مكامن معيتيق.. الضوء في مدونة اللون

التشكيلي عدنان معيتيق (بوابة الوسط)

يستنطق الناقد والتشكيلي عدنان معيتيق في كتابه «مكامن الضوء» اللغة المختبئة خلف ستار اللون، وإن ظهرت فتلوح كإشارات مستفزة عابثة بمخيلة المتأمل، ومشاكسة لأدوات الناقد وهو يجهد لسبر دفائنها المتأبية للظهور.

يبحر معيتيق داخل مطبوعه الصادر عن دار «إمكان» في عوالم سبعة وعشرين فنانًا لامست لوحاتهم تفاصيل جدارية الحياة في أبعادها السوسيولوجية وكذا تشابكاتها مع إفاقها المكانية والزمانية ودلالتها المتمردة في أحيان كثيرة عن كل هذه العلائق لتصبح متفلتة بتأويلها الجامح.

أسماء وتجارب
تحت عنوان «لوحة فرح مؤجل» يدون الكاتب رؤيته لتجربة الفنان رمضان أبوراس، معتبرًا أعماله بمثابة الكشف عن مخطوطات شرقية وما تحمله من رسومات وخرائط، كما أن معمار اللوحة عنده يلامس التراث الغدامسي ويقترب كثيرًا من مناخ الفنان بول كلي عندما رسم الشرق، خصوصًا شمال أفريقيا وما تبعه من الفنان الليبي علي الزويك في ظاهره.

ويخلص المؤلف إلى أن أبوراس توقظ فينا لوحاته حلم السفر في أرجاء الوطن الجريح للوحة فرح مؤجلة يتمناها كل الليبيين لرأب الصدع.

ويرى في فضاءات الفنان حسين ديهوم ربطًا بين ما أُنتج في الغرب من أساليب حديثة وطرق في التعبير وما يعتمل في ذاكرته التشكيلية من مفردات محلية، أضفت على أعماله ألق اللقاء بين الغرب والشرق القديم والحديث، عدا أنه اختار لنفسه طريقًا وعرة تفضي إلى عالم شديد الخصوصية في التعبير والتلقي «التجريدية الغنائية» واستحضار الباطني العميق بكل خفة.

وفيما يتعلق بأعمال التشكيلي رضوان أبوشويشة يشير معيتيق إلى تماسها مع تجربة الفنان الأميركي «سي تومبلي»، حيث الحدائق والغابات المتخيلة بزهورها وأشجارها وعبث الأداء المتقن المختلط بشاعرية اللحظة وخبرة السنين، إضافة إلى كون كائنات الفنان نشعر بوجودها ولا ندركها، فهي كالأثر على جدران الروح، خربشات وخطوط واهية بالكاد تظهر في بقع من جمر، وتندرج مخرجات فنه في عمومها، رغم اقترابها من التصنيف التقليدي «التعبيرية التجريدية» تحت مسمى «الأوت سايدر» أي الفن المنفلت من روابط الأكاديمية الخارج عن المألوف.

إيقاع داخلي
وعن الرسم بالكتابة يتوقف عند أسلوب الفنان علي الرميص المازج بين النص الأدبي والأثر اللوني، مستعينًا بمحسنات تشكيلية كالكتلة والفراغ والتناغم، وحركية الفرشاة وأثرها على السطح، ملمحًا إلى إن الرميص نجح في التوفيق بين حركة اليد وإيقاع االروح، أي بين حركة الفرشاة وأثرها المتكامل والمتقن على أرضية الورق، ويسعى في لمساته إلى الجمال الخالص بالتعبير عن المطلق والاعتماد على الانفعال الذاتي الداخلي في عملية الرسم والإنتاج الفني وبالتعبير عن كل ما هو روحي، فكان أسلوبه تجريدًا صوفيًّا بخلاف ما كان عند الفن الغربي تجريدًا بالمنطق الرياضي.

ويتناول الكاتب تفاصيل لوحات الفنان عمر جهان باختياره إيقاظ الحواس لقراءة كهفياته وهو يعتمد على الاستنباط الفوري المباشرفي تأليف أعماله الفنية من لوحات ومنحوتات وأعمال مركبة، وكذا استماعه إلى إيقاعه الداخلي ولا يركز على النظريات الأكاديمية والعلمية فوعيه الباطن هو الذي ينسق ألوانه وأشكاله ويحددها على سطح اللوحة.

وضيف الناقد عدنان معيتيق شارحًا لهذه التجربة بالقول: «مصادر الإلهام عنده لوحات تسيلي، وكهوف تادرارت، ومعجزة اللون والبناء الصرحي عند الفراعنة، الأقنعة الأفريقية، وملامس الحصر والحيطان الجيرية، وهويحتفي بالكلمة المكتوبة كما هو دائمًا يحتفي دائمًا بالخط واللون.

لا يتسنى لنا عرض كامل تفاصيل الكتاب ونكتفي بالإشارة إليه كمرجع تشكيلي نفيس، يسلط الضوء على التجربة اللونية الليبية عبر فنانيها، ويحاول تجسيرها بفضائيها العربي والعالمي.