في ذكرى وفاته.. «الوسط» تعيد نشر حوار «الجليس» مع أحمد إبراهيم الفقيه (2/1)

أحمد إبراهيم الفقيه (الإنترنت)

حاوره - عزالدين عبدالكريم

بالتزامن مع الذكرى الأولى لوفاة الأديب الليبي الكبير أحمد إبراهيم الفقيه، تعيد «بوابة الوسط» نشر حوار مطول أجراه معه الكاتب عزالدين عبدالكريم ونشر في مجلة «الجليس» الليبية، في أكتوبر 2007، ونظرًا لطول الحوار ننشره على جزأين، فإلى تفاصيل الجزء الأول منه.. 

من نافلة القول إن ما يمكن أن تتزين به أية رقعة من الأرض من إبداع بشري في شتى مناحي العطاء الإنساني من أولئك الذين توالوا على هذه الرقعة أو تلك، سيصنفهم التاريخ كمصدر إشعاع وبالتالي يكونون مبعث فخر في أي مجال اختاروه ليبدعوا فيه وليعكسوا إمكانيات المجتمعات والشعوب الكامنة فيها.

في المجال الأدبي، والى جانب قمم شامخة في ليبيا، يفرض الدكتور أحمد إبراهيم الفقيه نفسه في سجل التاريخ الأدبي الليبي.

«رب صدفة خير من ألف ميعاد» كانت الكلمات التي حدثت بها نفسي عند التقائي بالدكتور إبراهيم مصادفة، خاصة عندما نعلم بأن إقامته بحكم مشاغله الخاصة حتمت عليه البقاء في جمهورية مصر العربية طيلة هذه السنوات، مما يجعل فرصة اصطياده صعبة إلى حد ما، رحب الالتقاء بمجلة «الجليس» وتحدد الموعد على عجل مما أحالني إلى عملية استرجاع سينمائية، حيث كانت صور الذكريات تتراءى لي معه، فمن قارئ متتبع لإنتاجاته، إلى الرغبة في تحويل أحد أعماله المسرحية التي نشرت وقدمت في لندن آنذاك باللغة الإنجليزية وترجمت فيما بعد تحت عنوان مسرحية «الغزالات»، وهي من الأعمال الصعبة التي رغبت في تحديها وتحويلها إلى عمل مرئي في سنة من سنوات عنفواني، وكان وقتها قد رحب بالفكرة وأهداني العمل، إلى تساؤلات حائرة سكنتني بسبب ثلاثيته التي نشرت في لندن، إضافة إلى رغبة التطلع إلى جديده، كتابة وأفكارًا، عشت حيرة كبيرة، فالالتقاء بالدكتور أحمد إبراهيم الفقيه، كما أحس لا يعتبر شأنًا صحفيًّا عاديًا.

خاصة أن محطات حياته الأدبية أعلنت مخاضات عدة على صعيد إنتاج الكلمة أو إنتاج الفعل عبر مسؤوليات عدة تقلدها، فمنذ أن أعلن اكتشافه اللا معقول بأن « البحر لا ماء فيه»، توالت عطاءاته الأدبية التي تندرج بين المقالات عبر الكتابة في أكثر الدوريات العربية شهرة وتخصصًا والمسرحيات والروايات، حتى فاجأ الجميع بثلاثيته العام 1991، التي فازت بجائزة أفضل عمل إبداعي في معرض بيروت للكتاب، ولم يتوقف أمر نشر الأعمال على اللغة العربية بل تعداها إلى ترجمة أهم أعماله إلى لغات أخرى الإنجليزية أولها والصينية، هذا إلى جانب توليه عديد المهام والمناصب الثقافية والفنية.

من أعمال الدكتور أحمد إبراهيم الفقيه المثيرة للجدل، وأُجريت معه بالخصوص بعض اللقاءات في الصحف العربية، ولأنني شخصيًّا فوجئت بهذا العمل الذي أراده أن يكون رواية في 12 جزءًا يكون التاريخ وعاءه، أحالني خبر هذا العمل إلى تجارب عربية أخرى مماثلة ولو كانت بعدد أقل من الأجزاء- على ما أعلم - والذي رأيت فيها نوعًا من كتابة التاريخ من زوايا قد تكون ذاتية نتيجة تجارب عاشها المؤلف ذاته أو شخصياته، لذا فقد حرصت على أن أبدي تساؤلًا قد يراه البعض من الضالعين في العلم بأنه غبي ولكن لاطمئناني بأن آخرين سيشاركونني فيه، فلم أتردد في سؤال الدكتور أحمد:

أين تلتقي روايات كهذه مع كتابة التاريخ؟
الرواية تختلف عن كتابة التاريخ، عن كتابة السيرة، أو كتابة التراجم، باعتبار أن الأساس الأول فيها هو الخيال، بينما التاريخ أحداث ووقائع حدثت، ويجب أن تكون أمينًا كمؤرخ في نقلها وتسجيلها، ولك الحق في تفسيرها وهذا ما يعكسه الاختلاف من مؤرخ لآخر، لكن كحقائق في الحياة فإنها قد حدثت في الواقع، لابد من أن تسعى لأن تكون دقيقًا في تحديد ما حدث وما لم يحدث، بينما في الرواية فإنه قد يحدث بأن نأخذ مادة مما حدث، عناصر مما حدث ونستلهم شخصيات موجودة في التاريخ، ثم نضيف ونصنع عالمًا موازيًا للعالم الموجود في التاريخ. أنا لا أنقل لك عالمًا، أنا تكلمت في هذه الرواية مثلًا عن طرابلس في الثلاثينات، ووجودها تحت الاحتلال وعن حاكم اسمه « بالبو»، وعن حركة وطنية وحركة شعبية، وحركة مدنية فيها بعض العناصر الليبية ممكن بأسمائهم ولكن لم أكن اكتب تاريخًا، ولم أكن ملتزمًا بأحداث التاريخ، ولا أضع في التاريخ حوادث لم تحدث، علاقتي بالتاريخ شيء واحد هو تاريخ العواطف والانفعالات ومشاعر الناس مشاعر القهر التي تعيشها الشعوب في ظل الاستعمار، ومرحلة من مراحل الظلم، وهذا حدث تاريخيًّا.

لكن كيف حدث ومَن قام به والعناصر إلى ما ذلك من التفاصيل، ربما يكون من أبطال روايتي عساس «حارس» في عمارة، تاريخيًّا من يدري عن هذا الحارس، لم يحصل أن تكلم التاريخ عن شخصية بسيطة مثل هذه في إحدى العمارات، وأخذ دورًا في الرواية، فهذا الفرق، أنت تصنع شخصيات وهذه شخصية ليست بالضرورة موجوده في الحياة، أنا صنعتها... اختزالاً وتلخيصًا وتمثيلاً لعدد من الرموز، لعدد من النماذج الشعبية الموجودة في ذلك الوقت، لابد أن نأخذ مواطنًا ومواطنة، نأخذ مواطنًا معادلا للوضع، نأخذ مواطنًا ثائرًا على الوضع.. نماذج لكي أقدم من خلالهم الرمز الذي كان موجودًا في البلدة، هذا نموذج المواطن الليبي في عهده الاستعمار الذي عاش في ظل « بالبو»، والآخر الذي جاهد غرسياني، والثالث الذي اُستُشهد في معارك الجبل الأخضر، ما أقوم به هو تقديم نموذج ومثل تتجسد فيه هذه الملامح التي كانت تميز الشخصية الليبية في تلك الفترة، سواء كانت في الريف، .أو المدينة، في نضال، في مهادنة، إذًا التاريخ يتم على الحقائق، والرواية تتم على الخيال، لا مجال للمقارنة بين الاثنين، لكليهما عالمه الخاص وان تقاطعا في تسجيل بعض المعالم الحضارية والتاريخية أو عند بعد اللحظات القوية في التاريخ.

طالع: رحيل الأديب الدبلوماسي الليبي أحمد إبراهيم الفقيه بالقاهرة

أعود إلى الاثني عشرية، هذه رواية عنوانها «خرائط الروح» بطلها شخص ليبي وهو بطل كل الأجزاء، وهي رواية متعددة الأجزاء، اثنتا عشرة رواية، كل جزء من الرواية يمثل لحظات ومحطات في تاريخ هذه الشخصية المحورية، فعالم الرواية عالم متعدد ومتنوع، هناك طرابلس في الثلاثينات، هناك الحبشة في حملة الطليان على الحبشة التي شارك فيها الليبيون، أيضًا صورت فيها الحرب العالمية الثانية ومسرح هذه الحرب في الصحراء الغربية، وفي جزء من مصر، وجزء من ليبيا ثم عدت إلى طرابلس الأربعينات حتى وصلت إلى الإدارة البريطانية، والنضال من أجل الحصول على الاستقلال وجزء منها يدور في الصحراء الليبية، والأجزاء الثلاثة الأخيرة تعتبر رواية صحراء بامتياز، فيها صحراء ذات ملامح عربية، إذًا هذا هو عالم الرواية. أنا ذهبت لمراحل تاريخية فيها دراما كبيرة لكي أستطيع أن أغطي هذا العمل بقوة هذه الدراما، فليبيا إبان الثلاثينات كانت فيها دراما، كانت هناك نهاية للمقاومة الشعبية، وكانت فيه محاولة للتكيف مع الحياة تحت الاحتلال وكانت هناك صفحات سوداء من صفحات التاريخ الليبي، وهي نقل هؤلاء الشباب من ليبيا إلى الموت في أفريقيا، وبما لا يقل عن عشرين ألف مواطن ليبي، ثم الذهاب بعدد من الناس أيضًا في الحرب العالمية الثانية، ثم نهاية الحرب، ودخول ليبيا في معركة جديدة مع دول الوصايا التي كانت متمثلة في بريطانيا بالذات، والمخاض الذي حصل قبل ولادة الدولة الليبية، وما حدث من تفاعلات بعد ذلك في العالم من الحرب العالمية وتداعياتها ونتائجها وما حدث إلى أن وصلت في ختام الرواية إلى حالة التحام ما بين الثورة الجزائرية وبعض العناصر الوطنية الليبية من ليبيا، فإذًا، فيه دراما كبيرة، ليست رواية تاريخية، لم أكن معنيًا بكشف صفحات التاريخ، حتى بالخيال بأن هناك رواية تاريخية تمزج الخيال والواقع، لكنني لست معنيًّا بالتاريخ إطلاقًا، التاريخ ليس إلا وعاء والرواية لابد وأن يكون لها زمان ومكان، أنا اخترت الزمان من نحو عشرين سنة من سنة 1935 إلى سنة 1955، هذه العشرين سنة في حياة رجل، وعن حياة ليبيا وحياة هذه المنطقة، فيها عن ليبيا، فيها عن الحبشة... حبشة أفريقيا، فيها الصومال فيها ليبيا والجزائر، ليبيا وتونس، ليبيا ومصر باعتبار أنه كان لهم دور في الحرب العالمية الثانية، فهي رواية ليبية مع جوانب عربية وجوانب إنسانية طبعًا، إنها دراما الحب والحرب والسلام، وهو ما موجود في الرواية.

إذًا الرواية ليست تاريخية ومجرد أنني وجدت عناصر تغذي هذا العمل الروائي الكبير الملحمي، فتوكلت على الله.

كم استغرقت في كتابة هذا العمل.. والى أين وصلت؟
 يمكنني القول إن هذا العمل استغرق نحو العشر سنوات، وقد أنجزتها بالكامل منذ عام، ولكن كما تعلم فإن وقتًا قد استغرق في طبعها وتصميم الأغلفة التي صممها الفنان الأستاذ محمد أبو طالب من «دار الهلال» وهو مستشار فني، وقدمت العمل لدار نشر وهى الهلال، وكان يحدوني الأمل في أن يتم فيه نوع من مشاركة من قبل اللجنة الشعبية للإعلام والثقافة، لأنه يهمني شرف الانتماء لمؤسسة ليبية.. المهم من الممكن أن تنشر قبل صدور هذا الحديث.

شهدت ليبيا عبر مؤسسات مختلفه حركة نشر لإنتاجات أدبية مختلفه، كيف تقيم هذه الحركة ونتاجاتها، وما الذي يمكن تصحيحه، إن كان هناك ما يستلزم التصحيح؟
للأسف لنقل إن ليبيا تقع في آخر القائمة في الإنتاج الثقافي، وإنتاج الكتب، بما يعني أننا لسنا من الدول المدرجة في إحصاءات صدور لا البحوث، ولا الكتب، ولا الترجمات، وهذا يجب أن يعالج.

نحن في آخر القائمة قياسًا بالوطن العربي، بل لماذا لا نقارن أنفسنا حتى بالعالم؟ لماذا لا نقارن أنفسنا بالعدو؟ لماذا لا نتفوق عليه، للأسف الكيان الصهيوني وحده يكاد يفوق إنتاجه كل الدول العربية وليس ليبيا وحدها، وهذا يكفينا لعدم الذهاب للمقارنه بدول مثل إسبانيا أو إيطاليا.

دون شك هناك مبادرات جديدة بعد ما قام به المجلس العام للثقافة، حيث قدم مجموعة من العناوين التي يشكر عليها ولكن يبقى العدد قليلًا، وكما تعلم رأينا نهاية الدار الجماهيرية وتجمد الدار العربية للكتاب، وهما الداران اللتان كانتا تحملان العبء، ومازال القطاع الخاص لا يستطيع ملأ الفراغ ولا تحمل العبء لأنه مازال حديثًا وفي حالة تلمس الطريق، ولا أدري إن كانت هناك أسس أو قواعد أو طرق تشجيع بشكل يؤهل هذا القطاع بأن يأخذ أعباء الدولة، خاصة وأنه يجب أن يكون القطاع الخاص قادرًا على مشاركة القطاع العام في دفع العجلة إلى الأمام، أرى بأن الأمر يحتاج إلى مزيد الجهود، ومع ذلك فإنني متفائل، لأنه وبصراحة هناك نوع من النشاط في أمانة الإعلام والثقافة.

بالنظر إلى عملية الإنتاج الأدبي والفني عربيًّا قبل أن يكون محليًّا، آخذين بالاعتبار الوسائل المتاحه كافة، ألا ترى معي أن الإنتاج في هذا الزمن يفوق بكثير حاجة المتلقي حد الاقتراب من العجز عن التمييز بين الغث والسمين؟
 كلامك سليم لاشك فيه، ولكنه ناقص، أي بمعنى الثورة المعلوماتية والسماوات المفتوحة والكمبيوتر وشبكة المعلومات وتقنية الأقراص الليزرية التي أخذت مساحة من وقت البشر في كل مكان، ولكن أيضًا عودنا التاريخ في التعامل مع التقنيات التي تأتي، أنه لم يتم التجني من قبل وسيلة من الوسائل على الوسيلة الأخرى، عند ظهور السينما قالوا مات المسرح، ولكن المسرح استمر، عندما ظهرت الإذاعة قالوا ماتت القراءة..استمرت القراءة.. خرج التلفزيون قالوا مات المسرح والقراءة والسينما.. واستمرت السينما والقراءة والمسرح... إذًا هناك طريقة ما لتوافق الأشياء الجديدة.. لأنها تخلق مساحة لنفسها ليس بالضرورة اعتداء على مساحة القراءة أو المشاهدة للمسرح أو المشاهدة للسينما.

طالع: بوكليب في رثاء الفقيه: أمض مخفوراً بسلام

النقطة الأخرى.. الثقافة.. فالوعاء الأساسي للثقافة في العالم هو الكتاب، حتى لواستخدمنا أدوات أخرى لإيصال الكتاب ربما نأخذه من على الانترنت، وبوسائل شتى أخرى، ولكن يبقى الكتاب هو الوعاء الأساسي للثقافة.. نعرف أنه قامت سياسات في العالم هدفت لبناء النهضة وتم إرغام المواطن على القراءة، المكتبة يفرضونها فرضًا ويجعلونها بين يديه، أنت عشت في بلدان شتى ورأيت كيف يلاحق الكتاب الإنسان أينما ذهب، بل أنهم يأتون بلوائح الكتب للمنازل ويخيرون المتلقى ويعودون إليه لاستبدال الكتب المستعارة مجانًا، في محطات القطار يجبرون الناس على القراء بفرض مكتبات صغيرة، يحاصرون الإنسان بالكتاب أينما حل، برامج الإذاعات مسموعة كانت أم مرئية تفرد حيزًا كبيرًا من برامجها لمتابعة إصدارات دور النشر ويستدعون المؤلفين والنقاد ويتحول أمر اصدار كتاب ما إلى حديث يومي، كل هذا بعيدًا عن أمر المناهج الدراسية حيث تعتبر المدارس مفاتيح للدخول في عوالم القراءة في كل مراحل التحصيل وحتى شهادة الدكتوراه، والغريب أننا في ليبيا وحتى العالم العربي، نعتبر شهادة الدكتوراه هي سدرة المنتهى، فهي في العالم الآخر المنبر ونقطة الانطلاق للاستزادة من المعرفة.

كل هذا يتأتى بوجود سياسات، وعدم وجودها معناه عدم خلق قاعدة للتعامل مع المعرفة، إذًا القاعدة التي تتلقى يجب أن تصنعها، ولهذا نرى الأرقام القياسية في استهلاك الكتب في بلدان أوروبية، العالم العربي لا يساوي ما يستهلكه من كتب ربع ما تستهلكه إسبانيا من كتب وتنشره من عناوين، لا تحضرني الأرقام الآن، لكنها مخجلة ومؤسفة وباعثه على الحزن، هل يعقل في أمة عربية، تتكلم لغة عربية واحدة، تعدادها 300 مليون لا يصل فيها حجم توزيع الكتب إلى عشرة الآف، في إيطاليا كم عدد المتحدثين بالإيطالية؟ عندما تسأل عن رقم النشر والتوزيع يقال مليون كتاب، في اليونان عشرة ملايين نسمة يصل الإنتاج فيها من 100 إلى 200 ألف، إذًا هناك نقص في التعامل مع هذه القضايا، ليبيا جزء من المشكلة لأن الثقافة لغة والمحيط اللغوي هو المحيط الشامل، انتهت التقسيمات بين مصر وليبيا وتونس، كلنا نقرأ كتابًا واحدًا وجريدة واحدة، كلنا كنا نقرأ الأهرام والهلال أو مجلة مثل مجلة الرسالة التي كانت في مصر وجيلنا تربى عليها، بل إن مجلة كمجلة الآداب تتلمذ عليها معظم مبدعينا ومثقفينا في صباهم، إذًا هذا الوطن وطن اللغة الواحدة، وكان من المفترض أن تكون هناك سياسة توزيع ونشر عربية وسياسة تشجيع الكتاب في العالم العربي، هذا لو كانت هناك عقول حريصة وحكومات ودوائر مسؤولة معنية بهذه القضايا.

أتصور بأنك ستكون الأقرب لتحديد الإشكالية على اعتبار أنك ومن خلال تعاملك الرسمي أو شبه الرسمي مع حركة الإبداع ليس في ليبيا فحسب، بل من خلال تكليفك بمهام رعاية الثقافة محليًّا وعربيًّا، فكيف يمكن أن تفسر هذا الإخفاق؟
لا أعرف.. صراحة هي مسألة سياسة تلك التي لم تولِ اهتمامًا لهذه الأمور، وأنني لا أحاسب أشخاصًا ما في منطقة ما من المسؤولية، هي سياسات.. يعني فشلت البلدان العربية في تحقيق الوحدة، فشلت في بناء اقتصاد واحد، في بناء سياسة عسكرية واحدة، لكن الثقافة على مدى السنين قائمة على التواصل والتفاعل المشترك، كنا نقرأ جرائد من مصر والمغرب والجزائر، كنت تقرأ قصيدة لأحمد شوقي حال ظهورها ويقرأها الجميع.. إذًا هناك شىء غلط في السياسات.

هذا الكلام لو رددته إحدى شخصياتك في إحدى رواياتك التي كتبتها وكان من المفترض أن تجد هذه الشخصية إجابة ما أو الوقوف على جوهر الحقيقة، هل من الممكن أنها في نهاية الرواية قد تمدنا بالإجابة؟
إن الطريقة التي تدار بها الأمور في العالم العربي ليست سوية، لا أريد التوغل أكثر والغوص أعمق، وعليه فالأمة العربية تحتاج إلى مشاركة من البشر بصورة أكبر ليكون لها قرارات ديمقراطية، قد نحتاج إلى اختيار مسؤولين بمستوى أفضل، يجب أن يتم تعميق الوعي بالمصير المشترك في الوطن العربي، حتى ولو أننا لم ننجح على المستويين السياسي والاقتصادي، سنرضى بالجانب الثقافي الذي هو في الأساس مشترك لتوحد الهوية العربية التي تجمعنا.. على سبيل المثال، الحاكم في الخليج معني بعرشه، لكن نحن يجمعنا تراث مشترك يمكننا أن نتكلم عنه، ولا أعتقد أن هذا الحاكم أو ذاك لديه مشكلة مع الفارابي، المتنبي، أبي نواس أو المعري، لا أتصور بأنه ستكون هناك مشكلة مع قصيدة يكتبها محمود درويش أو قصة يكتبها جمال الغيطاني.


* نشر في مجلة «الجليس» الليبية - أكتوبر 2007

المزيد من بوابة الوسط