المشهد الثقافي ما بعد 2011.. مسار وتحديات سنواته العشر

من اليمين: يونس الفنادي، سراج الدين بطيخ، عدنان معيتيق، عبدالله زاقوب (بوابة الوسط)

لحق بالمشهد الثقافي الليبي النجاح النسبي والتعثر والتوقف، وهو ملمح عام لسنواته العشر التي أعقبت منعطف فبراير، والخوض في تفاصيل هذه الرحلة يستلزم الوقوف عند خلفيات الأسباب واستجلاء نتائجها، وهو ما يصعب سرده في هذا الاستطلاع، الذي رأينا فيه توصيفا مبدئيا أو صورة بانورامية موجزة لأبرز ملامح هذا العقد وتحدياته في شقيه الأدبي والفني، وما الأسئلة التي ينهض عليها النص الإبداعي وهو يعاين واقعه بكل أبعاده وتجاذباته، وسبر الإجابة عبر آراء مختصين في مجال الكتابة والنشر كانت على النحو التالي:

الهوية الليبية
يرى الكاتب والناقد يونس الفنادي أن المظهر الأكثر بروزا في المشهد الوطني والسياسي تحديدا بعد فبراير 2011 هو عودة الاسم الرسمي للوطن «ليبيا»، مؤكدا مفهوم الهوية بعد تخلصه من ربقة إقصاء أيديولوجي غيبه لعقود طويلة.

وعلى الصعيد الأدبي الإبداعي يقول الفنادي إن (المميز كذلك هو ظهور كتابات السجناء السياسيين ونشر معلومات كانت مصادرة ومحظورة عن حقبة النظام السابق، مثال «مذكرات سجين ليبي» للدكتور عبدالقادر الفيتوري، ورواية «يوميات زمن الحشر» للأديب الدكتور صالح السنوسي، التي توثق لفترة عصيبة مرت بها ليبيا، ورواية «طريق جهنم» عن سيرة السياسي علي العكرمي في السجن لمدة ثلاثين سنة تقريبا، وكتاب الأستاذ عبدالفتاح البشتي «المحنة الملحمة: 15 سنة في سجون القذافي» وهو يحكي عن مأساة مجموعة الأبشات «عائلة البشتي» المعتقلة ورفيقهم الراحل عبدالعزيز الغرابلي، ومطبوع «القبر المتحرك.. حرب تشاد» للعميد عمر الوحش، وكذلك مؤلف «خفايا وأسرار حرب تشاد 1976-1995» للعميد علي محمد أبوقصة، وكما نعلم فإن موضوع حرب تشاد كان محظورا وممنوعا من التناول في كل الأجناس الأدبية أو التاريخية التوثيقية).

وأضاف منوها بظهور نتاج مهم مثل إضافة للمؤلفات المعنية بالتاريخ الوطني، منها كتاب المبعوث الأممي «أدريان بلت» صانع استقلال ليبيا، ومفوض الأمم المتحدة لليبيا سنة 1951م الصادر سنة 1970 تحت عنوان «Libyan Independence and the United Nations»، وقام بترجمته الدكتور محمد زاهي المغيربي وإصداره عن دار الكون سنة 2020 تحت عنوان «استقلال ليبيا والأمم المتحدة»، وكذلك صدور كتاب «محمود المنتصر ودوره السياسي في ليبيا» سنة 2017 الذي يكشف الكثير عن حقيقة وسيرة أول رئيس وزراء لليبيا في العصر الحديث في أطروحة جامعية لنيل درجة الماجستير، أعدها الباحث العراقي صادق فاضل الزهيري بقسم التاريخ في كلية التربية بجامعة بغداد بالعراق الشقيق، وأيضا كتاب «محمد إدريس السنوسي ودوره في استقلال ليبيا 1890-1952» للمؤلفة العراقية هند النعيمي، وكتاب «حقيقة مصطفى بن حليم.. وهذا ردي على افتراءاته» وهو رد السيد أبوالقاسم الغماري على كتاب مصطفى بن حليم «صفحات مطوية من تاريخ ليبيا السياسي».

النثر والسرد
وأوضح أن التغير في الخطاب النثري والسردي يمكن رصده شعريا كما في دواوين «ربيع فبراير» للشاعر الكبير راشد الزبير السنوسي، و«من وحي ثورة الحق والتكبير» للشاعر الكبير الدكتور عبدالمولى البغدادي، رحمه الله. أما المجال الفني والموسيقي فأبرز تغير طاله يمكن رصده وملاحظته هو عودة عدد من الأغاني الوطنية مثل «لو تؤمريني فوق نسمة نطير» للفنان سلام قدري، وأغنية «وين سايرة يا مركبي قوليلي وين» للفنان محمد السيليني، وأغنية «عرفتك زين تلعب عالحبلين» للفنان عبدالله الأسود، وغيرها من الأغاني العاطفية والحماسية والوطنية التي كانت ممنوعة من البث عبر الأثير الإذاعي في ليبيا نتيجة قراءتها سياسيا.

وبتطرقه لفن المقالة السياسية يلمح إلى تخلصها من الرقابة الممنهجة، مما تسنى للكثير من الأقلام الشابة التعبير عن فكرها السياسي ونقدها الاجتماعي لحراك المجتمع، مع ضرورة الإشارة أيضا إلى ظهور قوى أخرى مؤدلجة، ظاهرة ومتخفية، تمارس بعض الضغوط على حرية التعبير، وأغلبها تنتمي لتيارات دينية وفكرية متعددة.

ويختم الكاتب يونس الفنادي بالقول: «إن ما شهدته ليبيا أثناء فبراير 2011 وما بعدها من حروب تمثل لعنة وجريمة كبيرة، وضحاياها من الأرواح البشرية البريئة خسارة فادحة للبلاد. الحرب حريق يأكل الأخضر واليابس، لا يترك إلا الدمار والخراب، ويصيب النفوس الحية الناجية منها بالانكسار والإحباط واليأس والتذمر من الحياة، والعاهات النفسية المزمنة. لقد أعادت الحرب ترتيب سلم الأولويات والضروريات في حياة المواطنين، وظل هدفهم الوحيد مقتصرا على المحافظة على الحد الأدنى من الأمن والاستقرار النفسي والتفكير العقلاني بدل الانجرار في أعمال جنونية وتهورية كالمشاركة بالسلاح في الحرب ذاتها أو الانخراط في دعمها أو ممارسة خطاب العنف والكراهية».

أيقونة المنجز
وأكد الشاعر والكاتب عبدالله زاقوب في توصيفه العام بالقول إنه «بالرغم من تداخل وتمازج المشاهد والصور، فإنني أستخلص أيقونة ثمينة تغري الرائي والباحث عنها ببريقها وألقها الموحي والشفاف. وهي قيمة حرية التعبير ومساحة القول التي منحتها ثورة فبراير بغض النظر عن منغصات من القمع والمصادرة والتهميش، هذا المنجز الذي وهبته الثورة من العسير على من اعتاد التضييق ووضع العصى بالدواليب أن يعرف ويكتشف تلك المباهج التي تضفيها وتطرحها على مجمل المظاهر والمكونات والأطر السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية من حيث ضرورة الشفافية والمصداقية التي تستلزم نجاح أي مشروع أو منجز يؤديه الفرد أو المؤسسة أو المجتمع بشكل عام».

وأضاف: «هذه الأطروحة شكلت المساحة الأولى لانبثاق المعنى الحقيقي للمجتمع المدني الفاعل، حيث انخرطت أعداد هائلة من شرائح المجتمع لتكوين المنظمات الأهلية ومؤسسات ومنتديات المجتمع المدني التي أتوخى لها التفوق وتأكيد الذات في قادم الأيام. تولد جراء هذا وذاك أو من معطف تلك الأيقونة وردة المناظرات بين اليافعين التواقين للمعرفة والقفز لتعدي الموانع والاستيقافات التي يقوم بافتعالها البعض لتعطيل الوثبة التي يود ويأمل هؤلاء الشباب تحقيقها...».

ثلاث مراحل
ويبني الأستاذ سراج بطيخ نائب رئيس مجلس إدارة دار الرواد للنشر تشخيصه للسنوات العشر عبر مراحل ثلاث، الأولى من 2012 وحتى 2014، وهي فترة شهدت فيها الحركة الثقافية بصفة عامة نشاطا ملحوظا نتيجة لتوافر الموارد المالية للدولة، الأمر الذي انعكس إيجابا على القارئ ومكنه من اقتناء المؤلفات في مجالات التاريخ الليبي والسياسة والرواية عدا إقامة حفلات توقيع للمنشورات الجديدة ومعارض للكتب المستعملة، ومثل فرصة للجامعات لتزويد مكتباتها بالمراجع والدوريات الحديثة.

غير أن هذه الفورة تتراجع في المرحلة الثانية خلال الفترة من 2014 وحتى 2019 نتيجة تردي الوضع الأمني واندلاع الحروب وشح الموارد المالية، مما قلل من فرصة اقتناء الكتاب الذي ارتفع سعره بصورة مبالغ فيها، وشكلت المرحلة الثالثة بحسب رؤية سراج الأصعب والتي تبدأ من 2019 وحتى الآن، لكونها ارتبطت بظهور فيروس كورونا، إضافة لحرب طرابلس وتفاقم المشاكل المالية التي ما زلنا نعاني توابعها، وعلى الرغم من ذلك لم تكن هذه المعوقات عاجزا منيعا أمام عجلة سير دور النشر وظلت مستمرة في برنامجها رغم بطئه، ويضيف معلقا: «نحن في دار الرواد لم نتوقف عن النشر في أي سنة من السنوات العشر الماضية ولنا إصدارات جديدة خلال سنة 2021».

تجارب فنية
وفي سياق تقييمه للمسار السالف يوضح الناقد والفنان التشكيلي عدنان معيتيق، أن منح هامش كبير للحرية الفردية بعد الثورة ولد الكثير من الفوضى والتشويه للمشهد، فأصبحت التجارب الفنية الأصيلة تصطف جانبا، وتركت المجال للتجارب المتواضعة والأخرى عديمة الموهبة، وأصبحت منصات التواصل اﻻجتماعي والمؤسسات الفنية حديثة الوﻻدة، هي من تقوم بعملية التقييم للفنانين وتكريمهم حسب ذائقة ساكنة من أصحابها، توجههم علاقاتهم الشخصية محدودة الثقافة والأفق، فمثلا ما حدث في ليبيا بالتعدي على الموروث الحضاري للكثير من رموز الجمال في ليبيا والقائمة منذ عقود، ومنها يصل إلى آلاف السنين، يرجع إلى طوفان الجهل الذي أصاب المنطقة العربية بأسرها، فما حدث مشابه تماما لما حدث في أغلب البلدان العربية، وما أنتج من نصب وتماثيل كانت رمزا للقبح وعنوانا للجهل المعرفي والإفلاس الذوقي الجمالي والأخلاقي، ورغم كل هذا القبح فإنه يمكن أن تشاهد ولو على استحياء ركنا مضيئا في جانب آخر وهو حرية الإبداع، وعدم وجود أي قيود على المنتج الإبداعي الأصيل، سواء كان رسما أو كتابة، فالكثير من الأعمال الإبداعية تم إنتاجها في هذه الفترة، والكثير من المنجزات المهمة الشابة التي تبلورت مفاهيمها بعد 2011، كانت من التجارب التي حققت نجاحا على الصعيد الفردي وبمجهود ذاتي بحكم تخلصها من البيروقراطية الإدارية، والرقابة المشددة.

نقلا عن العدد الأسبوعي من جريدة «الوسط»

المزيد من بوابة الوسط