محمد الفقيه.. الثقافة الليبية وتشابك الأسئلة

محمد الفقيه صالح (أرشيفية: الإنترنت)

يقدم الشاعر والكاتب محمد الفقيه صالح في مؤلفه «في الثقافة الليبية المعاصرة.. ملامح ومتابعات» في متن 222 صفحة، سردا فسيفسائيا يشخص مكامن وانبعاثات السواند المساهمة في تشكيل ملامح الطيف الإبداعي الليبي في الشعر والقصة والفكر والتاريخ، ومناقشة قضاياها وفق مجال الرؤية التي تسعى للتعبير عن مضمونه.

ولا يصورها في مؤلفه الصادر عن دار الرواد من منظور زمني ممرحل، بل في شكل نماذج يختارها كتجسيد لرؤيته النقدية وسياق دلالاتها في المجالات المختارة، ولأهمية هذا المطبوع كمرجع ورافد يعرف بهوية المنجز النصي، وشرحه في دوائر تأثيراته الثقافية المتعددة انطلاقا من بيئته المشكلة ورجوعا إليها، وجبت الإشارة إليه في عرض مكثف أكتفي فيه بدور الإشارة والاختيار دون إسباغ وجهة نظري بالخصوص أو حتى محاولة وصفه باجتهاد لغوي.

ففي باب «الشعر ونقده» يشير محمد الفقيه إلى أن «الشعر الليبي منذ انطلاقته في العشرينات تمحور حول استقطابين أساسيين، أولهما اقتفاء تحولات الشعر الحديث في المشرق العربي والاتكاء على منجزه، ويتمثل الثاني في التطلع والسعي إلى تحقيق مزيد من الخصوصية».

منوها بأن سيرة القصيدة الحديثة في ليبيا إنما تحكي سيرة نظيرتها العربية مع فارق زمني يعكس تفاوت النمو الاجتماعي والثقافي بين المراكز والأطراف في منطقتنا العربية.

ويسرد الشاعر سلسلة التحولات التي طرأت على جسد القصيدة في المشهد الليبي، بداية من ملامح بواكيرها الأولى ونزعتها الرومانطقية، وتجليات تلك السحنة في نصوص علي الرقيعي، وعلي صدقي عبدالقادر وخالد زغبية، ومع تسلل موجة الشعر الحر إليهم، تتقوى وتزدهر هذه الموجة مع بداية عقد الستينات عند الشعراء حسن صالح ومحمد المطماطي، لتلتحق بهم في النصف الثاني من الستينات أطراف أخرى أبرزها محمد الشلطامي وعلي الفزاني وعبدالحميد بطاو.

ويوضح المؤلف أن ما يميز هذه الموجة هو هاجس التحرر العربي والثورة والانحياز إلى عالم الفقراء، ثم تأتي فترة السبعينات لتشهد نقلة أخرى على مستوى الرؤيا وأسلوب الكتابة، تبدت فيها النظرة إلى الذات والواقع أكثر تركيبا وتعقيدا، مع ازدياد مساحة الذات بالتوازي مع الإحساس بالقمع والكبت والتهميش، ومن هؤلاء الشعراء إدريس الطيب ونصر الدين القاضي وعبدالفتاح البشتي.

ويقف كذلك عند منعطف أكثر جذرية في عشرية الثمانينات من القرن الماضي، اتجه فيه شعراؤه للقطيعة مع تقاليد التراث الشعري العربي، وخوض مزيد من التجريب والمغامرة، مثل الشاعر مفتاح العماري، ومحمد زيدان، وسالم العوكلي.

كما يلفت محمد الفقيه النظر إلى بروز أصوات شعرية نسائية آنذاك مثل: فاطمة محمود، وحواء القمودي، وسميرة البوزيدي، ومريم سلامة، ثم فريال الدالي، وأم الخير الباروني.

هذا التمرحل لا يعني أن كل موجة أو كل حلقة تجب ما قبلها، بل تتزايد في تفاعلها ويضفي على المشهد مزيدا من التعدد والتنوع وإن افتقر إلى المتابعة النقدية الجادة.

عصر متخيل
وينفذ محمد الفقيه صالح في هذا السبر الثقافي عند إشكال آخر، وهو تهميش أو عدم الاهتمام بأدب الخيال العلمي، خصوصا أن التراث العربي حافل بكثير من الشواهد التي تناولت هذا الجانب، وإذا تعددت الأسباب في ذلك فينبغي معرفة أن هذا اللون من الأدب على رأي الكاتب لا ينبت إلا في بيئة تعنى بثقافة العلم والبحث العلمي.

ويسوق من أدب الخيال في نموذجه الليبي كتاب «من مفكرة رجل لم يولد» للأديب الراحل يوسف القويري، المشتمل على يوميات متخيلة تمتد من 2565 إلى 2567 لرجل يعيش في طرابلس الغرب مع أسرته منعم بحياة عصرية متخيلة في منتصف الألفية الثالثة.

ويلمح إلى أن النقد في هذه المذكرات يقتصر تقريبا على الجوانب الاجتماعية والثقافية دون أن يطال الجانب السياسي، مشيرا إلى أن ما دفعه للكتابة عن هذا المؤلف المازج بين الخاطرة والمقالة السردية كونه يؤسس لثقافة تتجه نحو المستقبل وتنشغل به في الحياة الأدبية والثقافة الليبية المعاصرة في مواجهة الانصراف المبالغ فيه نحو الماضي.

ويتوقف محمد الفقيه عند مقام سردي آخر وهو رواية «بيت في الدنيا وبيت في الحنين» للروائي إبراهيم الكوني الضاجة بلغة الشعر والمجاز، وهي تخوض عباب القضايا الإنسانية الشائكة مثل الاغتراب والكينونة، ثم يتجه إلى سجنيات الكاتب عمر الككلي التي يقتنص فيها لحظات لمواقف بسيطة وهامشية عن نفسه والآخرين في السجن، بما تنطوي عليه طبقاتها من دلالات تستفز ذائقة المتلقي وتستحثه على استنطاق ما يتجاوز السطح من أبعاد مكنوزة.

ويتجه الكاتب إلى تجربة القاص جمعة بوكليب، التي يصنفها إلى ثلاث مراحل زمنية «السبعينات، الثمانينات، والحالية التي تمثلها نصوص المهجر مضمومة في كتاب حكايات من البر الإنجليزي»، وتتراوح هذه التجربة في مراحلها بين التدفق والانقطاع والتوهج والجنون، والاغتراب في الوطن والغربة في المهجر، مضيفا أن ضياع تدوينات بوكليب السجنية الممهورة بتواقيع مكابدات الروح الاسرة لا يمثل خسارة للكاتب فقط بل لمدونة القصة القصيرة في ليبيا بأكملها.

السياسي والثقافي
ويخصص الشاعر في باب الفكر ورقتين تتحدث إحداهما عن جدلية الثقافي والسياسي وهي قراءة في السياقين العربي والليبي، واصفا أطر العلاقة بينهما أنها رازحة في بقعة متحركة بين الفصل والوصل، تتراوح الحركة فيها بين تحكم السياسي وتمرد الثقافي.

ويرى على صعيد التجربة العربية المعاصرة أنه يمكن الحديث عن ثلاث لحظات أساسية، الأولى تصدر فيها الثقافي جبهة الصراع والمواجهة مع الآخر الاستعماري والحضاري معا، والثانية تمايز الثقافي عن السياسي، وإن كان هناك حيز متداخل ومتشابك ظلا يتحركان فيه، حيث استمر السؤال النهضوي مطروحا، لكنه أخذ في هذه المرحلة صيغة التساؤل عن الإطار الملائم لبناء الدولة، وتتعلق الثالثة بلحظة المصادرة والشمولية، وفيها يستحوذ السياسي على المشهد برمته، حيث يعمد جاهدا إلى إلغاء دور الثقافي، إما بمصادرته وإلحاقه بجهازه الأيديولوجي، وإما بقمعه في حالة التابي ونفيه خارج دائرة الفعل والمشاركة.

وحول إشكاليات البحث التاريخي، يبين المؤلف في الباب الأخير «التاريخ» عن تكون مسارين يلتقيان في عنوان البحث ويختلفان في أوجه التناول، يتوزع الأول بين طبيعة الحقل المعرفي التاريخي وذاتية المؤرخ، ويأتي الآخر من خارج طبيعة الحقل.

وينبني المسار الأول على عدد من المقتضيات المنهجية، منها الالتزام الذي لا مفر منه في تدوين الأحداث، ثم استحالة التجرد الكامل من الأهواء الذاتية، أيضا ما يسمح برؤيته أو النموذج الإرشادي الذي تتم في إطاره عملية التدوين، في حين يتحدد المسار الثاني بتدخل السلطة السياسية أو الحضور الثقيل للمقدس، بالإضافة إلى التعصب المذهبي أو القومي أو القبلي.

المزيد من بوابة الوسط