الواقعية وفن التشكيل الليبي

من مبدعي ليبيا

المدرسة الواقعية والفن التشكيلي 

كان وراء هذه السلسلة التي شرعنا في نشرها، منذ حوالي شهرين، هدف محدد، هو تناول فن التشكيل الليبي ومحاولة إبراز ونشر الجيد منه، وهو في تقديري كثير وجيد ويستحق أن نطرق من أجله أبواب العالم.

كُنت قد برمجتُ خريطة عملي بتقديم مدرسة أو اثنتين من الفن التشكيلي الحديث، ومن بعدها الانطلاق، نحو الفن الليبي منه. وكان يفترض أن أستهل بالمدرسية الواقعية قبل أن أتناول المدارس الثلاث: الانطباعية، والسريالية، وفن البوب باعتبار أنها الأكثر حداثة، وأنها لا تتناول جوانب دينية عقائدية، يصعب تفسيرها وفهمها، كمدرسة الفن الكلاسيكي، ولكنني لم أتطرق إلى المدرسة الواقعية لاعتقادي ارتباطها الوثيق بالمدرسة الكلاسيكية، ولكنني كنت مخطئا.

وكنت قد قررت أن أستهل الفن الليبي بأولئك الذين رحلوا مبكرا، كالمرحوم محمد عبدالهادي أستيته، وفؤاد الكعبازي وحسين ديهوم، ثم مرعي التليسي، أما الاستهلال سيكون بالفنانين عوض عبيده، وفؤاد الكعبازي، لأنني سبق وأن أعددت عنهما نبذتين من قبل. وما أن بدأت في انتقاء بعض من أعمالهما، حتى انتبهت أنهما لم يتأثرا بأي من المدارس التشكيلية الثلاث التي نشرناها، لأننا بدأنا بالمدرسة الانطباعية، معتقدا أن الأستاذ الفنان محمد أستيته، من هذه المدرسة.

تربطني علاقة قديمة بالأستاذ محمد أستيته، فلقد عينت موظفا صغيرا بنظارة الأشغال سنة 1958 وكان حينها الأستاذ استيته مراقب الإدارة، ولقد أولاني رعايته، وتوجيهه، وتشجيعي على مواصلة دراستي، وأصبحنا أصدقاء، ولم أعرف أبدا أنه تشكيلي وأنه درس هذا الفن، إلاّ بعد أن أسس المرسم التشكيلي بمبنى إدارة الجامعة كلية الاقتصاد في شارع الاستقلال، وحينها تتلمذ على يديه العديد من الفنانين الشباب منهم الراحل حسين ديهوم، الذي كنتُ معجبا بلوحاته، بل وانتقيت إحدى لوحاته غلاف لكتابي «أقاصيص قورنية». أما معرفتي لإمكانيات محمد استيته، فعرفتها بلوحة جميلة كانت مناسبة جدا لتكون غلافا لروايتي «ليلة عرس الجمل»، ولأن اللوحة رسمت الجمل بألوان زاهية متباينة أعتبرتها سريالية، في حين أنه ليست كذلك. واستأذنت الفنان علي العباني في لوحة أعتبرها رمزية لروايتي تمر سيوه ولبن قرقارش.

أما الفنان حسين ديهوم فلقد كان تشكيل لوحاته ممتلئا بالرموز مما لا يجعلنا نبعده عن السريالية، إلاّ أن ألوانه وإضاءتها وإيحاءها قد تجعله قريبا جدا من الأعمال الرمزية، التي تتضمنها، بحسب علمي، السريالية، أما علاقتي بالفنان محمود الحاسي فقد قدمه لي صديقي خليفة الفاخري، وأخذت بالكثير من أعماله التي قد تعتبر رمزية، ولكنه اتجه منذ فترة نحو الواقعية من خلال بورتريهات أجاد رسمها. والفن بديع وباتساع عيون البشر ورؤيتهم ثم كيف يفسرها العقل، ففي تقديري ليس بالإمكان تأطيرها وحصرها في مدارس محددة.

ولكن أعمال الفنان عوض أعبيده، والفنان عبدالرزاق الرياني تعتبر من المدرسة الواقعية، وهي التي ظهرت من بعد الفن الكلاسيكي، وهي التي تقدم الصورة على واقعها وحقيقتها من دون خيال، وأن اعتمادها كله على المنطق الموضوعي. ولكن الأمر يختلف  مع مع عدد من لوحات الفنان عادل جربوع ، منها ما  أطلقت عليها من عندي عنوانا سميته: «أمان يا لا للّي» وجعلتها لغلاف راويتي الكراكوز التي تتناول جوانب مزعجة من التاريخ العثماني، أما تنوع أعماله يجعلنا نقول إن موهبته تناولت أساليب عدد من المدارس.

ونحن مثلما ذكرت نحتاج إلى العودة إلى الواقعية باعتبار أنها بدايات تسلسل الفن التشكيلي، ولذلك سنقدم في هذه الحلقة بعض لوحات فناني المدرسة الواقعية ومنهم: (رامبرانت الهولندي)، و(جون سارغنت)، و(يوهانس فرمير)، الذي كتب عنه الأديب الفرنسي (كوستاف فلوبير) قائلا: «إن أعمال (فرمير) تبلغ ذروة الفن، وإن كان هذا المدى لا يثير الضحك، أو البكاء، أو تفجر الغضب والانفعال، وإنما تؤدي ما تؤديه الطبيعة ذاتها ألاّ وهو استثارة الأحلام أو استحضارها، وأعماله التي تركها من بورتريهات ومشاهد من المدينة، فإنها تبرز نظرة الفنان العميقة التي تميز بها (فرمير) واهتمامه بالطبيعة الجامدة، ووظف موهبته في التعامل مع التأثيرات الضوئية وفي إبراز التفاصيل الصغيرة وفوق ذلك سيطرته الكاملة على الألوان..». أليس ما قيل على عن «يوهانس فرمير» ينطبق على الفنان عوض عبيده؟ وتأسيسا على ما ذكرت كان لابد من تقديم نبذة عن الرسم الواقعي:

إنه من الفنون التي صاحبت بزوغ النهضة الأوروبية، وانحسار الفن المسيحي الذي انتشر في القرون الوسطى. لم يعد الفنان جزءا من كل محكوم بضوابط مرتبطة بالدرجة الأولى بتاريخ المسيحية، بل أصبح الفنان متباهيا بموهبته وتفرده، وقد يؤخذ على هذه الحرية التي تمتع بها أن فنه أصبح في خدمة الطبقة البرجوازية، وأصبحت كذلك منذ القرن السادس عشر مرتبطا بالعائلات والأسر الحاكمة، القادرة على دفع التكاليف، وظل الأمر كذلك حتى اندلاع الثورة الفرنسية، وسقوط الباستيل سنة 1789.

منذ مطلع القرن التاسع عشر ظهر عدد من المذاهب، من بينها الحركة (الرومانتية) التي انتشرت بسرعة مذهلة في ميدان التصوير في البلاد الأوروبية التي قل فيها نفوذ الفن الكلاسيكي، ويعد من روادها في أوروبا الفنانان الأميركيان «بنيامين ويست» و«جون كوبلي»، والألماني «دورير»، والإسباني «فرنشسكو جويا».

وسريعا ما انتشرت بعد الحركة (الرومانتية)، المدرسة الواقعية التي نادت بضرورة إبراز الفنان ما يريد إيصاله إلى المتلقي بأسلوب يبرز الواقع كما هو. فالمدرسة الواقعية صورت الحياة اليومية بصدق وأمانة، من دون تدخل من الفنان في الموضوع، بل يتجرد من قناعته وينقله كما هو. فالفنان الواقعي يصور الأشياء الواقعية القائمة في الوجود خارج الإنسان، وأن يلتزم في هذا التصوير بالموضوعية وتنتفي الذاتية، وأن يكون موضوعة من واقع الحياة اليومية.

ولعل الفنان كوربيه أبرز رواد هذه المدرسة، وهو الذي ولد فى قرية (اورنانز) القريبة من الحدود السويسرية من عائلة ريفية متيسرة الحال، ولما أرسله والده لدراسة القانون في باريس عام 1841 رفض كوربيه الاستمرار في الدراسة لميله إلى الفنون فبدأ يتعلم الرسم في مدرستين للفنون، إلا أنه تمرد على التعليم الأكاديمي مفضلا التدرب على تقليد الفنانين العظام الموجودة صورهم في اللوفر وخاصة (فلاسكيز) و(رمبرانت) اللذين كان يفضلهما (كوربيه) القادم من الريف الفرنسي فبدأ حياته بتصوير الطبقات الغنية، ثم صار من الحركة (الرومانتية)، ولكنه تركها قائلا: «إنه لا يستطيع أن يرسم ملاكا لأنه لم يشاهده من قبل! ثم اقتنع سنة 1848 أن الواقعية هي الطريق السليم لنشر الفنون النافعة، وأصبح من أهم أعلامها، مصورا العديد من اللوحات التي تعكس الواقع الاجتماعي في عصره، تعد لوحة (الجنازة) أشهر أعماله، إذ صور في الجنازة كلب المتوفي، وكأنه يحس بالحزن، وقد وقف مع المشيعين وكأنه يشيع صاحبه، فالصورة تعكس واقعية صادقة لذلك المشهد. أما (جان فرانسوا ميليه) فهو فنان من أفراد الطبقة العاملة، كان يقيم في ريف فرنسا، ومن أقواله: «إن مواضيع الفلاحين تناسب طبيعتي بشكل أفضل، فالجانب الإنساني هو ما يلمسني أكثر في الفن».

وكذلك يعد الفنان (كارفاجيو) فنانا واقعيا، والجدير بالذكر أنه إيطالي الجنسية، ظهر في القرن السادس عشر، في فترة سابقة لعصر (كوربيه)، ومن أشهر لوحاته (العشاء) ويشاهد بها مجموعة من الأشخاص، وقد امتاز أسلوبه بتوزيع الإضاءة الصناعية.

عاصر (كوربيه) المصورين (كورو) و(مييه ) و(درومييه) و( بيتون ) واشترك معهم في تجنب الموضوعات المقتبسة من التاريخ والتوجه نحو موضوعات الطبيعة، والحياة اليومية الواقعية، المحيطة بهم، وبالرغم من أنهم اشتركوا في الاهتمام بموضوعات الطبيعة، إلا أننا نلاحظ أن (كورو) كان (رومانتيكيا) أما (مييه) فكان شاعريا مثاليا، أما كلمة (طبيعي) فنجد أنها تنطبق أكثر على (كوربيه) الذى جلبت عليه واقعيته وصراحته وجرأته سخط جمهور الفن في تلك الفترة.

 

 

 

 

الفنان عوض عبيده
الفنان فؤاد الكعبازي
الفنان محمد عبد الهادي أستيته
الفنان على الزويك
الفنان حسين ديهوم
الفان على العباني
الفنانة سعاد أحمد اللبة
الفنان عمر جهان
الفنان مرعي التليسي
الفنان رمضان البكشيشي
الفنان عبدالرزاق الرياني
الفنان عادل جربوع
الفنان عبد القادر بدر
الفنان محمود الحاسي
من لوحات رمضان البكشيشي
من بورتريهات محمود الحاسي
من لوحات على العباني
من لوحات عبدالقادر بدر
من لوحات عمر جهان
من لوحات محمد ستيته
من اعمال سعاد
من لوحات عادل جربوع
من لوحات حسين ديهوم
من لوحات محمود الحاسي
من لوحات على العباني
لوحة من لوحات الفنان على الزويك
من لوحات محمد استيته

المزيد من بوابة الوسط