زكريا ثليج.. غريان وموسيقى ذاكرة المكان

الفنان زكريا ثليج (بوابة الوسط)

للصورة تأثيرُها وسحرها, ولأنّ سلم التحليل البصري بات مَشدودا في الغالب إلى ملامسة التفاصيلِ, يَبقى الاختلافُ بين فنانٍ وآخرَ في زاوية الرؤيا لكل منهما، ونسب التعقيد والتبسيط في تقديم الفكرة، وتبقى الطبيعةُ إحدى أهمِّ المحطات في هذا الاتجاه بما توفّرُه من سبائك لونية بكر، تفضي إلى وفرة من تشكلات للمادة بصورها المختلفة, خصوصا إذا ما كان المغزى ماثلا في المكان الذي تشربته الذائقة، كعصارة من الثقافة والتاريخ والذكريات.

الفنان زكريا ثليج يحاولُ وفقَ هذه الايقاع أن يجد لنفسه حيزا في فضاءِ النص البصري مستفيدا من خصوصية التكوينِ الطوبوغرافي لمدينته غريان، فميزةُ ارتفاعها عن سطح البحر مَكـّنها كمنطقة جبليةٍ من التفرد بمناظر فصلية وجيولوجية جاذبة للعدسة ولمخيلة الفوتوغرافي وهو يقتفي أثر ذلك السحر.

ارهاصة الفوتوغراف لثليج كانت عبرَ بورتريه الشخوص، إلا أنه بالاحتكاك المتواصل مع محترفي التصوير وتعمّقه في دراسة مفردت هذا الفن، مكـّنه من رؤية فضاء واسعٍ من الخيارات ومجالٍ أكبرَ من فُرصِ الإدراك الفني، وانضاجها بالتفاعل مع الوسائط المكانية في غريان ودرج وغدامس وحتى تخوم الاكاكوس .

الإنسانُ ظل عبر الزمن مَشغولا بتحولات الطبيعة ومتأملا فيما يَلحظه من مظاهرها، مدفوعا بحس الاكتشاف لفك ألغازها, وبذلك فهو يتجهُ إلى المعرفة، وستكون الكاميرا إحدى أعاجيبها لنرى قدرةَ العدسة على تجسيد آلية التناغم والانسجام بين الطبيعة ومظاهرِها الفيزيائية. الضوءُ والظل ، الليلُ والنهار، الحرارةُ والبرودة، الانطفاء واللمعان.

من ذلك يحاولُ زكريا في أعماله الاستفادة مما توفرُه التقنيةُ من مزايا كضبط مساحة المحيط الشامل لدائرة التصوير كما في لوحة السقيفة، اومعاينة مَسارِ الحركة في لحظة مُعينة, كاستدارة السيارة وهي تستعيدُ توازنَها في المنعطف, وسحابةِ الغبار المُوحيةِ بمستوى السرعة, السرعةُ التي ثبتتها العدسة.

ولأن المكانُ يَبقى ملتصقا بالذاكرة يأخذُ الفنان من زواياه ما يترجمُ ذائقته الفنية كما في صورة البحيرة وهي تحتضنُ المياه المتدفقةَ من إحدى العيون, أوخطِ الأفق وهويحتضن قرصَ الشمس ساعة المَغيب، أوفي بياضِ الثلج وهو يمتزجُ بألوان مصابيحِ الشوارع وقد يتحول هذا البياض إلى وشاحٍ يكسوالصخور، أو بساطٍ تفترشه أشجارُ الصنوبر .

وقد تنتقلُ لغة العدسة إلى نماذجَ تفصيليةٍ بهدف الدَّمجِ بين الجمال والبساطة, أونقل الشكل العادي إلى مقارباتٍ تجريديةٍ بهدف إتاحة إمكانيةِ التنوع في رصد الإيقاع البصري للأشكال.

طالع: التليسي.. سؤال التاريخ والوعي بالكيان

يقتضي تثبيت الزمن الزام الجسد ثباتا مماثل للحصول على تفاصيل الثواني المجمدة بضوء الفوتوغراف، وهي ترينا تلك الايقاعات السماوية في مبسم الاطفال وخطواتهم مداعبة اديم المستديرة، اولوحة كرنفالية لفتيات ثلاث يتمازج فيها روح الاسلاف مع نقوش الحاضر.

روح الأسلاف تنعكسُ في مستوىً آخر, بما تـُمثله غريان كأفق واسع يمثل الأبعادِ التاريخية والاجتماعية بها، فصورُ الحجارة تجسِّد إضافةً لوصل الماضي بالحاضر, السؤالُ المرحلُ دوما للأجيال،من خلاصة قراءة تمائم الأسلاف؟

وكما جهدت الرياح في رسم توقيعاتها على جسد المدينة الذي تتبعته عدسة ثليج, يقف الامضاء الضوئي أيضا عند أطرافها في جبال أبوغيلان ووادي أبوعياد، وكذا تاركا لغته الخاصة تترجم سحر أزهار الرمان البري والسفرجل بوادي تغسات، ولاينفصل التوثيق عن تضمين العنصر الجمالي بولوج الفضاء العدسي اسفار الماضي بكليبة القديمة،ورصد رتوش الزمن على جدران مساجد ابوحمام وقباع، وقصر رأس البنية بالقواسم.

شواهد البيوت وبقايا الابراج، والحصى المدثر بغبار ازمنة سحيقة، تشع منها ذاكرة المكان الذي داعبته الامواج يوما ما تاركة تذكارها الخالد في لوحات رسوبية وهي تلتف كالنطاق على خصر المرتفعات والتلال الصخرية.

تهمس ابراقة العدسة بأمواج ضوئية رافلة في سوانح المكان، تشتبك مع موسيقى الذاكرة وهي تعبر جدار الزمن، ذائبة في فضاء بانورامي يشاكس الحداثة بالماضي، اخدا مدارج تحولات مجال النشأة، منصة عبور الى عوالم الكاميرا، هكذا يرى ثليج تقنيات الرؤيا البصرية في مخيلته، ويمضي الى جعلها ضاجة بتلك التفاصيل في تجربته مع الفوتوغراف، كما تعكس نشوة الجاذبية لزرالعدسة الذي ينفذ من خلاله ارشيف المخيلة الى مدار الصورة وهي تعانق موسيقى الاضواء.

من أعمال الفنان زكريا ثليج (بوابة الوسط)
من أعمال الفنان زكريا ثليج (بوابة الوسط)
من أعمال الفنان زكريا ثليج (بوابة الوسط)
من أعمال الفنان زكريا ثليج (بوابة الوسط)
من أعمال الفنان زكريا ثليج (بوابة الوسط)
من أعمال الفنان زكريا ثليج (بوابة الوسط)

المزيد من بوابة الوسط