ثقافة وإرث نافاهو في مرمى الوباء

ايميرسون غورمان (إلى اليسار) وأفراد من عائلته في أريزونا في 23 مايو 2020 )H t f(

تنسحب تبعات وباء «كورونا» على الثقافة والتقاليد، تماما مثلما يهدد حياة البشر، فهناك عرقيات أصيلة باتت حضارتهم وتاريخهم في خطر، إثر تعرض كبار السن للوفاة الناتجة عن الإصابة بالفيروس القاتل.

ويرى إيميرسون غورمان، المعالج التقليدي الذي يعيش في نافاهو، أكبر محمية أميركية للسكان الأصليين في الولايات المتحدة، أن من واجبه مشاركة معرفته في وقت يواجه فيه المسنون في مجتمعه تهديدا وجوديا من جائحة «كوفيد-19»، حسب «فرانس برس».

يعرف غورمان كيف يبدو الأمر في مواجهة تدمير ثقافته: فعندما كان في الخامسة من العمر، كان من بين آلاف الأطفال في نافاهو الذين تم أخذهم من عائلاتهم وإرسالهم إلى مدارس مسيحية حاولت محو معتقداتهم.

وقال هذا الرجل الذي يعيش في منزل كبير في وسط نافاهو نيشن مع عائلته، حيث يقومون بتربية حيوانات وزراعة الذرة والفواكه والأعشاب «من المهم جدا التحدث عن تاريخنا وطقوسنا واحتفالاتنا».

وأوضح غورمان أن نشر طرق المعالجة التي يستخدمها أمر مهم «لأننا نعلم أنه يتم الاعتناء بنا وأننا مرتبطون بالطاقة الطبيعية والأرواح والعالم الطبيعي».

جعلت وفرة الحالات المرتبطة بالفقر مثل مرض السكري والسمنة وأمراض القلب، بالإضافة إلى حقيقة أن 30 إلى 40% من سكان نافاهو، البالغ عددهم 175 ألف نسمة لا يحصلون على مياه جارية، جعلت هذه المنطقة واحدة من أكثر المناطق تضررا بالوباء في الولايات المتحدة.

ومع تسجيلها أكثر من 5500 إصابة بفيروس «كورونا» و250 وفاة، فإن معدل الوفيات لكل فرد يقع خلف ولاية نيويورك، ومثل أي مكان آخر، فإن المسنين هم الأكثر تأثرا.

وما يجعل الأمور فريدة من نوعها هو المكان الذي يشغله المسنون في الثقافة الأصلية، كذاكرة المجتمع التي يجب أن تنتقل شفويا تكريما للتقاليد، حسب «فرانس برس».

وقالت أليسون بارلو مديرة مركز جونز هوبكنز لصحة الأميركيين الأصليين التي تعمل في هذه المنطقة منذ التسعينات: «حقيقة أن هذا المرض يصيب المسنين خصوصا، هو أمر مخيف جدا بالنسبة إلى السكان الأصليين. إنه مصدر كبير للقلق».

وأضافت: «كانت هناك فترة قامت فيها الحكومة الفدرالية بقمع تعليم اللغة والثقافة» في إشارة إلى المدارس الداخلية الهندية التي كانت موجودة بين ستينات القرن التاسع عشر وحتى أواخر السبعينات.

أجبر الأساتذة في المدرسة التي ارتادها غورمان الأولاد على قص ضفائرهم الطويلة ومنعوا من التحدث بلغتهم، وكانوا يخبرونهم بأن ديانتهم «شريرة»، وحاولوا إجبارهم على التحول إلى الكاثوليكية.

فقدان اللغة
في مونومنت فاليه، واحدة من أكثر المناطق شهرة في نافاهو نيشن، التي تعد موطنا لتشكلات الحجر الرملي الضخمة، تقوم لانيل ميرنارد-باريش الموظفة الحكومية في نافاهو بتكديس الصناديق في سيارات الأشخاص خلال حملة لتوزيع المؤن للمحتاجين.

يتم تحديد المركبات التي تحمل الأشخاص الذين يبلغون 60 عاما وما فوق عن طريق شريط لاصق على الزجاج الأمامي الخاص بهم ويقدم لهم المتطوعون إمدادات إضافية، علامة على التقدير الكبير الذي يكنونه لهم.

يتقطع صوت باريش وهي تروي وفاة حماتها التي كانت تبلغ 60 عاما بوباء «كوفيد-19» أخيرا.

وروت: «بمجرد اكتشافنا أنها مريضة، أخذت لتلقي العلاج. وهي عاشت ستة أيام فقط بعد اليوم الأول الذي ثبتت فيه إصابتها بالفيروس».

كما أنها تشعر بالأسف على أطفالها الخمسة الذين فقدوا جدتهم التي تعتبر صلة أساسية بماضيهم.

وتابعت: «كنت محظوظة لأنني ترعرعت حول جميع أجدادي الأربعة»، لكن الكثير من جيلها فقدوا أجدادهم في وقت مبكر بسبب تعدين اليورانيوم المنتشر على نطاق واسع، الذي بدأ في نافاهو نيشن بعد الحرب العالمية الثانية.

وقالت المرأة الأربعينية: «نحن نفقد لغتنا، وأعتقد أن فقدان أحد الأجداد لديه دور كبير في ذلك».

وهذه هي الحال بشكل خاص بالنسبة إلى الذين يغادرون نافاهو بحثا عن الفرص الاقتصادية خارج المحمية.

جهود لإعادة إحياء الثقافة
وأخبر غورمان أن اتصالات كثيرة وردته من أشخاص طلبوا منه تأدية صلوات خاصة لإبعاد وباء «كوفيد-19»، غالبا عبر الهاتف. يتبع هو وعائلته النصائح الرسمية بوضع الكمامات وغسل أيديهم بانتظام.

لكنهم يشددون أيضا على استخدام الأعشاب، مشيرين إلى المريمية أو القصعين واليوكا «من فصيلة الهليونيات» والعرعر الذي يزرعها لمعالجة أمراض مختلفة.

في العام 2004، بدأت زوجته بيفرلي تنظيم مخيم لأطفال نافاهو لإحياء ثقافتهم والحفاظ على التقاليد.

وتشمل الدروس لغة نافاهو الأصلية والتاريخ والأعشاب وصيد الأرانب وصنع رؤوس السهام، وتعلم طريقة إشعال النار باستخدام مثقاب قوسي.

كما قررت تعليمهم صلاة «بليسينغ واي» وهي صلاة تؤدى في الصباح في وجهة شروق الشمس في الشرق من أجل مباركة البيت وحمايته.

ناياهنيكاي غورمان «21 عاما» هي أصغر أولاد إيميرسون وبيفرلي الثمانية وتريد حمل إرثهم.

وهي تعمل في مركز جونز هوبكنز لصحة الأميركيين الهنود وتأمل في ارتياد كلية الطب وإنشاء مركز يقدم الطب الغربي وطب نافاهو.

كلمات مفتاحية