محمد الدنقلي: المحكية ليست دينا ولست موظفا لديها

عبد السلام الفقهي (يمين) يحاور الشاعر محمد الدنقلي (بوابة الوسط)

برز الشعر المحكي في المشهد الثقافي الليبي كصورة شاغلت مفرداتها بنية القصيدة في نسقها السالف، ووضعت الأخيرة بذلك أسئلتها مستوضحة هذا اللون في لغته وموسيقاه وأفكاره، وكذا الملامح التي يمكن رؤيتها لفهم روح الفلسفة التي يقوم عليها.

ولمعرفة كنه تلك الأبعاد ومدلولاتها خصوصًا بعد مرور قرابة ربع قرن على هذه التجربة، كان اللقاء مع أحد روادها الشاعر محمد الدنقلي، في حوار أجرته «بوابة الوسط»على النحو التالي:

ما الشرط التنويري الذي تنهض عليه فلسفة المحكية؟
الشعر المحكي لا ينشغل بالتنوير أو الحداثة ولا حتى التغيير، هو وليد معطيات معينة توافرت فظهر كنتاج لها، كينونة متحركة كأي مدرسة أو اتجاه أدبي، ولا تهدف إلى مصادرة أي مشهد فكري يأتي بعدها؟

ما الرموز الشعرية التي أثرت أو تأثرت بها تلك الولادة؟
وُلدت المحكية في عدد من البلدان العربية كمصر وسورية ولبنان... إلخ، وجاء ظهورها سابقًا لمشهدها الليبي، هذا التأطير يعطيها أحقية الريادة، لكن في المقابل برزت منذ السبعينات بليبيا نصوص تنبئ بقصيدة قادمة، وتطرق بعض الكتاب والنقاد في مقالاتهم إلى حاجة المشهد الشعري إلى رؤية تجديدية، كما بين ذلك الدكتور علي برهانة في مقدمة كتابه ديوان الشعر الشعبي، أيضًا للشاعر علي عبد اللطيف نص «كوشة الصفار» كتب في نهاية الستينات ضمن ديوان «دمعة الحادي» يتبنى ذات الإيقاع والأسلوب والتقنية التي يقوم عليها الشعر المحكي، وكذا الشاعر عبد الرزاق الماعزي الذي قطع شوطًا طويلًا في هذا الاتجاه.

وجودكم كمجموعة.. هل كان ضروريًّا لولادة القصيدة المحكية؟
النشاط الثقافي بطبيعته جماعي، ولتصبح مذهبًا أو مدرسة، وتنجز مشروعها لا بديل لها عن ذلك، وقد وجدنا أنفسنا نحن شعراء المحكية ندون ذات الرؤيا رغم اختلاف نصوصنا في التقنية اللغوية وكذا خلفياتنا الجغرافية، لكننا ننصهر في بوتقة المحكية، التي عبرت عن لغة الليبيين جميعًا لذلك تحول هذا القوس إلى ظاهرة، ولو حلق كل منا وحده لما تحقق لنا هذا النجاح.

هناك أيضًا من كتبوا النص المحكي لكنهم لم يستمروا؟
ذلك متعلق بمسألة القضية أو الهاجس، فهناك من مجايلنا من كتب المحكية كالشاعرة بدرية الأشهب ومحمد التميمي، أحمد جلنقه، وأسماء أخرى لم تعلن عن نفسها، كمحيى الدين المحجوب، وجلال عثمان وغيرهما، هؤلاء دونت إسهامات لهم، لكنها لم تمثل لهم مشروعًا.

هل نستطيع القول إذًا إن المحكية أصبحت مدرسة؟
نعم، القصيدة المحكية وضعت أقدامها بثبات وكتب عنها النقاد وبلغت من مسيرتها الزمنية ربع قرن، وتكاد تصبح من التراث.

رأينا ولادة أصوات شعرية شابة ، لم يكن للمحكية نصيب منها؟
يبدو أن المحكية بدأت كبيرة، بشباب لهم إدراك عميق بالأجناس الأدبية وفهم ثقافي واسع، يكتبون في النثر والفصيح والتفعيلة، واختاروا الاتجاه لهذا اللون لاعتبارات ليست أدبية كما ذكرت، منها الحاجة لفهم عصري بشكل آخر، وربما لكونها أكبر من قدراتنا ومثلت لنا مفاجأة باعتبارها فورة شعرية تنهض على ركام كبيرمن الشعرالشعبي له امتداداته وأنساقه الثقافية المتجذرة في الذاكرة، إذ كيف تستطيع القفز على هذا الكيان الذي لازال ممتلكًا ناصية القافية منذ سيدي قنانة في القرن الثامن عشر وحتى هذه اللحظة، والسبب الآخر صعوبتها الناتج من تعدد أصواتها الممثلة للفسيفساء الليبية، التي دشنها النص التأسيسي «أبصر كيف» الذي أقول فيه: «نريد لوغة بلا لوغة بلاصوت»، وكذا هي معنية بإيصال رسالتها إلى البلدان الأخرى، وهو تحدٍ يفرض عليها لغة معينة وأسلوبًا خاصًا يشبه السهل الممتنع، لذلك الشباب عندما يقرؤون النص يستسهلونه، والعكس إذا ما أرادوا كتابته،علاوة على تعليل يربطنا بقراءاتهم وتأثير الإعلام عليهم.

هناك من يقول إن الدنقلي دوَّن عصارته في ديوانيه الأول أو الثاني ثم دخل في التكرار؟
طرحت سؤالًا ذات مرة وهو: لماذا لا يعتزل الأديب أو المبدع؟ أصدرت أربعة دواوين واكتفيت. أنا لست موظفًا عند المحكية ولا الشعب لأطالب بالاستمرار أو التوقف أو التجديد، ثم إن أي مشروع ثقافي حداثوي لايحتمل الكذب، لذا أرى وجوب التوقف إذا أحسست بضرورة ذلك.

هل يمكن تطوير النص؟
بالطبع، فهو ليس دينًا سماويًّا، وجدت في محطة عمرية ما أنني قادر على إيصال ما بداخلي من خلاله، ولو تمكنت من تلقف رؤيا أخرى لفعلت.

إشارتك للمشهدية في نصك.. هل تعد الفارق الأساسي في تميزه عن غيره؟
أنت تقصد الإشارة التي ألمح لها الشاعر رامز النويصري في حديث خاص؟ نعم، أنا أتفق مع النقاد في كون النص الحداثوي هو قصيدة الصورة، والمعنى المشهد الذي يتضمن مجموعة مركبة من الصور تتحرك مع بعضها البعض، وبأصوات متعددة، ومن ضمنها المتلقي الذي يتكلم أحيانًا، مثلًا أقول في نص «أول صبح في عمري / نحسه جايني بروحي / صباح الخير يا.. / صباح النور ياعيني» وهو أسلوب موجود في الرواية، في نص آخر أيضًا «قلتي ألو قتلك نعم» وهكذا فالمشهدية هي البنية الطابعة في الشكل العام للنص، بينما في القصيدة الشعبية وحتى في شعر امرؤ القيس وعمرو بن ربيعة عبارة عن تقرير يكاد يكون مباشرًا من وجهة نظر الراوي أو الشاعر.

الانثى حاضرة بقوة، لكنها تبدو مقيدة، وإذا سمح الشعر الشعبي لها أن ترد ففي نصوصك يمضي الوصف مغايرًا؟
أنا أتحفظ على كلمة وصف وهي تهمة أتبرأ منها، ووجودي داخلي في العمق لا السطح، ويجب الإشارة إلى أن الحياة برمتها أنثى، كما أن كل الأشياء المانحة مؤنثة، فالوطن اسمه بلاد، لذلك لا أتكلم عن المرأة في صورتها البشرية بل في رمزيتها كمصدر للخصوبة، مثل الأرض، لدرجة أنني لا أطالبها بالرد، ففي قصائدي أخاطب الوطن في صورة امرأة كما في ديوان «أبصر كيف»، قائلًا: «شوفي صوابعك يدك / هذا أنا وأنت وهذيم هم جيرانا سكان ها الوطن الكبير /شوفي لراحة يدك / هذي سما لسحاب مطير / كل الحكايا أن الوطن محفور في طياتها» أنا هنا أخاطب الوطن.

الشعر المحكي يذهب إلى العموميات ويهمش التفاصيل بعكس الشعرالشعبي؟
الشعراء القدامى في العمودي والشعبي يصفون المرأة بشكل تشريحي، إذ ما علاقتك بشعر المرأة وحجم عينيها وتضاريس جسدها، علاقتك يجب أن تتجه بتأثيرها عليك بعكس المحكي الذي يلجأ لملامسة الإحساس بالتهويم والإشارة، ولا يستخدم الجسد إلا كبوابة للدخول إلى فضاء الإيحاء، ذلك فإن الحياة لست لغة كلام فقط، بل مجموعة رموز تتداخل فيها الإيماءة والإحساس، وهو مضمون صراعي في الشعرالمحكي من خلال سؤال جوهري، كيف أقول القصيدة في كلمة واحدة؟

الشحنة الرومانسية في قصائدك تجعل الواقعي في خانة المستحيل، نريد الإنثى في الشارع؟
لن تجدها في الشارع، مهمتي هي وصف سلوكها وجمالها الداخلي، لكي تكتمل صورتها في خيالك، وعلى وقع آخر ستجد بعضًا من ملامحها أمامك، هي نتاج نماذج مختلفة لحواء، بطقس سماوي، يغريك النظر إليها وتأمل تفاصيلها وفق أحاسيسك الخاصة.

في بعض النصوص نجد فراغًا يتحدى الامتلاء.. مَن المستهدف في هذا الفراغ؟
هي شبيهة بإكمال الفراغات في الأسئلة، عندما أقول «صباح الخيريا..» لأريد تسمية صديقتي، لأنني سأقطع على المتلقي أحقيته في المشاركة وكتابة اسم محبوبته أو صديقته، وهو ما يرجعنا إلى حديثنا السابق في كون المحكية نتاج عدة أصوات فجميع قصائدي كتبت بأصوات الآخرين، مثلًا عندما أقول «إيش قلتي / ياح..» لا أرغب في إكمال الكلمة، نحن إذًا أمام تقنيات مسرحية، أو كما ذكر أحد النقاد المغاربة بأنه مكر شعري ونصب فخاخ للمتلقي للبوح والمشاركة في التفاصيل الركحية.

تفر من الصحراء كمكون فيزيائي إلى الصحراء بلغة المسافات في نصوصك؟
إذا قصدت أن مجيئ إلى البحر هو هروب من الصحراء، ذلك يجافي الحقيقة، الروائي إبراهيم الكوني مثلًا يزداد انغراسًا في الصحراء كلما ابتعد.

أقصد رؤيا أخرى للصحراء عبر اللغة؟
خروجي من الصحراء جاء لرغبتي في رؤيتها من بعد، عشت داخلها بالقدر الذي جعلني ألقبها بالفيلسوف، وربما ازدادت معرفتي بها في مقاربتها مع البحر، كلاهما أعبر منه للآخر، البحر ينقلني للصحراء والعكس.

ما الزمن في قاموس الدنقلي؟
أحدهم يقول إن العبارة عندما تقال تغترب، وبذا فما أقوله لا يترجم كل تفكيري، وما كتبته يعد في حكم الماضي، فمن يبحث عن محمد الدنقلي في دواوينه الأربعة هو يبحث عن متحف أو شيء قديم، أنا أتقصى وجهة أخرى، يرتهن بروزها بالتجديد وإذا فشلت فسيكون السكوت هو الخيار الأخير.

ما تصورك المستقبلي للقصيدة المحكية؟
التصور موجود عند الجيل القادم، بل أكاد أطلب منهم أن يقتلوني فيهم، أو يعدمونا شعريًّا نحن شعراء المحكية لكي يكتبوا نصهم.

عبد السلام الفقهي (يمين) يحاور الشاعر محمد الدنقلي (بوابة الوسط)

المزيد من بوابة الوسط