بيت الباشا.. سيرة التاريخ والثقافة والفن

الباحثة مفيدة جبران (بوابة الوسط)

استغرق هذا المطبوع سبع سنوات ليرى النور شاهدا على معضلة النشر القديمة الجديدة، وعلى معاناة الكاتب الليبي الذي يجهد في افتكاك إذن النشر، ثم متلهفا لرؤية مولوده الذي يخرج إلى دنياه بعمر العشر سنوات، وربما يقفز مباشرة إلى سن التقاعد بعد أن تكون جل المعلومات قد عفى عليها الزمن وأصبحت في حكم الماضي.

يسجل كتاب «حوش الحرملك» للباحثة الدكتورة مفيدة جبران الصادر عن الهيئة العامة للثقافة، نقشا توثيقيا آخر لسيرة العمارة والحرفة والمقتنى التقليدي الذي شهدته الحياة المجتمعية الليبية خلال القرون السالفة، مدونا بين دفتيه أرشيفا لملامح وشواهد البيئة الثقافية المكونة لهوية البشر والمكان.

تتوقف المؤلفة في تمهيدها للمطبوع عند تعريف للتراث في كونه مجموع التجارب الشعبية الشاملة لجميع أنواع وأنماط النشاط الإنساني بمجتمع ما والذي يستمد خاصيته من سلسلة الأعراف المتوارثة عبر الأجيال، وهو في نهايته يصب في القالب المشكل لواجهته الثقافية المعبرة عن علاقاته وأفكاره ومعتقداته.

وباعتمادها على منهج السرد التاريخي المقارن والتوصيف التحليلي المعتمد على المعاينة عن قرب، ترصد الكاتبة على وجه الخصوص أيضا الأبعاد الجمالية للصناعات التقليدية المستوحاة من الفن الإسلامي ونماذجها في الأشغال الخشبية والخزفية والنسيجية وكذا المعادن كالذهب والفضة.

ملامح وتفاصيل
في الفصل الأول الذي يتناول التاريخ والعمارة تلمح مفيدة جبران إلى الموقع والمناخ الخاص بليبيا كواجهة متوسطية، وصولا إلى عاصمتها طرابلس التي جذبت بفعل تموضعها رحلات المستكشفين والغزاة، منذ عهد الفنيقيين في القرن العاشر قبل الميلاد وتأسيسهم العديد من المراكز التجارية على الشواطئ الليبية (لبدة، صبراته، أويا)، ثم فيما بعد تحت الحكم النوميدي بحلول سنة 165 قبل الميلاد، حتى استولى عليها الرومان سنة 46 ق.م، وصولا إلى حكم الوندال سنة 456 ق.م

وتضيف المؤلفة أنه مع الفتح العربي الإسلامي سنة 643 م على يد عمرو بن العاص تم تحوير الاسم اللاتيني تريبوليس إلى طرابلس التي وصف ابن حوقل أهلها بأنهم قوم مرموقون من بين من جاورهم، بنظافة الأعراض والثياب والأحوال متميزون بالتجمل في اللباس وحسن الصور.

ويأتي ذكر عنوان الكتاب (حوش الحرملك ) بالإشارة إلى قدوم القرمانليون الذين يحتمل استقرارهم بطرابلس في النصف الثاني من القرن السادس عشر، ليشيد هذا البيت في النصف الثاني من القرن الثامن عشر في عهد علي القره مانللي أثناء توليه حكم ولاية المدينة في الفترة من العام 1754 إلى العام 1793 م كأحد قصوره بها، وأصبح في العهد العثماني الثاني مقر إقامة يوسف باشا القره مانللي إلى أن وافته المنية 1838، لينتقل البيت في عملية بيع وشراء بين عدد من التجار اليهود وبعض العائلات الأخرى حتى هجرتهم منه، وبقي البيت على حاله إلى أن قام مشروع تنظيم وإدارة المدينة القديمة طرابلس بترميم المبنى خلال الفترة من 1989إلى 1994، حيث أعيد توظيفه كمرفق ثقافي وسياحي يعرف بتاريخ المدينة والبلد.

صناعات وفنون
وتعرض الكاتبة في الفصل الثاني مبحثا حول نشأة الصناعات الحرفية التقليدية بشكل عام، والمتداولة فترة العهد القره مانللي كمظهر مادي للثقافة المنبثقة عن البيئة المحلية، وكركيزة اقتصادية تمثل العمود الفقري للمعيشة في المناطق الحضرية، منها صناعة الجرود والعباءات إلى جانب الأردية الحريرية، وصناعة الجلود التي كانت تستورد من أواسط أفريقيا وبعض المناطق المجاورة لتتحول إلى أحذية وصنادل وسروج للخيول، ولا يمكن إغفال دور مدرسة الفنون والصنائع التي خرجت العديد من الحرفيين في مختلف المجالات وساهمت كرافد تعليمي ومهني في إنعاش سوق العمل وتعزيز المهارات الفنية لخريجيها.

وبالوقوف على تفاصيل صناعة الفخار والسجاد تتوقف مفيدة جبران عند خصائص الفن الإسلامي للزخرفة بأنواعها كالهندسية المتمثلة في الدوائر المتماسة والمتحورة والخطوط المنكسرة، بالإضافة إلى زخرفة المثلثات والمربعات والنجمة الثمانية التي شكلت أساسا في زخرفة وتزيين الأبنية الدينية والقصور، وتطرقها إلى النوع النباتي للزخرفة ونماذجه في أغصان العنب وورق التين.

في الفصل الثالث تخصص المؤلفة هامشا مطعما بصور توضيحية للمقتنيات والألبسة والأدوات المعروضة بحوش الباشا ومشمولاته ابتداء بطرازه المعماري مرورا بمحتوياته التراثية، ممهورا بتعليقات تشرح وتعرف بمقتنيات حجراته، ويشمل الباب كذلك توصيفا للحلي والجواهر وأنواع وأسماء بعض الآلات الموسيقية.

كتاب «حوش الحرملك» (بوابة الوسط)
كتاب «حوش الحرملك» (بوابة الوسط)
كتاب «حوش الحرملك» (بوابة الوسط)

المزيد من بوابة الوسط