«اللوفر» يحسم: شيشنق الليبي فرعون مصر

لوحة جدارية للملك شيشنق (الإنترنت)

باريس: هاجر محمد

رغم أن اكتشاف لوحة «باسنهور» التي أرخت لأصل شيشنق الأول، فرعون الأسرة الـ22 (945 ق.م – 924 ق.م)، يعود إلى العام ١٨٥١، عندما عثر عليها عالم الآثار الفرنسي أوغست مارييت في قرية سقارة المصرية، (قبل أن يتم نقلها إلى متحف اللوفر، حيت لا زالت حتى الساعة)، بأنه منحدر مباشرة عن قبائل «المشويش» البربرية الليبية، التي كانت قد استقرت بأطراف دلتا وادي النيل، حول بوباستيس بداية من الأسرة الـ20، إلا أن تأكيد وجود هذا الفرعون الأسطورة كان يجب أن ينتظر حتى منتصف القرن الماضي، عندما تمكن عالم الآثار الفرنسي مونتيه العام ١٩٤٠من اكتشاف مقبرة شيشنق في نسخة متكاملة، نجت بمعجزة من أيادي العبث التي طالت مقابر فرعونية أخرى.

إذ شاء القدر أن يبقى قبر شيشنق محميًّا بكل أسراره وقناطير الفضة التي زركشت أرجاءه، حتى أن النثريات الأدبية دأبت على تسميته الفرعون الفضي. هذا القائد الليبي الذي أسس لمملكة أسطورية امتد سلطانها من الصحراء الليبية وأرجاء مصر والسودان والشام، والذي جاء ذكره في التوراة (في سفر الملوك)، باعتباره الملك الذي اجتاح أورشليم (القدس)، وعادت إليه كنوز سليمان بأسرها.

طالع: «ثقافة الوفاق»: الملك شيشنق الأول أصوله أمازيغية من قبيلة المشواش الليبية

ويعود ذكر شيشنق للسطح اليوم في معركة حامية بين أطراف ترى في نسبته إليها مجدًا قوميًّا، وجعل الليبيين يستفيقون إلى حقيقة أن بعضًا من أجدادهم حكموا أصقاع الأرض، وإن لم يعطوا لهذا أهمية تذكر.

وإننا في ليبيا ما فتئنا نخذل تاريخنا بأنفسنا، فغير حكم أسرة شيشنق لمنطقة الشرق الأوسط، كان هناك إمبراطور ليبي حكم العالم بأسره، وهو سبتيموس سيفيروس الذي استكثر عليه البعض أن ينصب تمثاله في ميدان العاصمة.

في كتابه: «الفراعنة المحاربون.. دبلوماسيون وعسكريون»، يوضح الدكتور حسين عبد البصير، أن شيشنق الأول حكم مصر من العام 945 إلى العام 924 قبل الميلاد.... وكان هو البداية للفرع الليبي المتمصر الذي حكم مصر لمدة مئتي عام.

ويشير الدكتور عبد البصير إلى أن شيشنق ربط نفسه بالأسرة السابقة من خلال الزواج من ابنة الملك السابق عليه، بوسينس الثاني، وتمكن وفق خلفيته العسكرية الاستثنائية من التأسيس لاستمرارية سيادية في حكم دولة كبرى قلما تحققت في التاريخ.

‎وتعيد عديد الدراسات التاريخية نسبة «شيشنق» إلى قبائل «المشواش» الذين كانوا يستوطنون «إهناسيا» الليبية، وإن كان ثمة بعض الآراء ترجح عودة هذه القبائل لمناطق أخرى من الشمال الأفريقي.

‎وإلى ذلك يستند الجدل القائم هذه الأثناء..

وفي اللوفر الخبر اليقين
يرى الدكتور حافظ الولدة، السفير ومندوب ليبيا الدائم لدى اليونيسكو أنه، وبالاستناد إلى لوحة (نقش) باسنهور، الموجودة في متحف اللوفر بباريس، يمكن أن نعرف المزيد عن أصل السلالة والتسلسل الزمني للحكم:

حيث نجد التأكيد على أن المشويش (الذين كانوا في صراع دائم تقريبًا مع الدولة المصرية)، بعضهم من أصل ليبي مذكور صراحة في سلسلة نسب موجودة على اللوحة (مؤرخة في عهد شيشنق الخامس)، حيث ورد ذكر رؤساء المشوش العظماء (بمَن فيهم ملوك الأسرة الثانية والعشرين) على أنهم أحفاد «بويو واوا الليبي».

وهو يشدد في هذا الصدد: «يشار أيضًا إلى أصل المشويش الليبي-البربر في أسمائهم الشخصية (مثل أوسركون وتاكلوت ونيملوت وشوشينق وما إلى ذلك) وعدد قليل من الألقاب غير المصرية التي يستخدمها هؤلاء الأشخاص، ترتبط باللغات البربرية».

وحكم المشويش مصر طوال الأسرتين 22 و23 تحت حكم الفراعنة الأقوياء مثل شيشينق الأول، وأوسوركون الأول، وأوسركون الثاني، وشيشينق الثالث، وأوسوركون الثالث.

ولكن ذكر المشويش سيغيب في المصادر اللاحقة، حيت يذهب بعض العلماء إلى أنها نفس القبيلة المسماة مازيس أو مازيكس، وفق ما ورد لدى هيكاتيوس الميليتي، شومكسيسو هيرودوت، والتي إليها تعود تسمية الأمازيغ تاريخيًّا.

وأيا كانت دوافع الجدل في نسبة شيشنق الليبي، فلعل ما قام به هذا القائد العظيم ملهم لنا في هذا الزمن العسير. هذا الذي نجح بعبقرية قيادية فذة في توسيع حدود مملكته الفرعونية، لتشمل مصر والسودان والشام، وليبيا، في دولة واحدة، هي جميعها موطنه، وإليها، بكل أرجائها ينتمي تاريخه وتراثه، ولعلنا منها نستلهم أحلامنا في «وحدة وطنية»، تلم شتاتنا الحاضر.

المزيد من بوابة الوسط