الهادي البكوش يكتب: الدراما العربية والقضية الفلسطينية

الهادي البكوش (الإنترنت)

تناولت الدراما العربية القضية الفلسطينية بعدة أعمال، منها السينمائية وأخرى تلفزيونية، وبالتحديد عن الفترة منذ سنة 1917 بداية الانتداب البريطاني إلى سنة 1967 العام الذي يعرف بعام النكسة.

نذكر من هذه الأعمال «التغريبة الفلسطينية» ومسلسل «الاجتياح» ومسلسل «أنا القدس» ومسلسل «الأغراب» ومسلسل «الروح» ومسلسل «الفدائي» بجزءيه الأول والثاني.

والعديد من الأفلام السينمائية كذلك تناولت القضية الفلسطينية، ومن بينها أعمال سطحية تجارية وأخرى جادة ومتقنة استطاعت أن تبرز الواقع المرير للشعب الفلسطيني، وأن تقوم هذه الأعمال بإنارة ما خفي وتم طمسه لهذه القضية، وتوضح كيفية ضياع أرض فلسطين وما نتج عنها من تشريد وتهجير لشعب فلسطين، وكيفية ضياع المدن الفلسطينية المدينة تلو الأخرى، وكيفية استيلاء اليهود على الأراضي الفلسطينية من قبل أصحابها الأصليين الفلسطينيين، ودور الجيوش العربية والجامعة العربية أثناء قرار التقسيم وانتهاء الانتداب البريطاني وتسليمها لليهود.

التغريبة الفلسطيني
كل الأعمال أو أغلبها التي أنتجت عن القضية الفلسطينية والجاد من هذه الأعمال، جسد أغلب الأحداث من بداية الانتداب إلى عام النكسة، أي في فترة نصف قرن.

وأخص هنا مسلسلين لفتا نظري «التغريبة الفلسطينية» 2004 للكاتب الكبير دكتور وليد سيف وإخراج حاتم علي، إنتاج شركة سوريا الدولية للإنتاج الفني، و«أنا القدس» 2010 تأليف باسل الخطيب وتليد الخطيب وإخراج باسل الخطيب، إنتاج مصري - سوري مشترك، منتج محمد فوزي ومنتج وائل عبدالله، وهذان المسلسلان بالذات تناولا القضية الفلسطينية وبأدق التفاصيل من خلال رؤيتين لكل منهما شكلها الخاص.

عندما نتكلم عن «التغريبة الفلسطينية» نجد أن الكاتب اعتمد على الجانب الاجتماعي والأسري بالدرجة الأولى، ومن خلال أسرة بقرية بالريف الفلسطيني استطاع الدكتور وليد سيف أن يصور لنا هذه الأسرة وحالتها الاجتماعية وكيفية معيشتها داخل قرية سكانها من الفلاحين، كل همهم أن يعيشوا بسلام آمنين هم وأبناؤهم.

يصور لنا الكاتب أولا علاقة أبناء القرية بعضهم ببعض، وعلاقة البسطاء منهم مع الملاك وأصحاب الكلمة بهذه القرية، ثم يصور لنا المعاناة التي تصاحب الفلاح البسيط في محاولته لتعليم أبنائه، وإصراره أحيانا أن يقوم بتعليم ابن واحد من أبنائه ويحرم البقية بسبب عدم قدرته على مصاريف التعليم. وتتسارع الأحداث حتى يدخل الإنجليز هذه القرية بعد مقاومة عنيفة من أبنائها، ولقلة السلاح والإمكانات يستشهد العديد من أبناء القرية، ويدخل الإنجليز القرية ويمحونها، بعد أن يهجروا نساءها وأطفالها وشيوخها.

وكذلك يصور لنا الكاتب تلك المعاناة التي يلاقيها الفلسطينيون أثناء تهجيرهم وكيفية إقامة المخيمات من قبل الأمم المتحدة.

إنها ملحمة كبيرة استطاع الكاتب أن يسلط عليها الضوء وبكل دقة، فكان العمل من خلال هذه الأسرة البسيطة نتعرف إلى واقع المهجرين ومعاناتهم وكل حلمهم هو العودة لحياتهم البسيطة في قريتهم الفقيرة. وتتوالى الأحداث من خلال الثورات في ربوع فلسطين من «عزالدين القسام إلى عبدالقادر الحسيني»، ومن خلال قرار التقسيم وإنهاء الانتداب البريطاني والأمل المعقود على الجيوش العربية ونكسة 67، كل هذه الأحداث نتتبعها من خلال هذه الأسرة، التي تمثل صورة عن بقية الشعب الفلسطيني ومن خلال الجانب الاجتماعي وما أثر فيه من أحداث سياسية.

أنا القدس
بينما في مسلسل «أنا القدس» نرى الكاتب يسلط الضوء على الواقع الفلسطيني بطريقة مغايرة، ففي مسلسل «أنا القدس» حاول الكاتب والمخرج أن يصنف لنا الأحداث مؤرخة من الناحية السياسية، حيث يبتدئ المسلسل بسنة 1917 تاريخ دخول الإنجليز إلى فلسطين وإنهاء الحكم العثماني لها، ويرسل رسالته الأولى بأنه تحالف الإنجليز مع الجيوش العربية، لإنهاء الخلافة العثمانية بحجة إنشاء دولة للفلسطينيين، في حين كان الإنجليز يعملون على السيطرة على فلسطين حتى يستطيعوا السماح لليهود بالدخول ويقوموا بتنفيذ وعد بلفور.

يقدم المخرج الكاتب رسالته الثانية وهي إخماد ثورة وإضراب 1936 الثورة الكبرى والتي أرهقت الإنجليز، بالاتفاق مع الجامعة العربية والملوك العرب آنذاك، بحجة تكوين اللجنة الملكية البريطانية، التي قدمت لهم وعودا بتحقيق العدل والمساواة بين العرب واليهود.

ويتكرر ذلك في ثورة 47 وبعد إخماد الثورة، بحجة إنهاء الانتداب البريطاني يتفاجأ الفلسطينيون بقرار التقسيم، الذي رفضه بعض الحكام العرب وقبل به البعض الآخر ورفضه آخرون علنا وقبلوا به سرا.

وفي رسالة أخرى أعقاب 48 يكرر العرب أخطاءهم في حق الشعب الفلسطيني حين يخذلونهم ويرفضون الدخول لمساعدة الفلسطينيين بحجة أنهم سيدخلون بمجرد خروج الإنجليز وإنهاء انتدابهم.

وتكون الطامة الكبرى قبل أن يخرج الإنجليز وينهوا انتدابهم يكونوا قد سلموا أغلب المدن الفلسطينية إلى الإسرائيليين، وقد ساعدوهم بالأسلحة والمعدات الثقيلة، في حين كانوا يجردون الفلسطينيين حتى من السكاكين، وكلما كانت شوكة المقاومة تقوى كان الإنجليز يكسرونها بمساعدة الملوك العرب.

وهكذا انهزمت الجيوش العربية أمام الجيش الإسرائيلى، الذي أصبح جيشا مجهزا وخلفه حكومة متماسكة عقب خروج الإنجليز.

مسلسل «أنا القدس» سلط الضوء على الجانب السياسي وعلاقة فلسطين بالدول العربية وخذلان هذه الدول المتمثلة في الجيش العربي الثورة الفلسطينية.

الدراما لا تكتب
كما قلنا مرارا إن الدراما لا تكتب التاريخ ولكنها تسلط الضوء على ما بين السطور، وتجسد المرحلة التاريخية من خلال أشخاص أو أسماء ربما لم تكن موجودة كاسم ولكن موجودة كحدث.

الدراما عندما تكون حرة فإنها قطعا لن تكون أداة تلميع ولكنها تكون بؤرة ضوء توضح الحقيقة دون تزييفها.

في «التغريبة» لم يكن سوى مشهد واحد لعزالدين القسام، ولكن أغلب الشخصيات التى رأيناها بالمسلسل لم تكن أقل من القسام، ولم تكن أقل من عبدالقادر الحسيني، إنها «الفلسطيني» بأي اسم، إنه «الثائر إنه الفدائي»، إنه «حسن وأحمد ومحمد» وغيره من الأسماء.. هكذا هي الدراما تعتمد على الحدث وتجسده، ولا تزور التاريخ بل تقدم ما أخفاه التاريخ.

من مسلسل التغريبة الفلسطينية (الإنترنت)