نهضة السينما السودانية تتزامن مع التحول السياسي في البلاد

من حفل افتتاح مهرجان «السودان للسينما المستقلة» في الخرطوم، 21 يناير 2020 (أ ف ب)

يجسد فيلم «ستموت في العشرين»، وهو أول عمل درامي سوداني يُعرض على منصة «نتفليكس» وأول إنتاج من هذا البلد العربي يُرشح لجوائز الأوسكار، إلى جانب أعمال أخرى، قفزة نوعية في السينما السودانية تتزامن مع التحول السياسي الحاصل في البلاد.

ويقول المصري حسام علوان، منتج أول فيلم روائي في السودان منذ عشرين سنة، لوكالة «فرانس برس» إن ترشيح الفيلم لجائزة أوسكار لأفضل فيلم أجنبي وعرضه على «نتفليكس»، «يعززان حضور السينما السودانية دوليا».

وتدور أحداث الفيلم الذي أخرجه أمجد أبوالعلاء حول شاب تقول نبوءة من أحد الدراويش الصوفيين إنه سيموت حينما يكمل عشرين عاما، فيقضي أيامه في قلق وترقب حتى يحدث ما يغير حياته تماما، إذ يلتقي مع مخرج مغامر في قريته يستعرض معه تجاربه في الحياة.

ووقعت الشركة المنتجة للعمل أخيرًا عقدًا مع شركة التوزيع السينمائي الأميركية «فيلم موفمنت» لتوزيع الفيلم وعرضه في أميركا الشمالية.

ونال الفيلم في 2019، جائزة «أسد المستقبل» من مهرجان «البندقية السينمائي الدولي»، وجائزة «نجمة مهرجان الجونة الذهبية» لمسابقة الأفلام الروائية الطويلة في مصر، وجائزة «التانيت الذهبي» من مهرجان «أيام قرطاج السينمائية» في تونس.

وتوقف النقاد خلال العام الفائت أمام عدد من الأفلام السودانية التي شقت طريقها إلى مهرجانات عربية ودولية.

ويقول الممثل والفنان التشكيلي السوداني عادل كبيدة: «الفن كان جزءا من الحراك الثوري ومهّد له».

وشهد السودان في نهاية 2018 انتفاضة شعبية دفعت بعد أشهر الجيش إلى إطاحة الرئيس عمر البشير الذي حكم البلاد على مدى 31 عاما بيد من حديد.

ويقول المخرج أمجد أبوالعلاء: «انطلقنا في العمل (في الفيلم) ونحن ندرك حاجة مجتمعنا إلى أحلامنا ونتصرف دون الشعور بعقَد فقدان الثقة والإحباط التي عانت منها الأجيال التي سبقتنا».

انقلاب أبيض
ويشير مدير مؤسسة «فيلم فاكتوري» الممثل طلال عفيفي إلى أن الحكومات التابعة لنظام البشير منذ العام 1989 «أجهضت كل مبادرات الثقافة والفنون، وعمدت إلى مناهضة قيم التنوع وحرية الرأي، عبر سعيها لتبني ما زعمت أنها سياسات الأسلمة والتعريب».

ويلاحظ عفيفي أن مضمون الأفلام التي برزت أخيرًا «كان يسعى لتأكيد مقاومته لكل الخطابات التي دعمها النظام».

ويوضح أن صعود هذا النوع من الأفلام بدأ قبل الحراك، «فبعد ظهور الصيغة الرقمية، حدث ما يشبه الانقلاب الأبيض وتم اختراق هذه السياسات ومعها الأحزمة الأمنية والقانونية التي حرّمت الفن».

وتسعى مؤسسة «سودان فيلم فاكتوري» التي تأسست في الخرطوم في 2010، لتعزيز صناعة الأفلام المستقلة في السودان وتشجيع أجيال جديدة على الاهتمام بالسينما، وتحصل على بعض الدعم من مؤسسات دولية.

ونفذت المؤسسة أكثر من ثلاثين ورشة تدريب في السيناريو والتصوير والإخراج والمونتاج والأزياء، وأنتجت أكثر من ستين فيلما روائيا ووثائقيا وتجريبيا قصيرا شارك كثير منها في مهرجانات عديدة حول العالم، في البرازيل وهولندا وكوريا الجنوبية واليابان وجنوب أفريقيا ومصر ونيجيريا.

ويقول عفيفي: «ما حدث في سينما السودان من طفرات، ليس وليد الثورة وحدها وإنما هو نتيجة لعمل دؤوب بدأ قبل اقتلاع حكم عمر البشير بسنوات».

عام السينما السودانية
وحظي فيلم «حديث عن الأشجار» للمخرج صهيب الباري، بجائزة أفضل فيلم وثائقي باختيار الجمهور، في مهرجان «برلين السينمائي الدولي» 2019.

ويتتبع جهود «نادي الفيلم السوداني» التي يقوم بها المخرجون المتقاعدون إبراهيم شداد ومنار الحلو وسليمان محمد إبراهيم والطيب مهدي، لإعادة فتح دار سينما خارجية في مدينة أم درمان لإعادة الجمهور إلى السينما.

كما حظي فيلم «الخرطوم أوفسايد» للمخرجة مروة زين باهتمام نقدي لافت. ويتحدث العمل عن مقاومة النساء لقرار رسمي بحظر مشاركتهن في مباريات كرة القدم. وفاز بجوائز أبرزها جائزة أفضل فيلم وثائقي في حفل توزيع جوائز الأكاديمية الأفريقية للأفلام الخامس عشر، وجائزة في مهرجان «أيام قرطاج السينمائية».

قفزة في الهواء
ويخشى أمجد أبوالعلاء أن يكون صعود السينما السودانية «مجرد قفزة في الهواء، لأنه تم بمجهود ذاتي، ودون أي دعم رسمي أو بنية تحتية مؤهلة».

ويشدد على أن نمو صناعة السينما السودانية في المستقبل يحتاج إلى دعم من الدولة. لكنه يستدرك: «في الوقت الحالي لا تبدو الأوضاع مهيأة لذلك، فمن الظلم أن نطالب النظام الجديد بتحمل هذا العبء في ظل اقتصاد منهار».

ويشدد علوان من جهته على حاجة السينما السودانية لدعم من النظام السياسي الجديد سواء على صعيد التشريعات أو تيسير البنية التحتية، مبديا تخوفه من عدم ذهابها بعيدا في حال عدم حصولها على هذا الدعم، إذ «إن لهفة مهرجانات العالم على عرض أفلام سودانية لن تبقى إلى الأبد».

المزيد من بوابة الوسط