نوبيون في مصر يحيون لغتهم الأم

فاطمة عدار، يسار، وحفصة أمبركباب نوبيتان في قرية قرب أسوان بمصر، 3 فبراير 2020 (أ ف ب)

نشأت فاطمة عدّار في عائلة نوبية على حكايات تاريخ النوبة القديم والغني على ضفاف النيل، لكنها لم تكن تتكلم اللغة النوبية التي تقلص استخدامها إلى حد بعيد.

وتعيش فاطمة التي تبلغ من العمر 23 عاما، في محافظة أسوان في أقصى جنوب مصر، وكان تعليمها المدرسي معظمه باللغة العربية واقتصر احتكاكها بلغتها الأم على المناسبات التي جمعت وجهاء العائلة.

وتقول لوكالة «فرانس برس»، «أُسأل دائما: كيف تكونين نوبية ولا تتحدثين اللغة»، مضيفة «كانت هذه باستمرار مشكلة بالنسبة إليّ».

ويتحدر النوبيون من عشائر كانت تقطن منطقة ممتدة على ضفتي نهر النيل في أقصى جنوب مصر وشمال السودان.

ولم تعد اللغة النوبية متداولة كثيرا بين «أبناء جيل عدّار»، وفق ما تقول فاطمة. ومضت عشرات السنين منذ مغادرة أجدادها أراضيهم بعد بناء السد العالي في عهد الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر في فترة الستينات.

وهدف بناء السد العالي إلى تنظيم فيضانات نهر النيل السنوية وتوفير الكهرباء للبلاد، لكن بعد اكتمال بنائه، غمرت بحيرة ناصر مناطق إقامة عشرات آلاف النوبيين الذين اضطروا للنزوح.

ومنذ ذلك الحين، يشكو النوبيون من التمييز والتهميش الثقافي ولا يحلمون سوى بالعودة إلى أراضيهم وإحياء تقاليدهم ولغتهم الأصلية.

مجتمع يتحدث العربية
وترجع جذور النوبيين إلى حضارة أفريقية قديمة وصلت تدريجيا إلى حكم مصر قبل حوالي 3000 عام.

وعاش النوبيون باستمرار وسط مساحات خضراء وفي منازل فسيحة بنيت من الطوب الطيني واعتلتها القباب، ولهم عاداتهم المميزة المرتبطة بالنيل وكانوا يتحدثون بلغتهم الخاصة.

بعد نزوحهم، تمت إعادة توطين النوبيين في بعض المناطق الصحراوية القاحلة البعيدة عن النيل، ما أرغم كثيرين على التخلي عن الزراعة والبحث عن عمل في مدن أخرى سواء داخل مصر أو خارجها.

وبدأت التقاليد المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالحياة على ضفاف نهر النيل تتلاشى وأصبحت الأجيال الشابة أقل معرفة بلغتهم الأم التي لم يتم تدريسها في المدارس المحلية.

ولا توجد إحصاءات رسمية بأعداد النوبيين في مصر اليوم، إلا أن مجموعات حقوقية تقدّر عددهم بنحو ثلاثة أو أربعة ملايين، من أصل 100 مليون نسمة في مصر.

كذلك ليس واضحا عدد الذين يتحدثون اللغة النوبية، وهي لغة لا يفهمها المصريون غير النوبيين. وتقول عدّار «تواجدنا في مجتمع يتحدث باللغة العربية جعل الحاجة إلى التحدث بالنوبية يتضاءل».

أجساد بلا أرواح
في العام 2017 ، أطلق مطوّر البرامج الإلكترونية مؤمن طلوش تطبيقًا لتعلّم اللغة النوبية على الهاتف المحمول باسم «نوبي». ويقول طلوش لوكالة «فرانس برس»، «أنا نفسي لا أتحدث النوبية بطلاقة لكن أصولي نوبية وأرغب في الحفاظ على اللغة».

ويشتمل التطبيق على الأبجدية المكونة من 24 حرفًا وعلى أمثال وأغان نوبية شهيرة باللهجتين ومترجمتين إلى العربية، ويجذب التطبيق قرابة 3000 مستخدم.

وتشمل الأغاني تلك التي يتم ترديدها في حفلات الزفاف بالإضافة إلى الأغاني الأخرى التي تعكس شوق النوبيين للعودة إلى أراضيهم.

وتقول كلمات إحدى الأغاني «يا ولدي.. متى سترحل إلى البلد القديم.. عندما تصل إليها تذكرني.. لا تنس سلامي له».

ويحلم النوبيون بالعودة إلى أراضي أجدادهم. قبل ثلاثة أعوام، خرج عدد منهم في مسيرة بالدفوف لعرض مطالبهم، لكن فضت السلطات التظاهرة وأوقفت 24 شخصًا على الأقل.

واعترف دستور مصر العام 2014 بحق النوبيين في العودة إلى أراضيهم، ووضع إطارا زمنيا ينتهي في العام 2024. لكن حتى الآن، لم تتخذ الحكومة المصرية أي إجراءات لتنفيذ وعدها. إلا أنها أعلنت مطلع العام الحالي عن صرف حزمة تعويضات لآلاف النوبيين المتضررين من بناء السد في الستينات.

وتشمل التعويضات توفير السكن الاجتماعي في مدن أخرى في جميع أنحاء مصر أو تعويضات نقدية، أو خيار الاستفادة من خطط التنمية المستقبلية للدولة.

وتم منح النوبيين المتأثرين بعقبات بناء خزّان أسوان حقوق ملكية الأرض التي يعيشون فيها حاليًا، أو حقوق انتفاع للاستفادة من هذه الأراضي إذا كانت تقع على طول النيل.

لكن نشطاء النوبة يصرون على أن مثل هذه العروض لا تعد بديلا عن حق العودة. وتقول أمبركاب «سيظل هذا هو الحلم. ويجب أن نحافظ على اللغة حتى نعود إلى الأرض، وإلا سوف نصبح أجسادا بلا أرواح».

كلمات مفتاحية

المزيد من بوابة الوسط