صلاح غيث.. نثر الحياة ولغة الجسد المتمرد

الفنان صلاح غيث (بوابة الوسط)

ينفذ الفنان صلاح غيث، في قرابة الخمس عشرة لوحة، إلى جوهر الرسو القار في عمق الروح الضاجة بالملل، وهي تتوق لاحتضان ضوء الشمس، متخذة من لغة الجسد عنواناً لهذا التشوف.

بالجلوس، النوم، والاستلقاء، أو مهاتفة الأصدقاء، وحتى الصمت، يواجه الشاب في حيزه المحدود طقساً غير اعتيادي، إذ الإيحاء الزنزاني يلقي بظلال قاتمة من العزلة الإجبارية، يجتمع فيها الوجوم والتأمل في حوار داخلي ينفتح على رؤية تتطور في مشاركة ثنائية تلطيفاً لهذا القلق الذي لا نرى أفقاً واضحاً لنهاياته.

الجسد يقدم أشكالاً مختلفة من الحركة، متمرداً على السكون، مشاكساً «استاتيكية» المجال، إذ سيصبحان معاً وبمرور الوقت ظفيراً واحداً في قاموس الثابت والمتغير، يبقى الأول في جموده الأبدي، فيما ينحو الثاني إلى سلم من الاتكاءات المتجهة لرسم شكل بانورامي للفوار النفسي المهووس بأثير الحياة في ركنها الآخر، وهو هسيس لروح تفيض انجذاباً للتحليق خارج الفضاء الموميائي.

لا يبدو الشاب مستسلماً كلياً للثبات الفيزيائي، وإن بدى في هيئته استرخاء يقنع بحالته الظرفية، لكنه في المقابل يخفي شحنات نفسية هائلة من الوثوب، يؤثثها تحبير خيالي من الأفكار والصور ومفازات من أضمومة أشواق منحوتة في سيناريو مستقبلي لسفر الخروج.

طالع: طه الجواشي.. رؤيا في تواقيع سفر الذاكرة

وبتخطيط مباشر لقلم الرصاص يستجيب صلاح غيث لموجة من الإحاسيس المنصهرة في داخله لإبراقها بعفوية شغف طفولي يجسد غريزة التفاعل البشري بين ذاته والآخر، ويسري في هذا الانبعاث الوجودي المتواصل في ومضاته، خدر لنص ينسج مفارش لقواه الناعمة الكامنة في تفاصيله ملاحقاً في عنفوان برئ مدارج اشتقاقات أخرى للتمرد وتموضعات الروح الحائرة.

نثر الحياة
على وقع سابق ضمن الفنان، ولازال، في سرده اللوني علامات دالة لعوالم الطقس الحياتي في الساحل والصحراء، إذ يدون في الفضاء الجنوبي وعلى مشارف البحر، النمط التقليدي للتفاعل البشري وكذا ملامحه المميزة في الوجوه والإيقاع العفوي في استجاباتها السيسيولوجية لمواقف مختلفة في محطات سيرها الحياتي العام، وكذا مظاهر مختارة لجماليات النقش التراثي لتلك الفضاءات.

وباقترابه في ترصيع بورتريهي من حدود الارتسامات النفسية للوجوه يحاول في خط موازٍ وعبر الألوان إدخال المتلقي في دائرة البعد الجغرافي لها وتوظيف فني يمزج المكان بثقافته، مطعماً بمسحة زخرفية مشدودة لكثافة من صبغة قزحية تفيض حرارة وحيوية.

عبر جمال المهاري، أو قوارب الصيد وربما في ركن من زوايا البيت الغدامسي أو أصداء صخب سوق القزدارة بالمدينة القديمة، يمضي الفنان إلى عقد صلة تاريخية تسبر كوامن الالتقاء بين مجتمعات قلب الشمس ورئة السحاب ونظمها في رسم فسيفسائي جامع يعنونه «نثر الحياة»، وهو بقدر ما يظهر الخصوصية الثقافية للإنسان في مواطن تفاعله يقدم في إطلالة مقابلة الملمح الشامل لهذه المكونات مع أطرافها الأخرى من المجاميع البشرية وهي تنشد في عزف مشترك لحن الوجود.

من أعمال الفنان صلاح غيث (بوابة الوسط)
من أعمال الفنان صلاح غيث (بوابة الوسط)
من أعمال الفنان صلاح غيث (بوابة الوسط)
من أعمال الفنان صلاح غيث (بوابة الوسط)
من أعمال الفنان صلاح غيث (بوابة الوسط)
من أعمال الفنان صلاح غيث (بوابة الوسط)
من أعمال الفنان صلاح غيث (بوابة الوسط)