صالح قادربوه: علينا رفع صوت التنوير أمام صوت العنصرية والترهيب والعنف

عبد السلام الفقهي يحاور الشاعر صالح قادربوه (تصوير: منتصر الشريف)

للنص الإبداعي تراكيبه المتشابكة من التأويلات والصور والأفكار القارة في عمق المخيلة، والنص الشعري هو جزء من نتاج هذه العلائق المسكونة تكويناتها بالقلق.

وفي الفضاء الشعري الليبي الحديث كجزء من النسيج الشعري العربي والعالمي، تظهر تلك التكوينات حبلى بأسئلتها الخاصة ونافدة على كشوفات تحاكي منابتها المحلية، ومهمومة بدواعي الوجود الإنساني، عبر سبر يحاول مساءلة تياراتها الشعرية السالفة والمجايلة.

ولعل الفورة الشبابية في شعراء من عرفوا بـ«التسعينيون» تمثل إحدى إفرازات تلك الأسئلة، ما يقودنا لمعرفة آفاق رؤيتها الشعرية، ومدى إدراكها تحديات المراحل، وفهمها أسس الخطاب الفكري والثقافي، وذلك في حوار لـ«بوابة الوسط» مع الشاعر صالح قادربوه.

في كتابك «تقنية المرح، توقفت عند فوبيا الزمن للشاعر، هل قصدت الديمومة الشعرية من عدمها؟
بدءا أود الإشارة إلى أنني من الكتاب الذين يؤمنون أن العمل الأدبي ليس فقط نصا استهلاكيا يُكتب ويُترك للقراء، بل هو نص صادر عن رؤية فنية لها خلفيتها الفلسفية ووجهة نظرها التقنية الحازمة، وقد صدّرت كتابي «تقنية المرح بهذه العبارة المهمة في نظري لأفتح سؤالا كبيرا لم ينطلق من مصدر فوبيا حقيقة، وإنما يحاول إعادة حالة النقاش الغائبة بخصوص الكتابة وموادها الأولية وتوليفتها وبنياتها ودلالتها، من موقع مسؤوليتي ككاتب تجاه ما خلفته وسأخلفه من نصوص، وهذا ليس مستغربا ولا هو بدعة ابتدعتها؛ إذ فعل كتاب أثيرون كثيرون ذلك قبلي، وبعضهم كان لما كتبه من حاشية على متن كتابته أثر بالغ في الوعي بكيفية عمله وطرائق نقودها العلمية، التي لا يمكن أن تنزاح عن شهية السؤال الثقافي. وعودة للسلطة الزمنية على النص فإنني مستأنس بأن تاريخ الكتابة الأدبية أكد لنا ديمومة أثر النص الجاد وحيويته، التي لم ينتقص منها تداوليا لا الزمن بتعاقبه ولا مسيرة وعي الإنسان باختلالاتها أو قفزاتها، فقد كان النص حارا في عصره، وما زال وسيظل براقا في عصور لاحقة؛ إذ إن الوثيقة الفنية أبقى من فكرة التعاقب الزمني أو فلنقل هي متصالحة معه بكيفية أو بأخرى، وتداولها هو ما يضعها داخل زمن الحاضر تماما بقدر ما كان لها من وقع في الماضي على صعيد القيمة الإنسانية، مع تقدير ظرف كل فترة وذائقتها قطعا.

أشرت أيضا إلى حمى كسر التابوهات، هل ما زالت التابوهات التقليدية حقلا جاذبا كموضوع؟
كان التوجه في كتابي إلى إعادة الاعتبار إلى الشكل والإمكانات الهائلة التي يحتملها جسد النص، وأن ميزان العمل هو بالمناصفة بين شكله وما يدل عليه، وتناولت هناك موضوع التابوهات للتوجيه نحو تخفيف النص من أثقال السلط المتعاقبة لغير المباح وكذلك بالمبالغة باستعماله، لكن تابوهات عصرنا في ظني تختلف عن تابوهات عصور سبقته، وشخصيا لا أعد منافحة سطوة مظاهر العقيدة ولا هاجس الخوض في سياق الجنس مثلا من مغريات كتابتي، وهذا خياري ولكل خياراته، وهو ما يجعل ميدان الكتابة متنوعا، ويعطي الأفكار اتساعا لا يُحَدُّ فقط بتعريف تاريخي للممنوع والمباح.

تبدو مشغولا باللغة في ديوانك «التأويل الوردي» أكثر من انشغالك بالصورة أو الفكرة؟
كنت قدّمت للديوان بالاحتفال الكبير بالصورة؛ إذ جعلتُ الصور -استنادا إلى عبارة لأكتافيوباث- أولوية في الصياغة الشعرية، أما الفكرة فقد كانت الدم الحار الذي غذى كل ألعاب الكتاب، ولغة اقتراحاته الجمالية. نعم هاجس التنويع اللغوي كان حاضرا وهو ما استدعى مع ضرورات أخرى كتابة بيان مختصر في كتابي الذي تلاه، وما زال هذا التفكير والمحاولة لصنع لغتي داخل اللغة باكتشاف ظلال غير مكتشفة في هذه اللغة الأصل أمرا فنيا أحب فعله، ويستهويني خوض المغامرة بقربه وداخله.

تحت عنوان «ممنوع الابتسام» قلت: «رائحة لهجات عامية لا يستعملها أحد»، هل يترجم ذلك موقفك من الشعر العامي؟
أظنه تسليطا للضوء على تفاصيل واضحة البروز بالنسبة لي وإن تكن تخفى على البعض، من بينها تجاهل عمل درس اللهجات المقارن «إذا وجد» في إثراء حقل الكتابة الأدبية، لا للغتنا وتفريعاتها فقط، بل لكل اللغات الحاضرة في العالم؛ أي لغة الكائن، وبالأخص في المستوى التصويري. أما هذا النص فقد كان استدعاء كولاجيا متقنا لتفاصيل الحياة والفلسفات التي تقف خلف وجود هذه التفاصيل واقعيا، مع الانتباه الحاد لكون الإنسان المعاصر خَلْقا سياسيا، لم يعد ممكنا للأسف تبرير أي من أفعاله خارج دائرة تأويل النظام أو تأويل الخروج عليه.

نص «الغريب» يوحي بموقف يساري حاد من المجتمع، ألا يضعك في سوداوية مبالغ فيها؟
هو حضور الفرد بذرة مغلفة بالقشور في طاحونة الثقافة المادية والعالم الحداثي، وهو في رأيي نص ناجح من الناحية الشعرية، ومعبر أمين عن قناعتي الفنية خلال العقد الأول من هذا القرن، وربما بالفعل هو منطوٍ على موقف نقدي حاد من المجتمع الجديد، أو بالأصح المجتمع الذي لم يفلح حقيقة في أن يكون جديدا، وربما كانت روح السخرية القاتمة فيه هي ما يحيل لكونه نصا سوداويا، لكن أظنه يجد الصدى الكبير عند كل من يقرأه بصفته مرآة جمالية صقيلة للتعبير عن وجعيه الروحي والفكري.

تجربة الألوان والمدارس الشعرية تحولت عند البعض إلى ما يشبه الموضة أكثر منه إدراكا معرفيا؟
نعم، هذا مؤكد، ولعل غياب حالة النقد الجاد الذي لا ينقطع عن المواكبة والنقاش والتشريح والتأويل للنتاج هو من المسببات الكبرى لذلك، وهي ظاهرة عربية لم تنحسر منذ عقود، وهذا مؤسف جدا، ولكنه لن يدوم؛ فالحياة في النهاية تنحاز للوعي علميا كان أو جماليا، وستأتي العقود المضيئة معرفيا قريبا دون شك.

يعلق بعض الشعراء والكتاب فشلهم على غياب الدعم المؤسسي، ما حقيقة ذلك؟
من حق الكاتب المتميز أن يحظى بتقدير وخدمات تليق به، لكن المقام الأول في اعتباره هو عمله على منجزه وإرثه بشكل فردي، والدور الأكبر للمؤسسات الرسمية أولا وشبه الرسمية ثانيا ينبغي أن يتوجه لحماية مجموع الثقافة الوطنية والترويج لها ودرسها ونقاشها وتحليلها.. إلخ، بمعنى أن يكون مشروع الوزارات أو ما في حكمها وكذلك المؤسسات الثقافية غير الحكومية هو الإرث المعرفي الجمعي، ممثلا في الأفكار والنتاج الفني والأدبي وكل ما يدور في فلكه ومرجعياته وآفاقه، فالكاتب هو سيد كتابته وهو أول من يرفعها أو يحط من شأنها، وكذلك الفنان سيد فنه، أما إلقاء اللوم على الدولة فهو يصدق في جزئيات رؤية المؤسسة والنقاش حول استراتيجياتها، ولكنه بخصوص وضع الكاتب ليس الحقيقة الكاملة طبعا.

أين تقدم النص الشعري الليبي الحديث وأين تأخر مقارنة بالتجربة العربية؟
يتقاطع هذا النص مع تجارب من المشهد الشعري العربي، فهو ليس فريدا وليس أيضا متأخرا، بل هو نتاج شعراء أفراد لكل تجربته واقتراحاته الفنية ومرجعيته، لكن لأن حركة الإعلام الثقافي في بلدنا والنقد كذلك ليس بمستوى الطموح والمأمول ظل هذا النص متأثرا بغياب ليبيا الثقافية وليس تراجعه لأسباب تتعلق بالجودة الفنية، كما أن هناك حالة تمييز لا يمكن إنكارها من مراكز الثقافة التقليدية تجاه نتاج بلدنا ويسهم فيها الجيل الجديد وجزء من الأجيال السابقة، لكن في ظل هذه الفتوحات التقنية الكبرى التي هي سمة عصرنا أظن أن بعض أثر ذلك سيختفي، مع ضرورة حضور النقد والصحافة الأدبية الحقيقية.

البعض يرى أن الملاحق الثقافية أساءت للمشهد الشعري عبر نشر نصوص رديئة، ما رأيك؟
هذا بكل أسف أمر واقع، فالصحف كانت وما زالت تحت سطوة ذائقة الممول أو ذائقة مسؤول التحرير ومسطرة الخط التحريري، كذلك غياب النقد بمعناه الجاد كان مساهما أكيدا في استمرار هذه الرتابة الصحفية، وبينما كانت الصحف الأدبية في العالم تتبنى رؤى طلائعية وتعبر عن تيارات وتفرز أسماء تؤثر لعقود لم تتلقف صحافتنا أيا من ذلك الإرث، ربما لأسباب عدة معرفية واقتصادية وأمنية، وسياسية بالتأكيد، وهذا لا يعني أن كل الصحافة الثقافية في بلادنا هي كذلك، فبعضها يحاول أن ينتهج خطا تنويريا، لكنه بكل صراحة محدود الأثر.

شكل الفضاء الإلكتروني منصة للكثير من الشعراء الشباب، كيف تنظر لهذه التجربة؟
لقد انتعشت بالتأكيد في الشبكة حياة كثير من كتاب جدد ونصوص جديدة، ترويجيا أقصد، فرغم هذا الانتعاش ظلت حالة عدم التمييز حاضرة، بل تعقد الأمر كون الإنترنت ليس فضاء نقديا نقيا أو نظيفا، فازدهرت أصوات ومشاريع ثقافية وكتابية ملفتة، إلى جانب عدد هائل من الأصوات والمشاريع التي لا يمكن اعتبارها أدبا بكل أسف.

في نص «Libyan way» من مخطوطك «قبلة في مطار عسكري» تلمّح إلى انسداد أفق الرؤيا، من المدان هنا «نحن، السلطة، التقاليد، العرف، نمط التفكير»؟
الأزمة في يقيني هي معرفية أساسا، كما أن وهم التحول المجتمعي دون أن ينجز انتقالا واعيا من قيم متخلفة عميقة إلى قيم الحقوق العامة وصد الانجراف الدائم في مسار نهر النمط الاجتماعي الدفاعي تجاه النقاش والتفكيك والتأويل والتنوع خلّف هذا النمط الليبي الذي يهيمن في حقول التربية، بما يرفعه ليكون سلطة قد تكون أقسى من السلطة السياسية المتخلفة التي كانت وما زالت تحكم الناس هنا، مع غياب الوعي الدستوري حتى من أدعيائه حين الاستقطاب، مع نزعة للاستقواء بالنفوذ، لحقه للأسف توكيد هذا الاستقواء بواسطة السلاح، كل ما سبق وما ذكرته أنت هو أزمة كبيرة كارثية عندنا، علينا أن نقف جميعا في وجهها، محاولين أن نرفع الصوت التنويري أمام كل أصوات العنصرية والترهيب والتعنيف ونبذ الرأي المخالف، وإتباع ذلك بالعمل المؤثر، خطوة صغيرة نحو مساحة متقدمة في هذا الممر شديد الضيق.

أنت شاعر« تسعيني».. من الذي يميز تجربتكم عن باقي التجارب الشعرية؟
طبعا التسمية لا تكفي، لكن ما ميز حركة هؤلاء هو اتصال وثيق بالهوية الوطنية مع انفتاح واسع على المشهد العربي، ومتابعة لما يصدر عالميا والنقاش حوله، واقتراح أشكال منطلقة من اجتهادات تم الدفاع عنها بصرامة، ورغم أن الحدة كانت حاضرة بشكل واضح لمقاومة تقاليد أو إعادة فتح ملف الفنية أسلوبيا ومفاهيميا لكنها اتجهت لتحريك الراكد مع نشاط حقيقي في مجال التحرير الثقافي والتنشيط، مما أسهم في وعي هذا الجيل لقيمة الإدارة الثقافية وخطورتها، وقد أنتجوا كتبا جديرة بالقراءة ونقدها كيفما كان ما أفضى له هذا النقد، على الأقل كان جيلا حيا يتحرك ويتنفس ويعيش الحلم الثقافي، ويؤمن أن الكتابة هي مجد العقل البشري.

كيف ترى التجربة الشعرية الشبابية الحالية.. هل لك أن تشير إلى بعض الأسماء؟
يمكن بالطبع ذكر أسماء، لكن لا يمكن توجيه النظر لتجارب، جيل قارئ ومنفتح على التقنية والعالم، تقنيا يستخدم ألعابا موجودة سابقا والآن، أنا موقن أنه ستظهر أصوات مهمة من بينهم، لكن داءهم التقوقع حول الظن بامتلاك الشفرة، والانتقائية والقطيعة، والدخول لفخ الجوائز والأضواء، لا يمكن التعميم، وطبعا لا يمكن الإمساك بتجربة مكتملة، سننتظر والوقت كفيل مع مؤازرة النقد، الذي لم يأت بعد.

عبد السلام الفقهي يحاور الشاعر صالح قادربوه (تصوير: منتصر الشريف)