في ذكرى وفاته.. «الوسط» تعيد نشر حوار «الجليس» مع أحمد إبراهيم الفقيه (2/2)

أحمد إبراهيم الفقيه (الإنترنت)

بالتزامن مع الذكرى الأولى لوفاة الأديب الليبي الكبير أحمد إبراهيم الفقيه، تعيد «بوابة الوسط» نشر حوار مطول أجراه معه الكاتب عزالدين عبدالكريم ونشر في مجلة «الجليس» الليبية، في أكتوبر 2007، ونظرًا لطول الحوار ننشره على جزءين، فإلى تفاصيل الجزء الثاني والأخير..

دكتور أمام تاريخك الحافل بالعطاء وتميزك المشهود به، يبرز في ذهني سؤال قد يكون منطلقًا من أرضية محبطة أو جاهلة.... لا يهم، هل تجد نفسك قد أحدثت تغييرًا ما على أرض الواقع؟ أو أنك مجرد كسبت تحقيقًا لذاتك؟
لا يمكن فصل الذات عن موضوع ما في إطار ما، قد نسميه دور في الحياة، فبالضرورة مهنة القلم، مهنة فيها شيء نبيل متأتٍ من التواصل مع الناس بما ينفع الناس، فعندما أقرأ لنجيب محفوظ أستمتع معه، وقد أقرأ له وأجد فوق المتعة شيئًا يثري الوجدان والفكر والعقل، فكما يقولون القراءة إضافة لتجارب الحياة، تضيف تجارب لم تتم معايشتها أو المعاناة منها فعليًّا، وكثير من النظريات الأدبية تتكلم على التماهي مع العمل الأدبي، التوحد مع العمل الأدبي كأنك أنت مَن عاش الأحداث أو المشاعر، إذًا الأدب، وليس الأدب فقط، فإنه فيه نفع للناس، هذا بالضرورة، إذًا أنت بالضرورة تؤدي دورًا ما، في ناحية ما، في رفع درجة من الدرجات أو تعميق قيمة من قيم الحياة، هذا من الناحية الأدبية، من ناحية أخرى فإن جانب الرسالة قوي، وهو الجانب غير الأدبي فيما كتبناه، أي بمعنى أنه لو أخذت المقالات التي جمعتها في كتاب «ليلى سليمان»، حيث تحدثت عن أمور رأيت فيها جيبًا من جيوب التخلف في ليبيا في إطار قضية المرأة، إذ أنها كانت محاولة لتحرير المجتمع من التخلف، ساهمت بها بغض النظر عن أنها قد نجحت في إحداث تغيير أم لا، أنا هنا أشبِّه هذا الشأن كمسألة ما يعرف عندنا بالرغاطة وهو التعاون الجماعي لمجتمع القرية أو القبيلة من أجل إقامة بناء أو حتى جزء منه، أنت لن تكون شمشون الجبار الذي بني أو هدم المعبد، عليك أن تضع لبنة في هذه «الرغاطة».. فلهذا السبب وبشكل ما لك دور، دون ضرورة التوقف عند حجم وقوة هذا الدور، أو هل هذا الدور اتفق مع أحلامك وطموحاتك عندما بدأت تكتب؟ أو فيما إذا كنت واعيًا به أو لم تكن.

 بالنظر إلى الرواية في ليبيا وتقييمها، تخرج علينا أحيانًا آراء تدعي بأن الرواية الليبية غير موجودة، على أية أرضية ترى قد تم بناء مثل هذه الآراء؟
 كلُ حُر فيما يقوله، من الممكن أن رأيًا كهذا بني بسبب أن التركيز في بدايتنا تمحور على القصة القصيرة، فقد ساهم الليبيون في إنضاج وتطوير القصة القصيرة في الوطن العربي وكانت مساهمة مهمة جدًّا بشهادة الكثيرين من الذين كتبوا أطروحات دكتوراه، ودرسوا هذه الفنون العربية وهناك اعتراف بدور ليبيا في القصة حتى من الريادات الأخرى في الأربعينات والثلاثينات بالذات، حيث كانت القصة متطورة عندما كتبها الليبيون.

الآن أكاد أن أقول إن الرواية الليبية تعتبر من المستويات الأولى في الرواية العربية وهذه بشهادات قيلت في محافل، حيث قيل إن الرواية الليبية تأتي على رأس القائمة في النضج، ليس بالكم ولكن بالكيف. وهذه الشهادات جاءت من أناس معترف لهم في التنظير للرواية العربية وتحليلها ونقدها وفي محافل عربية ودولية مثل سعيد يقطين الذي يعتبر من رواد نقاد الحداثة الأوائل في الوطن العربي، كذلك من أحد النقاد المحدثين جدًّا وهو عبدالله إبراهيم.

الثلاثية استقبلت بترحاب كبيرفي أنحاء الوطن العربي وحتى أوروبا وآسيا. صحيفة «الغارديان» البريطانية قالت إن الأعمال تبعث على الإحساس بالعبقرية، فهل تجسد الثلاثية ما وصفه بعض النقاد بحالة الاغتراب والحلم؟

موجود، نعم موجود.. من يبحث عن شىء فإنه يجده.لأن النص كبير ويمكن أن يستوعب هذه الإحالات.

في ذات الإطار، تحدث البعض عن تجاوز خطوط لم يتم الاقتراب منها من قبل.. ماذا تقول؟
والله لا توجد خطوط لم يتم الاقتراب منها، ومن الممكن توسيع الخطوة، كلنا نسعى لتوسيع الخطوة ما الذي يضير تقدم كل منا خطوة فخطوة في هذا الفضاء الذي نتحرك فيه، لأنه بهذا سيتم رفع السقف السياسي والاجتماعي وما يسمونه التابوه؛ التابوه الجنسي، الديني والسياسي، هناك آخرون قبلي تجرأوا على هذه الأشياء وحاولت أن أزيد 5 سنتم، وكل يتقدم مسافة ما في اتجاهات زيادة المساحة.

حيال ما يعرف بالحلم الذي هو ملازم لأي مبدع يطمح للتغيير من أجل الارتقاء، تحول هذا الحلم الذي كان في متناول المخيلة بشكل واضح عززته المنطقية، إلى ما قد يصفه البعض بشكل فيه كثير من الاستسلام بأنه أصبح ضربًا من الهلوسة وسط تردي وطننا العربي اليوم والمنعكس على كل رقعة من هذا الوطن وأي جمع من الناس؟
 تقصد الحلم القومي طبعًا.. الشعوب تمر بفترات، المراحل التاريخية تعرف نوعًا من التأكيد على أجندة ما، ثم إلى أجندة أخرى، كانت الأجندة هي التحرير في الوطن العربي وأفريقيا وأميركا اللاتينية، ثم تهيأ لنا لبعض الوقت أن الأجندة الأولى بعد التحرير هي الوحدة لأنك رأيت في هذا الاستعمار قيدًا على انطلاق هذه الوحدة، فانتهى هذا القيد الذي يمنعك من الالتقاء ثم تم اكتشاف أن هناك قيودًا أخرى، وبدل أن ندخل تدريجيًّا في تحقيق هدف الوحدة صدتنا عراقيل كثيرة أخرى، إذًا وجدنا أنفسنا أمام رمال ومستنقعات وعوائق شتى عند توجهنا للوحدة، من هنا كان من المفترض أن نعبد الطرق للوصول للغاية دون أن نضطر لدخول أرض المهالك، كان من المفترض خلق برنامج وسط المربع القطري الخاص، والتركيز على محاولة الانتفاع من التنمية القطرية، لأنه في رأيي أن التنمية القطرية تحقق الوصول إلى المشروع الكبير، أحيانًا دون شعارات يمكن الوصول، انظر إلى أوروبا التي لم ترفع شعارًا على الإطلاق، فلم نسمع في يوم من الأيام في أوروبا فكرة أوروبا واحدة ذات رسالة خالدة ولا أوروبا من المحيط الهادي إلى الأطلسي، لم نسمع.. ما الذي حدث في النهاية؟ هم لم يرفعوا شعارات وحققوا الوحدة، تحققت بالتنمية القطرية، بمعنى أنه عندما أقوم بتنمية بلدي، أجد بأنه عند قيامي بأي برنامج تنموي مع جاري، فإن تنميتي الذاتية تزداد وتكبر وكلما وسعت مع الآخرين يحدث توسع في المردود عندي، وبالتالي تم رفع حتى المعاناة عن المواطنين في الدول الأوروبية من حيث توحيد الإجراءات وتسهيلها، بلجيكا أصبحت مفتوحة مع لوكسمبورغ ولوكسمبورغ أصبحت مفتوحة على ألمانيا.. وألمانيا على النمسا... وهنا يبرز السؤال، هل يمكن للتنمية القطرية الوطنية أن تقود للأهداف الكبيرة؟ المؤسف أننا ذهبنا في طريق عكسي.. بدأنا من الحلم ليتجسد في الواقع، في حين أنهم بدءوا من الواقع المحلي فوجدوا أنفسهم قد حققوا حلمًا كبيرًا.

 بين زمن كتابتك الثلاثية وهذا الزمن برز كثير من الأحداث التي أدت إلى كثير من المتغيرات وقلب كثير من المفاهيم على أرض الواقع والتي فاجأت البعض، خاصة من حيث تجدد رغبة الهيمنة الاستعمارية، ألا تعتبر حالة كهذه جديرة بالتوقف أمامها، مما قد يستوجب إعادة النظر في القضايا المطروحة في الأعمال الأدبية كافة؟

 أنا أرى أن الهيمنة طول عمرها تقودها مصالح.. لا أتصور أن هناك قرية في الدنيا بها قاعة سينما لا تعرض أفلامًا أميركية، ولا أعتقد أن هناك دكانا في العالم لا يبيع الجينز الأميركي، ولا أعتقد أنه يوجد كشك في العالم لا يبيع المالبورو، إذن هذه الدولة أي أميركا عندها مصلحة في كل بقعة في الكرة الأرضية، ولعل لها مصالح في قاع المحيطات والبحار بسبب مواد مفيدة «لناسا»، أنا كدولة صغيرة ليس دوري البحث عن مصالح أميركا حتى أذهب لمحاربتها، لأنني لا أستطيع، دوري هو الذود عن حياضي، هذا المربع علىَّ أن أحميه من أن يتحول إلى مصالح نفوذ تضر بمصلحتي، قد تتقاطع المصالح، لا بأس، في إطار تبادل تجاري محدد، في سلام وأمان، أهلًا وسهلًا، ولكن يجب ألا تتحول أجندة أميركا لتصبح أجندة البلد المعني بالعلاقة مع أميركا، بحيث تتخذ أميركا هذا البلد أو ذاك لتحقيق مآربها عبر الانطلاق لضرب بلدان أخرى على سبيل المثال.

طالع: في ذكرى وفاته.. «الوسط» تعيد نشر حوار «الجليس» مع أحمد إبراهيم الفقيه (2/1)

على مر التاريخ، الرغبة في الهيمنة كانت حاضرة، والتاريخ سجل لنا استهدافات الإمبراطورية الرومانية، الفارسية، وظهر في التاريخ جنكيز خان وهولاكو والإسكندر الأكبر، فالدول الكبرى تصبح لها أهدافً كبرى أيضًا قد تصل إلى التهيمن العسكري، ولكن هناك تصرفات حمقاء في بعض البلدان تقود إلى التصادم، فمثلا صدام حسين أراه بأنه هو من جاء بالكارثة، فأميركا صاحبة مصالح وعندما تجد ذريعة وسببا فإنها ستتصرف، وأميركا ليست جمعية خيرية تقوم بإنقاذ الشعب العراقي من صدام.

من واجبنا تقوية كل قوى المناعة في الوطن العربي لكي لا تصل إلى المواجهات غير المتكافئة، وأن نحمي أنفسنا دون أن يطمع فينا الآخرون. لأن ضعفك هو ما يقود الآخرين للطمع فيك، والضعف يبرز من خلال جملة أمور، من بينها إساءة التعامل مع أناسك وبلادك.... فنحن نريد وطنا عربيا قادرا على استنفار كل القوى الحية القادرة على الثأر وعلى التقدم، لأن المعركة قبل أن تكون معارك سياسية ومعارك سلاح هي معركة حضارية ونحن في مرحلة يعد العلم فيها هو الأساس.. الثقافة وسيلة للتقدم والتطور، ولو قمنا بتركيز اهتمامنا على العلم والتعليم والثقافة والمعرفة وقمنا بالاستفادة من الثورة الرقمية وثورة التقنيات الحديثة، لاستطعنا تحصين بلادنا وتعزيز الأمن القومي للأمة العربية.

وصف الناقد الدكتور شعبان عبدالحكيم قرية «قرن الغزال» في روايتك «حقول الرماد» بأنها رمز للوطن الآيل للسقوط، إذا اتفقت مع وصف الناقد لهذه القرية، ألا ترى بأن ما تعانيه القرية قد امتد ليشمل رقعا أكبر من مساحة «قرن الغزال»، وإذا كان الحال كذلك، هل يمكن اعتبار الرواية منشورا قائما يدق ناقوس الخطر؟
 أنا كتبت رواية «حقول الرماد» وصدرت العام 1985، وتحدثت عن حقبة ما قبل الثورة حيث كان هناك نوع من الاحتقان السياسي، ونوع من التمرد والنقمة على السياسات المتبعة قبل الثورة، فهي إذًاً لم تكن وصفًا لوطن ينهار بل لنظام ينهار.. ووضعًا آيلًا للسقوط أي مرحلة ما قبل السقوط والذي فعلا تحقق بمجيء الثورة التي أجهزت عليه وانتهى إلى غير رجعة. ولكن كان هذا مجرد خيط رفيع في الرواية، فالرواية أساسًا لم تتحدث عن الوضع السياسي، حيث إن السياسة شكلت جزءًا بسيطًا جدًا يمكن تحديده بنسبة 5%، أما باقي الرواية فقد تمحور حول تاريخ مشاعر، وانفعالات، وعلاقات بين البشر، كانت فيها سلطة، فيها ظلم، ولكن فيها حب، فيها ضعف إنساني وفيها عادات وتقاليد، «قرن الغزال» كانت واحة وفيها شيء وجودي فلسفي، وهو غربة الجمال في البيئة القاسية القبيحة التي كانت تحيط بتلك الوردة التي مثلتها بالبطلة، وكيف كان هذا الجمال غريبًا وحزينًا في تلك البيئة القديمة وعاداتها المسرفة في انغلاقها وفي القوانين الظالمة في ذلك الوقت.

 قلت في أحد لقاءاتك بأنك تحاول ألا تسجن نفسك في السجن البنيوي أو سجن العاطفة الاجتماعية بل تسعى دائما للخروج إلى ما هو إنساني، هل استطعت أن تحقق شيئًا من خلال ولوجك إلى الحيز الأوسع؟
 لا...لا.. إن قلت هذا الكلام لا شك أنه غير دقيق، أو الصحفي لم يقم بتلخيص كلامي تلخيصا دقيقا... لا.. أنا قلت بأن عيني في كتاباتي وأدبي دائما ما تتركز على البعد الإنساني، وهو ما يتحقق من خلال أكثر الأشياء محلية والتي تمثل المحيط مهما كان هذا المحيط ضيقًا أو نائيًا أو معقدًا. القرية النائية مهما كانت محليتها من الممكن أن يبزغ شيء منها، أو تبقى في محليتها ولهذا عيني على البعد الإنساني الذي يتحقق من خلاله التواصل مع أي مجتمع إنساني في أي زمان ومكان.

عندما ترجمت روايتي للغة الصينية وأقيمت الندوات حولها رأيت أناسا قد وجدوا في جميلة أشياء تماثلها في الأدب الصيني وأشياء حصلت في الصين، فهي تتماثل وتتقاطع معها مع أنها حصلت في واحة ليبية بعاداتها وتقاليدها غير الموجودة في الصين، بمعني أنني جعلت الناس يتواصلون معي، وهذا النوع من التواصل هو الذي أسعى إليه، وأحاول التركيز عليه في أي عمل أقوم به مهما كان غارقا في محليته أو لونه المحلي، أو نكهته المحلية... هذا ما قلته... أما جزئية السجن بما يعني القولبة هنا فأنا ضد القولبة، ضد القولبة حتى في القواعد والأسس في الكتابة المسرحية والقصصية فرغم احترامي الشديد للقواعد والأصول التي أحترمها ولكنني لا أكتفي بها ولا أسجن نفسي داخلها، ولا أستهتر بها. ولكن... عندما أخرج عنها أخرج خروجا مدروسا مفهوما وواضحا..

إلى أي حد نجح النقاد في الاقتراب من وجدانك والغوص في أعماقك وتقريب أفكارك للمتلقي؟
 لا أدري، لكن ما أدريه وأبتهج له هو أن أعمالي حظيت باهتمام كبير وبنوع من الإجماع على الاحتفاء بها.. لقد كان هناك احتفاء بكل ما أنجزته على مستوى الإبداع الأدبي، احتفاءً كبيرًا، وليس مجرد احتفالية، وإنما احتفاء نقدي مدعوم بالدراسة والبحث والتعمق في الكاريزمات التي صنعت هذا الإبداع وهذا الفن وقواعده وقوانينه الواسعة ومعماره فإذًا هي دراسات، بحوث، ونقد علمي وحتى غير العلمي، والذي هو انطباعي لكتاب معروفين وأفخر بأن قائمة الذين تكلموا عني شملت 90% من نقاد معتمدين في المشهد الثقافي العربي، ويكفي أنه صدر عني كتابان «نار الشرق العاشقة» بأكثر من 60 أديبا وناقدا تكلموا عن الثلاثية وحدها، وكتاب آخر اسمه «سلطة الخيالة التعليمية» من حوالي 600 صفحة.

كتبتَ ذات مرة «... لا شيء يملأ هذا الفراغ المفزع إلا الغناء..» هل يلبي كم ونوع غناء هذا الزمن احتياجات ملء الفراغ المفزع؟
 الغناء إلى حد ما شيء أصيل وأساسي في حياة الإنسان منذ أن كانت أمك تهدهدك رضيعًا وهو ما تعودت أذنك وجسمك وخلاياك ومسامك عليه، هذا النوع من الغذاء الفني الذي يدخل عليك شيئا من البهجة والهدوء والسرور، فمسيرة الإنسان من مهده إلى لحده مرتبطة بالغناء كنوع من أنواع التغير الإنساني، من الجماليات في الحياة.

سألت عن غناء هذا الزمن؟
ما ليش علاقة..... الحمد لله في عصرنا هذا تم اختراع آلة التسجيل، فمثلا أنا أحب أن أسمع لعبد الوهاب وهو ما زال موجودا رغم أنه مات وموجود طول الوقت، وما يدور الآن من أغان يمكن أن ترضي ابنتي أو ابني، وهو ما لا أعترض عليه، ولا أقول رأيا فيه «دعوا أولادكم لأنهم خلقوا لزمان غير زمانكم» يمكن الأشرطة التي استعملها في سيارتي لا يستطيع ابني سماعها والعكس.

قلتَ: «أجمل الأوطان وطن تزهر فيه الأغاني» متى كان فصل ازدهار الأغاني في ليبيا بهيجًا؟

 أنا في الحقيقة قلتها..... ولكن، هناك أقوال أخرى رددت هذا المعنى، ابن خلدون شبه فن الغناء والألحان كزهور الشجرة، فعندما تسقط الأوطان والحضارات فإن أول ما يتم تدميره في الأوطان هي الفنون لأن هذه الزهرة هي أول ما تتم إصابته في الشجرة عندما تستهدف، وأول شيء يتفتق هي الأزهار فهي أول ما يضرب وآخر ما يظهر، هي مرحلة تغيير وتتويج لمرحلة الازدهار تمامًا كالشجرة، هكذا ضرب ابن خلدون المثل وهذه علامة خطيرة، فالفن يعكس حقيقة الأوضاع.

«بالحب وحده نمتلك العالم وننتصر على عوامل القهر والإحباط» كتبتَ هذا مؤخرًا، ولكن هذه المعادلة.. ألا يلزمها لتثبيت فاعليتها ومنطقيتها، أن يكون هذا الآخر مؤمنا بالمقولة ذاتها؟
هذه المقولة تجسد معنى من معاني الرسالات السماوية، خذ المسيحية مثلًا فقد ركزت على الحب والغرب المسيحي ارتكب من الآثام ضد هذه الرسالة مما آذى هذه الرسالة بالحروب الصليبية والكوارث الكبرى، ما لم يكن مخططا لا من سيدنا عيسى ابن مريم ولا من سيدنا محمد ولا نوح، كانت دائما رسالة الحب جوهريه في أي فلسفة كبيرة وفي أي مذهب، الحب قيمة ايجابية، والكراهية قيمة سلبية وكذلك الكذب والبخل كلها سلبية، ويتحقق الحق، العدل، الجمال عندما تنتشر القيم الموجبة، أما السالبة فهي التي تصنع الحقد، عندما يسود المجتمع الحب تكون قد ضمنت كل الذي يحب بلده ويدافع عليها والذي لا يقهر، وهو الذي يصنع النهضة والتقدم. أنا عندي عقيدة بأن الحب طاقة إيجابية قوية، ونحن كبشر يوجد ما يجمعنا أكثر مما يفرقنا لأننا نتكلم عن الأوزون وعن أمراض في البشر مما يجعل البشرية تحتاج إلى أن تقف مع بعضها في ظل عالم أصبحت فيه بلدان مهددة بسبب المتغيرات المناخية مما يعني سيول وفيضانات قد تغرق بلدان وقارات بأسرها، فالتنبؤات تخرج من هنا وهناك تهدد بكوارث، فماذا لو جاء الزمن الذي عشنا فيه هذه التنبؤات. فقد تم الحديث عن جزر سانتي المهددة بالاختفاء، وتكلموا عن الدلتا بمصر، والتي هي مستوعبة عددا كبيرا من سكان مصر قد يصل إلى نسبة 75% تقريبًا، أعتقد بأن القوى الإنسانية التي كانت خلف مؤتمرات تعالج مثل هذه القضايا وقضايا المرأة رسالتها قوية، لأنها تهدف إلى التكاتف ومحركها الحب، وهذه دعوات مثالية.

نعلم جميعًا بأن البنتاغون والسي أي أيه، والوايت هول في بريطانيا سيستمرون في مخططاتهم .. ولكن يمكن للشعوب نفسها أن تحاصرهم بحب بعضهم البعض.. جدار من الحب يمكنه أن يبطل اختراق القوى الظلامية سواء كانت عندهم أو عندنا، وصدق الذي قال «أن الصراع ليس صراع غرب أو شرق إنما صراع أصوليات».

نشكر لك دكتور إعطاءك هذه الفسحة الزمنية لحوارنا هذا الذي أرجو أن يكون قد أحدث إضافة ما إلى قرائنا الأعزاء، ونتمنى أن يدوم التواصل فيما بيننا، مع تمنياتنا القلبية بدوام التألق والإبداع.
 شكرًا لكم وتمنياتي لكم جميعا بالتوفيق.


* نشر في مجلة «الجليس» الليبية - أكتوبر 2007