محنة «سافي».. الأنثى في تحولاتها الثلاثة

عائشة إبراهيم (الإنترنت)

يتجه السرد في رواية «حرب الغزالة» للكاتبة عائشة إبراهيم، لتأسيس وتأثيث فضاء لا يلاحق في تدفقه مسار الانفصال عن الآخر، ولكن لوضع تصور مانع لعواقب الخواء الناجم من غياب لمسات أنفاسه والتي جاءت لصالح «الرجل، المجتمع» الذي وجد سبيلا لحجز هذا الفراغ والتحدث بصوت مزدوج «الأنثى والرجل».

لا يعني ذلك أن النص مشغول بهاجس التجنيس، لكنه يمارس أحقيته في الخلاص من الرق الفيزيائي إلى الرق الثقافي، ويتقدم عبر نسيج سردي خطوة في اتجاه إثبات أهليته للتعريف بمجاله وكينونته وعالمه الخاص، عبر بوابات ثلاث تمثل خطوط رؤيا لهذا المجال متجسدة في شخوص «تندروس، هيريديس، وايجا» مع محور ارتكاز الغزالة «سافي».

الكينونة الأنثوية متحفزة لرسم طيفها منذ البداية في مشهد كرنفالي ملكي يحتفي بالربيع، تعزف فيه الموسيقى ويضج بالفتيات وأحاديث السيدات، و«الجنديات يطبعن قبلاتهن على أنصال الرماح» ص10، كما يتعزز المشهد بتعليقات الملكة تندروس مايسترو الإيقاع وهي تنظر للغزالة سافي، وتتخير الوصف الذي ينتصر للأنوثة ضاربة في عمق الروح حتى ولو كانت في جسد حيوان «تقول الحكمة القديمة إن الطبيعة خلقت كل شيء قابلا للتطويع والامتلاك إلا الغزلان، فقد خلقت لتكون حرة، رغم خوفها عنيدة رغم ضعفها، إنها أسطورة القوة النقية» ص16.

طالع: مناقشة «حرب الغزالة» لعائشة إبراهيم بمعرض القاهرة للكتاب

تعايش تندروس صراعا مركبا بين ذاتها وروحها، الملكة والأنثى، وتستطلع الوسيلة لمشاغلة الآخر «ميكارت» المستكفي بفردوس سافي، وبذا ظل السرد مراقبا لآفاق السياق «التندروسي» وهو يروم للاستحواذ الكامل حتى ليكاد يقع في فخ ردة الفعل، وتؤكد تحت تأثير قوة النسق السلفي القديم مأساة الفصل الذي تجهد فكرة الرواية على تذويبه أو منع تغوله، وتستدرك ذلك بالانتقال إلى ضفة «هيريديس»الفتاة القادمة من أرض القمر، وتتحول المعادلة السردية إلى المواءمة بين شغف العاطفة وضرورات الموقف، إذ عاينت الفتاة بصوت يهفو إلى التماس لغة جامعة لا تجنح إلى فرض خصوصياتها على شريكها الأبدي، في مقابل استيعابها إحداثيات علاقتها مع ميكارث، لم تخف إعجابها لكنها تفهمت الجانب الخاص لتلك الروح، وأدركت جزءا من فسيفسائها النفسية، حتى إن سؤالها للآخر ينهض على المفهوم العقلي والوجداني لهذا التمازج، فهي تستمع للأغنية ميكارت عن القمر وتتذوق مقاصدها مستفهمة: «تلاعبت بالكلمات، فالفتاة التي عشقت القمر لم ينتظرها؟ هل كان القمر أنانيا وقاسيا إلى ذلك الحد؟» ص26، يبدو السؤال عفويا من فتاة معجبة لكنه يجسد السؤال الأبدي من الأنثى للرجل، كيف تلتقي الأرواح بعيدا عن الأنانية؟

تدرك هيريديس بالتجربة أن روحا أخرى تتملك ميكارت وهي «سافي»، لكنها تتجاوزها لتحريك مكامن الاعتماد على الذات، ويبقى انشدادها خاضعا لتلك الحالة المسكونة بمحاولة الفهم، وهي تسأل معلمها ميهلا: «كيف لي أن أعرف أن الأمر ليس مجرد وهم؟ فيجيبها: «تتبعي مسارب الحكمة فهي ستخبرك » ص49.

لكن سافي تطل في كل المشاهد مرموزة أو متعينة كمركز استناد ثابت لشخوص النص ولروح ميكارت التي ستسحبها بعيدا عن مجالي تندروس وهيريديس إلى مملكة إيجا زوجة كاشيون، الذي خطف الغزالة، إذ يتوقف ميكارت محدقا في سافي الأسيرة محاطا بعلامات الاستفهام «هل تذكرين ما قالته هيريديس؟ قالت إن الدهشة هي سر استمرار الحياة؟ ما رأيك أيتها الغزالة؟» ص129.

نقلة ميكارت إلى عالم كاشيون توجت بهرب إيجا معه طلبا لكيانها المسلوب بالاستحواذ، حيث تتشابك روحها المعلولة معه ربما بحثا عن مكملها الناقص الذي ألمح إليه ميهلا في أحد أحاديثه مع هيريديس قائلا: «النقص الذي يعتور داخلنا هو دليل على وجود ما يكمله في مكان آخر» وهو ما يترجمه وصفها لذاكرتها المعطوبة «أنا أميرة البلاط، لكني لست سوى طفلة وقفت على أعتاب العاشرة، وكل ما حدث بعد ذلك، هو اغتيال لسنين العمر» ص144.

لذا كان لمكملها أن يبقى ماثلا أمام ذاتها المتشظية، وسيكون دم سافي ضريبة المفاضلة أمامها لإنقاذ ميكارت من سم الأفعى، موت الغزالة في مقابل حياة نصفها الضائع.

تحولات الأنثى في أطوارها الثلاثة نحت يؤسس لنسق مغاير تجسده أرواح الملكة المسيطرة والفتاة المدركة والمرأة المكلومة، وإن بدا الصراع المكتوب على جناح أحداث خرافية في ممالك الإنسان القديم، إلا أنه يمثل محاولة لمواجهة حقيقة خطاب سردية الثنائية المستنسخة منذ عصور ما قبل التاريخ وحتى زمن «فيسبوك».

كان يمكن لهذا الصراع أن يعزز الشكل الكلاسيكي له، إلا أن خيارات الضفاف الثلاث الممثلة بالشخوص مع ثابتها النفسي «سافي» شكل مدارا لرؤية تنحو لكسر الجدار السلفي إلى جسر يصل النص السردي المؤنث من فضاء التجنيس الضيق إلى عوالم الهوية الجامعة.

المزيد من بوابة الوسط