سعاد الشويهدي.. جدارية الفواصل الحرجة

الهامش أو عالم الظل، مثلما هو أيقونة الواقعية في الأدب، فهو أيضا شكل لعالم الصورة، نافذة مهمة للبحث عن علامات الاتصال بالمحيط.

سعاد الشويهدي، إحدى الفنانات اللاتي يحاولن البحث عن كوامن هذا الاتصال، من خلال أعمالها، مع فارق أن اتصالها يأتي مركبا، من حيث هو تمازج بين روح الفوتوغراف والتشكيل.

شواهد هذا التمازج، شكل الرابط العام لمعظم لوحات الفنانة، حيث تحررت المخيلة من القوالب المألوفة للصورة، للحصول على مجال أكبر من الرؤى، وطيف واسع من التصاميم، والتشكيلات المتناسلة من رحم الهامش.

لا تزال الفنانة تبحث عن أسلوب خاص بها، فأعمالها المسكونة بالقلق والغموض، تخفي وراءها بعدا تجريبيا يلتمس اتجاهاته نحو آفاق مغامرة مفتوحة.

طالع: كمال أبوزيد.. الصورة وسحر الهامش المراوغ

كما تتجه بطبيعة حسها الأنثوي، إلى توثيق عالمها كما في لوحة الفراشية، وهو لا يعني تأنيثها لفنها، بقدر ما يعكس الحاجة إلى رسم علاقة بين الألوان الساخنة فيها وعاطفة الأنثى.

وتحاول الفنانة أيضا الالتفاف على الخاصية اللونية، ولكن تبقى مخيلتها تقود العدسة إلى هذا العالم، الذي يفصح بذلك، على أنه مكون أصيل، في شكل الصورة لديها.

وبذا ارتأت الشويهدي الوقوف في محطة وسط، ظلت هي خط التماس بين المتخيل التشكيلي واللوحة الضوئية، ومثلت بوابة الدخول والخروج، من وإلى الفوتوغراف.

كذلك تستند الجمالية في الصورة وفق رؤيتها إلى عنصر المحاكاة الذي يتجاوز ملامحها الخارجية، إلى المعنى الذي تقدمه، وهو الخطوة الأولى لتحولات اللون، وإعادة تشكيله بتوقيع العدسة، بديلا لبصمة الفـرشاة.

طالع: عبدالمجيد الفرجاني.. لعبة العبور من اللون إلى الضوء

ولم يكن الالتزام الفني بطبيعة الصورة وأبعادها، محور الارتكاز الذي بحثت عنه، بقدر ما كانت تـشغلها مسألة الدمج بين الحدس اللحظي ومكونه الإيحائي، وعناصر القبول الفني بداخله كمرحلة أولى، ثم استجابة المخيلة لهذا المكون كمرحلة نهائية.

العادي جدا أو الهامشي، يبقى في نظرها، كما هو في نظر بعض مصوري الفوتوغراف، ورواد الفن الما بعد حداثي، ملتصقا بقضية إبراز المغزى الفلسفي، لكل ما هو مركون أو مهمل، أو غير متمثل في ذائقة الوعي العام لدى الناس، بحكم عدم إدراك مفاهيمه المعبر عنها.

من جهة أخرى، نرى أن نمذجة التفاصيل وتجريدها فوتوغرافيا تبدو مهمة سهلة، لكنها ليست كذلك في مخيلة الفنانة التي لامست ظلال التشكيل وفوتونات القرص الملتهب «الشمس»، إذ عبر هذين المجالين تصبح الذائقة الفنية لدى الشويهدي مشدوة إلى جماليات النقاط الفاصلة أو المسالك الحرجة بين الريشة والعدسة، ما يستلزم شحنة عالية من التركيز تفاديا لهفوة الانتقال لإحدى الضفتين على حساب الأخرى.

وترتقي تلك التكوينات في سقفها الناضج إلى إبهام لا يساير غموض رتوش اللوحات الدارجة من القوالب الفوتوغرافية المموهة، بل ينتقل من أرضية واقع بسيط إلى حائط ضوئي جامع بين منابت التشكيل وروح الفوتوغراف دون فقدان بوصلة الاتجاه للهدف.

كما لا ترتمي هذه الأعمال بكامل تفاصيلها في أحضان مسلمات القواعد العلمية للفضائين، إذ يكمن وجه آخر من التفاصيل ممتاحا من أرضية الخيال الجموح، الذي سيصبح في هذه الزوايا مستعدا لملء فراغ الانتقالات حال إبحار الوميض من عوالم الريشة إلى فضاء العدسة.

تحاول ذائقة الشويهدي أيضا استنطاق مخيلة المتلقي عبر التدقيق مليا في كوامن الصورة وتداخلاتها، إذ ستتحول سلاسل تلك التموجات الضوئية إلى جملة من الأحاجي البسيطة والمعقدة، التي سنكتشف لاحقا تفاعلنا اليومي معها في الواقع المعيش.

هذا اللون من التجذيف، والذي تمضي فيه الصورة برؤوس أصابعها، وكأنما تمشي على حبل مشدود تتحرز فيه مغبة السقوط، حابسة أنفاسها حتى خط النهاية، ستكتشف في كل مغامرة أن المشهد مغر للتكرار للوصول إلى الصورة الحلم، كما الشاعر وهو يلاحق القصيدة التي لم تكتب بعد، ليبقى مرتهنا إلى رذاذ الحبر، طلبا للنص الهارب.

الفنانة سعاد الشويهدي (بوابة الوسط)
من أعمال سعاد الشويهدي (بوابة الوسط)
من أعمال سعاد الشويهدي (بوابة الوسط)
من أعمال سعاد الشويهدي (بوابة الوسط)

المزيد من بوابة الوسط