مناقشة في فرنسا حول النظرة الاستشراقية لأعمال الباليه الكلاسيكي

راقصات يتدربن في مدرسة الباليه التابعة لأوبرا باريس في نانتير إحدى ضواحي باريس، 21 مارس 2001 (أ ف ب)

تستعد دار أوبرا باريس لبدء نقاش حول النظرة الاستشراقية والكليشيهات في أعمال الباليه الكلاسيكي التي تعود إلى القرن التاسع عشر، وهي عملية دقيقة ما بين ضرورة الحفاظ على التراث وأخذ تطور العقليات في الاعتبار، من دون الوصول إلى «ثقافة الإلغاء».

فبعد بضعة أشهر من بيان غير مسبوق عن التنوع العرقي في دار الأوبرا أصدره راقصون وموظفون سود ومختلطو الأعراق في المؤسسة، سُلطت الأضواء على مسألة أعمال الباليه التاريخية بعدما صرح المدير العام الجديد للأوبرا ألكسندر نيف في جريدة «لوموند» في نهاية ديسمبر، بأن «بعض الأعمال ستختفي بلا شك من السجل»، وجاء كلامه مباشرة بعد فقرة تشير إلى أعمال شهيرة مثل «بحيرة البجع» و«كسارة البندق»، وفق «فرانس برس».

وسرعان ما ثارت ثائرة شبكات التواصل الاجتماعي واليمين المتطرف بلسان رئيسة حزب «الجبهة الوطنية»، مارين لوبن، التي رأت أن «مناهضة العنصرية أصبحت مجنونة».

وسارعت الأوبرا إلى النفي، مشيرة إلى أن «تلاصقًا مؤسفًا» حصل بين كلام المدير العام والفقرة المذكورة.

أثر من الماضي
وطال هذا الجدل مسائل أخرى في السنوات السابقة. وطرحت جريدة «نيويورك تايمز» مثلًا سؤالًا عما إذا كان يجوز الاستمرار في عرض لوحات الرسام الفرنسي بول غوغان لكونه مارس الجنس مع فتيات صغيرات جدًّا، كذلك حصل جدل حين تم تعديل عنوان رواية أغاثا كريستي الشهيرة «عشرة زنوج صغار» بالفرنسية إلى «كانوا عشرة»، أما شبكة «إتش بي أو ماكس» فسحبت موقتًا فيلم «ذهب مع الريح» لإضافة شرح لسياقه، تأثرًا بحركة «حياة السود مهمة».

وفي وقت اشتهرت دور الباليه الأكاديمية في القرن التاسع عشر بتصميمها الرائع للرقصات، فهي معروفة أيضًا بعدم دقتها في تمثيل الثقافات غير الأوروبية.

وشرحت مؤرخة الرقص سيلفي جاك ميوش، لوكالة «فرانس برس»، أن «المسألة تتعلق باهتمام الغرب بالثقافات الغريبة عنه»، وهو أمر كان رائجًا جدًّا في القرن التاسع عشر في أنواع الفنون كافة، مستشهدة بلوحات الرسام الفرنسي أوجين ديلاكروا كمثال.

وفي السنوات الخمس الأخيرة، تخلت دار الأوبرا عما يعرف بـ«بلاكفيس»، أي تلوين وجوه ممثلين أو راقصين بيض باللون الأسود لأداء دور شخصيات من ذوي البشرة الداكنة.

أما تصفيف الشعر المجعد وحصول الراقصين والراقصات السود على جوارب طويلة وأحذية باليه تناسب لون بشرتهم، وكل ما يتعلق بالتنوع العرقي في المؤسسة، فمسائل يمكن العمل على معالجتها مع الوقت، لكن مسألة الأعمال التاريخية تبدو أكثر تعقيدًا.

في «لا بايادير» (راقصة المعبد) يظهر الزاهدون الهندوس على أنهم خانعون بينما هم موضع احترام في الهند، وفي «ريموندا»، يظهر دور زعيم السراسنة (الاسم الذي كان يطلق على العرب) على أنها شخصية سوداوية.

ومن المتوقع أن يقدّم المؤرخ باب ندياي والأمينة العامة لهيئة «المدافع عن الحقوق» المستقلة كونستانس ريفيير قريبًا إلى دار الأوبرا تقريرًا يتناول كل هذه المواضيع بما فيها الصور النمطية.

وأوضحت سيلفي جاك ميوش أن أعمال الباليه التاريخية أعيد تصميمها مرات عدة عبر العالم (في أوبرا باريس، معظمها للراقص السوفياتي الشهير رودولف نورييف)، وذلك يعود «إلى أن الأجساد تغيرت وكذلك التقنية».

ولكن ماذا عن العقليات؟ أشارت ميوش إلى أن هذه الأعمال «أثر لماضٍ موجود».

ورأت أن الأعمال الكلاسيكية يمكن أن تتعايش مع تلك المستوحاة منها، التي تتناول عالم اليوم، معطية أمثلة على ذلك، منها «جيزيل» للبريطاني أكرم خان و«كوبيليا» لجان كريستوف مايو أو «بحيرة البجع» لماثيو بورن التي تضم راقصين ذكورًا حصرًا.

صياغة جديدة
ويؤكد النجم السابق في «أوبرا باريس»، قادر بلعربي وهو حاليًا مدير باليه الكابيتول في مدينة تولوز أن «أي عمل يمكن أن يعاد صوغه في سياق مختلف».

وبعدما أعاد النظر في عدد من الأعمال، بينها «لو كورسير» أو «القرصان» (يعود إلى العام 1856 في باريس)، دعا بلعربي إلى «إعادة قراءة متعمقة» للأعمال الكلاسيكية، من دون «فقدان الذاكرة».

وأضاف: «لا يمكننا إدانة ماضٍ، ولكن يجب ألا نبقى متعلقين بشخصيات أقرب إلى كليشيهات عفا عليها الزمن».

المزيد من بوابة الوسط