سعاد خليل لـ«بوابة الوسط»: من يملك قلما مسرحيا جيدا لا يتعدون أصابع اليد.. ولم أكن يوما مقربة من السلطة

الفنانة سعاد خليل (أرشيفية)

خمسون عاما من العطاء لسعاد خليل.. إنها ليست فقط ممثلة ومسرحية بل إنها أديبة ومترجمة للأدب والثقافة، أهدت للمكتبة الليبية موسوعة شملت سبعة كتب مترجمة عن الإيطالية والفرنسية، وأضافت مادة ثقافية قيمة لكل القراء والباحثين في الفلسفة والأدب والموسيقى والمسرح والفن التشكيلي والشعر وحتى المعالم والآثار التاريخية.

هل يوجد تغييب لدور المرأة العربية الحقيقي أم التجربة بعد كل هذه السنوات لم تتضح بعد؟
بالنظر إلى نسبة التحرر التي وصلنا إليها، فالمرأة العربية ليست مغيبة تماما، ولا أحد يمكنه أن ينكر أو يجادل في أهمية دور المرأة، ولنأخذ دورها وواجباتها كامرأة وأم، إضافة إلى واجبها وحرصها على ممارسة حقوقها، رغم وجود تحديات تواجه المرأة للنهوض بدورها خارج منزلها تعيقها في أداء مهامها، إلا أن هناك نساء تغلبن على الظروف المحيطة بهن واستطعن خوض التجربة الثقافية والأدبية بنجاح.

ماذا عن تجربة المرأة المبدعة في ليبيا؟
في ليبيا حيث كانت المرأة رغم ظروفها والبيئة الصعبة، إلا أنها استطاعت وبقوة أن تفرض وجودها منذ الرائدات الأوائل رغم المساحة البسيطة المسموح بها في تلك الفترة والمرحومة حميدة العنيزي وخديجة الجهمي وفوزية شلابي ومرضية النعاس وغيرهن كثيرات من القاصات والشاعرات لا تسعفني الذاكرة بالأسماء يعتبرن من أنجح النساء على المستوى الإعلامي والأدبي، وقدمن الكثير في مجتمع كان من الصعب أن تتفوق فيه المرأة وتفرض وجودها وحاليا ازدادت المراة قوة.

برأيك هل استطعن أن يثرن حركة تغيير من خلال القضايا التي تناولنها في مجالاتهم الإبداعية؟
على المستوى الإبداعي نعم، خصوصا من خلال ما يقدم عبر الإذاعات المسموعة في فترة ما، حيث لم يكن هناك أي وسائل ترفيه أو مشاهدة إلا المذياع (الراديو)، وأتذكر منذ طفولتي كيف تحرص النساء والعائلات للاستماع لما يقدم من برامج اجتماعية وتربوية، وكانت تقدم من قبل نسوة مثقفات لأجل توعية وإرشادات.

حديثنا عن التكوين الفكري لسعاد خليل؟
أنا بالدرجة الأولى فنانة، بمعنى ملكة الإبداع الفني أعتقد أني أملكها بشكل خاص كل كتاباتي وقراءاتي في مجال الأدب والثقافة كلها لإثراء وزيادة معرفتي للتطوير من فكري وثقافتي حتى أقدم رسالتي الفنية بشكل سوي وغير ملوث، فأنا أغلب ما أكتبه من ترجمات وإعدادات وبحث في الثقافات، ونشر بعض النصوص التي أكتبها بكل وجدانياتي وأحاسيسي.. والقرأة من أهم الأشياء التي أصبحت أدمنها، فأنا اقرأ في كل شيء، واكتشفت من خلال المطالعة والقراءة المستمرة عدم معرفتي لأشياء كثيرة وأحسست بأنه ما زال الكثير لم نعرفه.. فالمرء كلما زاد اطلاعه زادت معرفته وارتقى على صغائر الأمور.

اقرأ أيضا: الفنانة سعاد خليل لـ«لوسط»: ليبيا أصبحت كالطفل اليتيم.. ولكن سننتصر في النهاية

لماذا أخفق كتاب النصوص الإبداعية وظلت تجربتنا متأخرة وفقيرة مقارنة بالتجارب العربية؟
نعاني في ليبيا نقصا في النصوص أو بالأحرى كتاب المسرح، فالكتاب الذين يملكون قلما مسرحيا جيدا لا يتعدون أصابع اليد وهذه إشكالية كبيرة، وهنا أنوه إلى أهمية القراءة والتثقيف للكاتب حتى يستطيع كتابة نص قوي بمفرداته، بفكرته وطريقة الطرح وتناوله حتى لو نبش في تراثنا نحن نملك إرثا ثقافيا كبيرا مهملا، لأن القلة فقط قد أخذوا منه البسيط ولم يتعمقوا، وهذا كله بالدرجة الأولى سببه عدم الاهتمام بالجانب الثقافي والفني سواء من جانبه أو من قبل الدولة التي ساهمت في عدم توفير المناخ المناسب للمبدعين وعدم وجود كليات وأقسام وأكاديميات مختصة.

هل المبدع الليبي لم يناضل كفاية واكتفى بالانصياع للسياسة التي مورست عليه؟
ليس الجميع، يوجد من كان مجرد بوق، ومن هو موجود حتي اللحظة وأعماله ومواقفه تشهد، وأقصد هنا أعماله التي كانت تطرح قضايا لا يستطيع أن يتطرق إليها حتى الإعلام بوسائله المختلفة، وأعطيك مثالا في العام 1999، كانت هناك قضية أطفال الإيدز في بنغازي وكان الموضوع معتما وكان ابن أحد المخرجين المسرحيين مصابا بحقنة بمستشفي الأطفال، تعاطفنا جميعا وما زال لا أحد يستطيع أن يعلن وجود أطفال يعانون من الفيروس، ونشرت مجلة "لا" وقتها الخبر فتم إيقافها، فأخذنا الفكرة وتم تنفيذ عمل مسرحي يتحدث عن القضية، ولكن ليس بشكل مباشر، وبعد حصولنا على جوائز في طرابلس وقبل رجوعنا إلى بنغازي طلب من مدير المهرجان الوطني السابع بطرابلس أن تقدم كل فرقة دقيقة من عرضها لأن القائد يريد مشاهدة الأعمال بشكل رمزي، وعدنا بالفعل إلى بنغازي واستمر العرض للجمهور، ولم تمر ثلاثة أيام حتى طلبوا الاجتماع بأولياء الأمور وتم تعويض أسرهم وإرسال الأحياء للعلاج، فقبل هذا الموضوع كان هناك تكتم كبير، ولم أكن أبدا مقربة من جهة لها نفوذ أو سلطة حتى اللحظة، وهذا جعلني أحترم نفسي كل يوم لأني أؤمن أن الفنان الصادق مواطن صالح قبل كل شيء.

اقرأ أيضا: عرض «مكان مع البهائم» على مسرح درنة

بالنسبة إلى ليبيا هل تعتقدين أن تأثير التلفزيون كان أقوى من المسرح؟
التلفزيون عدو ومنافس للمسرح لأنه داخل كل بيت لذلك من المفترض أن يقدم كل ما هو هادف وتربوي، ولكن هناك شيء أحب أن أنوه إليه، نحن في بنغازي نعشق المسرح وتستمر العروض لثلاثة شهور أحيانا وفي رمضان ثلاثة مسارح تعرض والجمهور أصابه الملل من التلفزيون وأصبح متعطشا للمسرح خصوصا هذه الفترة.

هل النصوص المسرحية خضعت للمراقبة وهل تتذكرين عملا تم رفضه؟
حاليا لا أعتقد، وأقصد خلال النظام السابق هناك لجنة مشاهدة تحضر قبل العرض، وهناك لجنة نصوص وأعتبر هذا شيئا صحيا بالنسبة لي قضية المسرح هي قضية مجتمع، ولست ضد الأنظمة أو المسؤولين، فكل المسارح في العالم تتعرض لبعض المراقبة.

ماذا عن الإنسان الكامن فيك بمعاناته وكيف تحول بداخلك الوجع لإبداع؟
لو ترجعين بالتاريخ تكتشفين أن المبدعين أغلبهم موجوعون.. القهر والوجع هو الذي يفرز الإبداع.. جان جاك روسو الفيلسوف عانى من السلطة والكنيسة، وهو مؤسس علم الاجتماع، نيتشة، شوبنهاور فلاسفة موزارت، ليوناردو دافنشي تربى عند دي ميدتشي لقيط حرموه من الميراث، دستويفسكي، ماركيز، جرودفسكي عظماء وكانوا فقراء مقموعين "المرتاح" والمرفه ليس لديه ما يقول فكل شي عنده.

بخصوص النقد هل تشعرين أن حركة النقد في ليبيا لم تواكب الأعمال ولم تعط المبدع حقه؟
النقد في ليبيا هذا موضوع طويل يختصر منه أنه حاليا مغيب تغيبا كاملا رغم حاجة المثقف والفنان للنقد البناء حتى يتفادى أخطاءه، ونفتقر إلى وجود النقاد ربما بسبب الظروف ولكن أتمنى أن يعودوا لمسؤوليتهم تجاه ما ينشر ويقدم.

لماذا في رأيك الناقد الليبي لم يقتحم مواقع التواصل ويقدم رؤية نقدية أكثر حرية في ظل سرعة الوصول إلى القارئ؟
كيف ينتقد أعمالا لم يشاهدها، وحرية ما يتم تناقله على مواقع التواصل أصبح يسيء أكثر مما يفيد للأسف استغل هذا البراح الحر في أشياء مغلوطة من قبل البعض وجزء من المسؤولية يقع على النقاد فهم من أعطى فرصة لمن لا يملكون كفاءة النقد وحرية التأويل الخاطئ.

لنتحدث عن ليبيا في الحرب والإبداع، هل نتج لدينا ما يعبر عن هذه المرحلة خصوصا عن تجربتك؟
نعم في بنغازي اشتغلنا شغلا كثيرا في المسرح، وقدمت أعمالا مسرحية جيدة لها علاقة بالمرحلة تجربة طويلة خمسين سنة صعب اختزالها وأقصد في الحرب لم أتوقف عن المسرح، وقدمت عروضا وما زلت متواجدة وعرضت في درنة فور تحريرها، وحاليا انتهيت من كتابي الجزء الثاني من النصوص للعلم حاليا لدي عشرة إصدارات مطبوعة، ومن ضمن هذه الأعمال مسرحية "الهشيم" للكاتب عبد الأمير شمخي وهو عراقي تتحدث بشكل رمزي عن مجموعة ينتظرون عربة بينهم امرأة تحمل جمجمة ابنها وتدور أحداث المسرحية حول صراعات بينهم وهم ينتظرون هذه العربة، وكان عملا مميزا ومهما ولكن لم نعرضه إلا مرة واحدة فقط، بعدها بدأت الحرب والاغتيالات وقفل المسرح نظرا لتواجده بمكان اشتباكات.

كما كان هناك مسرحية "عمتي ونيسة" تحكي وترمز إلى ليبيا وما تمر به منذ عدة سنوات من حالات حرب ونزوح وفقد مكان، وهي قصة جندي هرب من المعركة واختبأ في حظيرة مع البهائم عشر سنوات النص للكاتب اثول فوقارد من جنوب أفريقيا، "جاك الليل" أيضا تتناول بعض الأحداث إلى جانب الأنانية والحسد حتى الأقارب لبعضهم وما زلت متواجدة في كل المحافل الدولية والعربية سواء مكرمة أو مشاركة بعرض مسرحي أو إقامة الندوات وتأطير الورش.

المزيد من بوابة الوسط