مؤرخ: البحث عن سلاح اغتيال تروتسكي استغرق أربعة عقود

الفأس الجليدية التي استخدمت في اغتيال ليون تروتسكي في متحف الاستخبارات العالمي في نيويورك، 18 أغسطس 2020 (أ ف ب)

احتاج مؤرخ التجسس في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) كيث ملتون إلى أربعة عقود للتمكن من الحصول على فأس تكسير الجليد التي استخدمها الشيوعي الإسباني رامون ميركادير في 20 أغسطس 1940 لاغتيال الثوري الروسي ليون تروتسكي بأمر من الزعيم السوفياتي جوزف ستالين.

كذلك نجح ملتون في التوصل إلى معرفة سبب تنفيذ ميركادير جريمته بهذه الفأس التي تستخدم في تسلق الجبال والمعروضة اليوم في المتحف العالمي للتجسس في واشنطن، وفق «فرانس برس».

جاب ملتون العالم لتكوين مجموعته وإقامة متحف التجسس، وبدأ في سبعينات القرن الفائت رحلة البحث عن الفأس هذه التي اختفى أثرها بعيد اغتيال تروتسكي (1875-1940).
ويقول المؤرخ «أحبّ التحقيقات على طريقة رجال التحرّي، لكنّ التحقيق للوصول إلى الفأس كان بالغ الصعوبة».وطوال الوقت الذي استغرقه التحقيق، كان يؤرقه دائمًا السؤال الآتي: لماذا اختار القاتل فأسًا لتكسير الجليد لإنجاز مهمته؟

فإطلاق النار على تروتسكي كان ليكون خيارًا أكثر سهولة، بعد إخفاق محاولات عدة من الاستخبارات الروسية (إن كي في دي) لاغتياله.

ولم يكن تروتسكي يغادر مقر إقامته في مكسيكو إطلاقًا، وكان يحوط المنزل عدد من الحراس المسلّحين.

لكنّ ميركادير نجح في اختراق الدائرة المحيطة بالثائر المنفيّ، إذ أصبح عشيق تروتسكية نيويوركية، منتحلًا صفة تغطّيه، ابتكرتها له الاستخبارات الروسية، وهي أنه شاب يساريّ الهوى، نجل دبلوماسي بلجيكي ثريّ.

من هنا، كان اغتيال تروتسكي بالرصاص احتمالًا ممكنًا، لكنّ صوت إطلاق النار كان ليعقّد فرار ميركادير. وإضافة إلى ذلك، بادر تروتسكي قبل أسابيع من الاغتيال إلى تركيب بوابة كهربائية يحرسها مرافقوه، على ما يروي ملتون. وبالتالي، كان يُفترَض بميركادير أن يقتل تروتسكي من دون إحداث صوت، وأن يموت الأخير من فوره لكي يتمكن القاتل من مغادرة المكان من دون إثارة الشكوك.

سهولة استخدام
وأوضح ميركادير لاحقًا للشرطة أن لديه «سهولة في استخدام فأس لكسر الجليد».وقال «بضربتين (من الفأس)، يمكنني أن أكسر كتلة جليدية ضخمة».

ولكن من أين يأتي رامون بفأس كهذه في مكسيكو؟ ما كان منه إلا أن سرق تلك التي كان يملكها نجل مالك مسكنه. ويوم الجريمة، خبّأ الفأس تحت معطفه، إضافة إلى مسدس وخنجر.

لكنّ الأمور لم تجر كما كان مخططًا لها. فالفأس اخترقت جمجمة تروتسكي بعمق 70 ميلمترًا، لكنه لم يفارق الحياة فورًا، بل صرخ وقاوم فهرع الحراس وقُبض على ميركادير.

وأسلم تروتسكي الروح في المستشفى غداة الجريمة. أما الفأس، فاختفى أثرها بعدما عرضت علنًا خلال مؤتمر صحفي للشرطة.

وخلال عملية البحث، اطلع ملتون على عدد كبير من الفؤوس الجليدية التي قيل له إنها سلاح الجريمة المنشود، أحدها في متحف بمدينة براغ.

لكنّ أيًّا من هذه الفؤوس لم يكن من طراز أو نوع الفأس التي استخدمها ميركادير، وهي بلجيكية المنشأ من إنتاج شركة «فيركغن فولبمس».

دليل آخر
وبعد طول بحث وانتظار، حصل ملتون على ضالته العام 2005، عندما أقرّت آنا أليشا سالاس، وهي ابنة ضابط شرطة مكسيكي سابق، بأنها أخفت الفأس طوال سنوات تحت سريرها. وكانت الفأس التي أبرزتها مطابقة لمواصفات فأس ميركادير، فاشتراها منها كيث ملتون لقاء ثمن لم يشأ الإفصاح عنه، وضمّها إلى مجموعته.

وتوخيا لمزيد من التحقق، تمكن المؤرخ من الحصول على دليل أخير، بمساعدة طبيب شرعي من وكالة الاستخبارات الأميركية، إذ حصل على البصمات المختلطة بالدم التي تركها ميركادير على أداة الاغتيال، من خلال صور التقطتها الشرطة العام 1940.

ويروي ملتون «لقد لاحظنا أن آثار البصمة لا تزال موجودة على الفأس»، وأن «خطوطها مطابقة تماماً للبصمة الموجودة على الصورة».