثر من جمال الصورة وتناسق ألوانها. ولكن من بعد نقاش وشروحات من موهبة درست الفن مبكرًا في مصر، ظللت منصتًا، كتلميذ مجتهد، طوال تلك الليلة التي مضت سريعًا، منذ أن حكى الأستاذ محمد استيته عن الرسام (ماتيس)، الذي أجاب فتاة كانت تتأمله وهو يرسم سيدة ثم قالت له: «أرى يا سيدي أنك رسمت السيدة بذراع أطول من المعتاد!» فأجابها متبسمًا: «يا سيدتي ما ترينه ليس سيدة ولكنها صورة.. مجرد صورة!».

وتشعب الحديث من الفن والرسم والألوان إلى نقطة لا أعتقد أننا ننتبه إليها بسهولة، وهي التي تفسر الأشكال التي يفاجئنا بها الفنانون التشكيليون، التي تختلف أحيانًا عما اعتدنا رؤيته من بشر أو حيوانات أو طبيعة صامتة، التي تكون أحيانًا من أشكال يرسمها الأطفال ويحاولون إقناعنا بأنها صورة لقطة أو إنسان، ولهم الحق في ذلك، والسبب في ذلك هي الحالة التي نسميها الإبصار.

فالأمر، ببساطة، أن عيوننا ترى ما سبق وأن تعلمناه، لا ما هو واقع وحقيقي، بل ما سبق وأن تخزن في عقولنا من صور، فالعين مجرد عدسة تلتقط الشكل وتنقله إلى المخ وهو الذي يقوم بإخبارنا عنها بحسب ما سبق وأن تخزن فيه. ولو فقد الإنسان حاسة البصر مبكرًا يصعب عليه كثيرًا تفسير الألوان.

في ستينات القرن الماضي كانت مصر تجاهد بخلق صناعة محلية، ومن أجل ذلك منعت استيراد الكماليات، وكانت رابطات العنق من هذه المحظورات. وكان أحد أصدقائنا قد ارتبط بصداقة مع الفنان البصير سريع البديهة سيد مكاوي، فسأله ذات مرة أن يحضر له (كرفتات) من ليبيا، وبالفعل في الرحلة التالية أحضر له عددًا منها، ومن بعد أن أخرجها الفنان سيد مكاوي من الكيس رفعها يتحسس ملمسها ثم رفعها أمام عينيه المخفيتين وراء نظارته السوداء، وكأنه يتأمل ألوانها، ثم ابتسم ساخرًا وقال: «بالذمة دي ألوان تجيبها يا مصطفى؟!» وانفجر ضاحكًا وسط حيرة مصطفى، ثم استطرد ضاحكًا: «أنا ما اعرفش الأحمر من الأسود.. بس بحب الأصفر..  هههه!».

والمخ الذي عجزت عدسة العين عن نقل الألوان إليه يظل لا يعرفها، ويحكى أن شيخًا ولد بصيرًا، ولم يرَ شيئًا على الإطلاق، ويقال أنه عينيه أبصرتا فجأة خروفًا، ثم عاد العمى إليه ثانية. ومنذ ذلك اليوم ما إن يحدثه أحد عن شيء كأن يخبره عن  «دبابة» مثلًا، حتى يسأله: «أين هي من الخروف؟».

البصر باختصار شديد، لا يعطيك معنى للشكل بل ينقله، المخ هو الذي يصنفها، ونحن نرى الأشياء كما نريد نحن، بمعنى كما هي مصنفة في أدمغتنا، وليس كما هي في الواقع. وفسر لنا الفنان محمد استيته، أن خبيرًا لامعًا في الفن اسمه (جومبريتش) انتبه إلى أن الرسامين القدامى كانوا يرسمون عيون الجياد برموش على الجفون السفلية، والواقع أنه ليس للخيل رموش على الجفون السفلية، وسبب ذلك أن أدمغتها مخزنة الأجفان - كل الأجفان - برموش سفلية وعلوية!

لقد وصل حديثنا تلك الليلة إلى أن الفنان المبدع يمنحنا عيونًا نرى بها ما لم يخزن مسبقًا في عقولنا، صورًا وأشكالًا لا نعرفها، ابتدعها من وحي خياله، وحولها إلى واقع، وقد فسره ذلك فنان تشكيلي آخر سئل عن أصعب جزء في الصورة، فأجاب: «إنه ذلك الذي ينبغي تركه خارجها». رحم الله كل مَن ابتدع لنا شيئًا مبهجًا؛ كلمة كانت أو رسمًا، أو نغمًا.

الأستاذ محمد عبد الهادي إستيته من مواليد مدينة طبرق سنة 1939، درس شأن جيله بالكتّاب، فحفظ أجزاءً من القرآن ما كان سببًا في لغته العربية السليمة، وكذلك جمال خطه العربي. تحصل على الشهادة الثانوية سنة 1953 ثم سافر سنة 1954 إلى مصر للدراسة في معهد المعلمين، وتخصص في الرسم والزخرفة والنحت، وتدرب في معهد التصوير السينمائي. ومن بعد قيامه بتدريس ما تعلمه في المعهد، وبسبب لغته العربية السليمة التحق بوزارة الأشغال كأمينها الإداري. سنة 1969 أُلغيت وزارة الإشغال، ونُقل إلى مؤسسة الكهرباء، ومنها إلى الإذاعة الليبية، ثم مديرًا لشركة المواد الغذائية. 

 تنقلاته كلها كانت بسبب بحثه الدائم عن المجال الذي يعشقه ويتقنه، كان الجانب الفني الإبداعي وراء بحثه الدائم لما يتناسب مع موهبته، ولذلك سريعًا ما وجد ما يريد، في قسم النشاط الفني بالجامعة قاريونس، فلقد عمل مستشارًا فنيًّا لمجلة الثقافة العربية، ولجريدة الإعلان ومستشارًا فنيًّا لمصرف التنمية، ولكن ذلك لم يفِ رغبته في إشباع موهبته، تلك الموهبة هي التي جعلته يوظف إمكاناته لتأسيس المرسم الجامعي، الذي أصبح وكأنه معهد تخرج فيه العديد من رسامي الساحة الليبية الحاليين.

وبالإضافة إلى الرسم والتشكيل والخط، كتب القصة القصيرة، والمقالة، ومارس الترجمة. وفوق كذلك توليه وإشرافه على المعرض العام للفنون التشكيلية في جامعة قاريونس، والمعرض العام للفنون التشكيلية بعمارة جمعية الدعوة الإسلامية من سنة 1993 حتى رحيله. شارك في المعارض العربية في اليمن والعراق وتونس سنة 1987 و1988و 1989 على التوالي وأقام معرضًا دائمًا بالمملكة المغربية أثناء إقامته بها حتى سنة 2004.

استعمل المرحوم محمد استيته الحروف العربية في أعمال تجريدية يطلق عليها أحيانًا مفهوم فن الحروفيات أو الحركة الحروفية، وهي عمل فني متكامل بالحرف واللون، بحيث يكون الخط فيها من الخلفية أو من العناصر الأساسية، ولديه الكثير من هذه الأعمال المجردة قد لا تحمل نصًّا معينًا ولكن تحوي آيات قرآنية أنجزت كلها بالألوان المائية الثقيلة (الاكريليك والجواش) .

أما بالنسبة لأعماله المائية وهي من المدرسة الواقعية أو التصويرية فقد أنجز الكثير منها في فترة قضاها في المغرب .ولديه الكثير من الأعمال الواقعية المرسومة بألوان زيتية في بداياته.

قال الفنان محمد عبدالهادي إستيته في معرض حديثه، في لقاء مع مجلة «كل العرب» التي تصدر بباريس يوم 16/5/1988: « ... وأعمالي تستند إلى الفن العربي الإسلامي! الذي يقولون لنا عنه إنه مجرد شغل للمساحة بوحدات زخرفية متكررة، وإنه فن ضحل؛ هذه الصورة رسمها الغربُ المتفوق، وصدقناها في سذاجة في مرحلة الانبهار. وصحيح أن أباءنا لم يخلفوا لنا تراثا من التماثيل المرموقة، واللوحات الزيتية ولكن قصور الحمراء وجامع قرطبة وعمارة العباسيين، وأثار النسيج والحفر والزخرف والنقش تمثل تراثا عربيا فنيا مميز الشخصية.».

كتب عنه الكاتب الشاعر عِذاب الركابي، في ذكرى رحيله يوم 24/3/2005 فقال: «الحرف واللون توأمان، هكذا قالت أصابع هذا الفنان الكبير، وهي تجمع بينهما في حالة عشق صادقة وجميلة، وهكذا جسد هذا الفنان العلاقة الأزلية والتاريخية بين الكلمة واللوحة، وبين الحرف واللون، وبين الحب والحياة، وبين الحياة والإنسان، وبين الإنسان والحرية، كقيمة مبررة للوجود! محمد عبد الهادي إستيته فنان رائد ومتجدد. رسم لوحة للإنسان، المتوَج بالصباحات الدافئة المطيرة، ورسم لوحة للحياة المفعمة بالأمل، والبهجة والعلاقات الحميمية. رسم للحرية، الجناح الأسطوري للمبدع والفنان والعاشق! محمد إستيته رسم كل تفاصيل حياتنا بعشق، وحب بلا حدود، وربط بين مكونات الطبيعة، والإنسان في أعمق لوحة، مبتدئًا ريشته الودودة بالزهرة - زهرة عباد الشمس - وهو يربض في إيقاع ألوانها، ولغته الكونية، وشكلها الهندسي، ومنتهيًا بالإنسان العاشق.. هذا الفنان الكبير سيظل يعيش بيننا بفنه وأحاديثه، وصدقه، وعلاقاته. يعيش بألوانه، وأفكاره، وكلماته، يعيش وهو يضع فوق رؤوسنا تاج الأمل والدف والحب، يعيش وهو يشد على يد كل مبدع مخلص لتربته، ووطنه! وإبداعه، وهمومه».

بوحة الجمل
"البنكينه"
أسماك
الحوات حميدا كلاي، في صباه عمل بمقصف نظارة الاشغال، ثم اصبح صياد سمك
حمام
لوحة الديك
الفنان وتصيليات من لوحاته
الاستاذ محمد عبد الهادي إستيته
التشكيلي محمد استيته ولوحته الديك
الرسام الفنان محمد إستيته
الشيخ عبدالهادي إستيته والد الفنان محمد
لوحة خراز السروج
زهور عباد الشمس
التشكيلي القاص محمد عبدالهادي إستيته
براد الشاي وفاكهة الموسم
ملصق تكريمه
أسماك المغزل
الفنان محمد إستيته
شكر بخط يده إلى مصمم مطوية التشكيل الفنان فتحي بدر