«رحلة الزاهي»: من صقيع دبلن.. إلى نار فزان

المتأمل للوحات الأديب الفنان رضوان أبوشويشة وكتاباته، ينطبع في ذهنه ارتباط ضمني بين النص اللوني والنتاج السردي، وغالبا ما تتجه تأويلاتها إلى اقتفاء أثر التشوه الروحي أو فقدان البصيرة، مقرونا بسلم الخطايا وانعكاساتها على متون دفتر الحضارة البشرية بتاريخها الطويل، الذي تمثل الحالة الليبية أحد نماذجه، ارتكازا على فكرة مغزى الوجود، ملحوقا بأسئلة الذات انطلاقا منها ورجوعا إليها.

في لوحات ليبيا ما بعد النفط، أكانت مجسمة على هيئة براميل فارغة وبعض الخردة وبقايا إطارات متآكلة، أو تشكيلا بتموجات غارقة في تشابك غامض، تبرق جنائزية الصورة وهي تقذف بنا رأسا إلى جدارية نصها الحبري المقابل، كإطلالة مكافئة لتفسير ملحمة السقوط الكبير.

مسرحية «حمودة الزاهي» وسيناريو «خوذ» لأبوشويشة المنشورتين في كتابه «نصوص درامية من التاريخ الليبي» هما جزء من تلك الفسيفساء المدونة لمشاهد الأفول الإنساني وهو ينحو صوب الاندثار، وذلك بتشخيصه ركحيا بوقع فلسفي يعتمد الأبعاد الأنثروبولوجية والتحليق في فضاء الأحقاب السحيقة، اتكاء على طقس أجواء صوفية كمظلة سوريالية عملاقة، متحررة من الزمن وغير مبالية بتهشيم قوانينه.

المكان في «حمودة الزاهي» أزيحت عنه الأكسسوارات وكاميرات الإضاءة، والديكور الذي لا يتعدى ثيابا بسيطة، أشبه بأسمال لأبطاله «الزاهي، رضا، صالح، فاطمة» ربما للوصول بالمناخات الصوفية إلى أقصى حد ممكن، وفتح قوس نفسي للتأمل ينعكس في إيماءات جسدية وكذا نقلات محدودة للشخوص، وسط بيت ينتمي طرازه للقرن التاسع عشر بمنطقة الكدوة «العزيزية».

طالع: السيفاو.. الكتابة بحبر الذكريات

تومئ المسرحية منذ اللحظات الأولى إلى صوت المواجهة بين الوثوق والاهتزاز أو لنقل الشك واليقين، بين رضا بأسئلته الريبية والزاهي بردوده الواثقة: «نحن جميعا في مسرحية اسمها الحياة» ص9، غير أن نافذة العقل وحدها لم تكن كافية لاستكانة رضا إلى مسلمة الزاهي، كما أن حدود المعرفة رسمت فارقا جوهريا بين القدرة على الاستقراء أو البقاء عند عتبة الاستنتاجات الظنية، لذا يرد رضا «هذا هراء من رحيق كتب الشرق» ص9، في المقابل نرى صالح وفاطمة أشبه بنوابض تنعكس عليهما طاقة المناورة الحوارية لباقي المجموعة، وحتى بافتراض وجودهما جناحي امتصاص لحرارة الأشعة المنبعثة، فذلك لا يلغي وعيهما العميق بتداعيات الكشف الفلسفي وقدرتهما على المبادرة، لكن الأخيرة لم تحدث وظلت تلك الوثبة رهينة إشارة الراوي أو الزاهي أو طبيعة الموقف ذاته، في النهاية ينفر موقفهما التماهي لحظة بعد أخرى مع فورة الطقس الصوفي وهفوته.

وتمضي مفردات الإيقاع السماوي منتشية برغبتها اللامحدودة لتهشيم الزمن، فالحدث يتمنع الإفصاح عن وقتيته، إذ لا تبدو الحكمة معنية بالآنية بل بتمظهراتها المذهلة، فتنكمش احتياجات المشهد إلى أدنى ضروراتها الفيزيائية، كالتفاتة أو تهويمة في الفراغ أو وضعية فنجان، لصالح هسيس روحي يطوف الجميع، يبدأ من أحدهم لينتهي عند الآخر، لذا ليس غريبا أن تأتي التعليقات انعكاسا لذلك الشغف بالانزواء والتأمل طلبا لرؤيا داخلية، رضا: «أغلق باب غرفتي تهربا من الزائرين وأرسم وأتطوع في الجنون»، صالح: «الآن أرى من دون عينين.. أسمع من دون أذنين» ص46، فاطمة: «نحن ما كان وما هو كائن وما قد يكون».

خلف التهويمات يختفي وميض ما يفصح عن نفسه في شكل اعتراف، يقول إن الزاهي هو الجزء الثاني من رضا أو أن رضا هو الزاهي في صورته الأولى الباحثة عن الحقيقة، تداخل الأزمان وامتدادها، زمن الحكاية وسالف ما حدث، تقترن بها رموز وومضات تحيلك موسيقى كلماتها إلى تجليات الحلاج، فتوحات ابن عربي، وأقوال الشيخ الأسمر، كروافد تستند عليها رؤية الزاهي، ولكن كيف يمكن لهذه اللغة الصوفية أن تتشابك مع كامل أطوار المد البشري دون صراع أو أشكال في فهم طبيعة الناموس الكوني وقوانينه؟ كان لا بد من حدوثه مع العرفانيين أنفسهم، ومع غيرهم من البشر، وتستمر من ذلك نظرتنا إلى العالم مرتبكة وملتبسة فـ«عندما نفكر بالماضي والماضي ميت، نفكر بالذكريات، وعندما نتطلع إلى المستقبل والمستقبل لم يأت بعد نفكر بالأحلام» ص12.

هذه الحلقات من علامات الاستفهام جالت في أذهان الزاهي ورضا وحتى فاطمة وصالح، ولكن بقيت بلا إجابة شافية، فظل الصراع معها أزليا ولا زال، وكذا شواهد الإبراقات المضمرة في السرد الفلسفي لكشوفات المتصوفة عن عصور الخراب والمسخ ماثلة في ذهن الزاهي بأزمانه المختلفة، وهو يراها واقعا على مر العصور ولا سبيل لإيقافها.

وبلا مواربة وجب إبعاد شبح اقترابها من مراكز الثبات الروحي، وألا تتسرب أنساقها المرعبة حتى في شكل كلمات لأبطال عالم الزاهي، يقول رضا «أنتم شجرة المسرحيات الميتة ومصيركم، مكب الكدوة النهائي» ص146، إذ لم تكن هذه اليسارية المتطرفة إلا عنما أصبح سادنا لها، فالبشر «سجناء ثلاث، دوائر أحادية المركز، الجسد، العقل، القلب» ص12، والإطاحة بالجبروت الثلاثي، يرتهن إلى التخلي «اجعل التخلي وطنك» ص16، ما يسوقنا إلى بواكير مد التساؤلات وهو يتعاظم مع الزمن، لماذا كانت الخطيئة، وكيف أصبحنا سجنها وكيف يمكن قراءتها؟

طالع: هاجر الطيار: سحر التشكيل أسرني منذ الطفولة

القراءة الركحية تضمنت مشاهد أشبه بنقلات قصيرة يحاكي ستارتها أوضاع الفنجان الذي تتأمله فاطمة، بموسيقى هندية تحاكي تأويله المفترض لآثار الحض، فهو العنصر الخامس في فلك المجموعة، معلنا في وضعياته أن الرؤيا حبلى بالطلاسم، وأفق المستقبل متصل للأسف بلعنة القراءات الخاطئة، الزاهي: «كل قراءة هي قراءة سيئة وتأويلات لا متناهية» ص46.

الفنجان في فضاء بيت الكدوة، يختزن عصارة الكهانة عبر تاريخها السحيق، وبدا متماهيا مع التأويلات اللامتناهية الخالصة من وحي التذكر، كما لم يكن عاملا مساعدا، فقط بل مركز الإبصار المستتر، وهو يحاول التقدم خلف علامات الاستفهام المعلقة بين الشخوص.

انعطافة أخرى، تدخل خلالها المجموعة فيما يشبه «يوجا» جماعية للاستذكار مهدت لها أوراق رضا الممزقة المتناثرة في زوايا البيت، تحوي في ثناياها أسطورة خطيئة ابن السلطان غادية، وبالرغم أن كل المسالك ترجعنا إلى سلم الخطايا، لكن البصيرة تحاول إقامة نموذجها المبعثر في أودية العصر المطير، حيث تقرأ فاطمة إحدى لوحاته على ورقة التوت، ما دون على جدار الأسلاف، لعشرة آلاف عام من الحضارة الليبية في جبال أكاكوس، وكيف تصدعت جدرانها بغياب البصيرة، عندما سيطرت شهوة السلطة على مخيلة ابن السلطان، ودفعته إلى محاولة تملك غزالة البحر بالقوة، لتكون إحدى نساء قصره، لكنها تبخرت منسحبة للماء وسحبت وراءها خط المطر، لتلحق بالبلاد لعنة الخطيئة، ويجتاحها الجفاف، غابت البصيرة عندما ارتفع صوت الأنا متوشحة بالتوحش، ستتجاور هذه الثنائية مع نسخها المكررة، آدم والشجرة الملعونة، قابيل وهابيل، زليخة ويوسف، إلخ.

في نقلة ثالثة يمارس الزاهي فن التخلي، أو التحرر الكامل من سجن الجسد، محاولا في كل مرة العودة إلى طقوسه العرفانية كنقطة مرجعية ثابتة، يربط حزام مقعده المتخيل «إلى دبلن أيها السفر النجمي» ص56، ولكن لماذا دبلن؟ هل هي حالة خاصة يتحالف فيها الكاتب مع أبطال مسرحيته؟ غير أن الهدف ليس المكان، بل مضمون الفعل السفري، خلاصة أحبار ورقة التوت في البحث عن التطهر الروحي، إذ لا غرابة في قوله «أنا الآن على ظهر سفينة الحقيقة، أبحر إلى نهاية الظلام».

وفق هذه المعادلة، لن تنتهي محطات السفر النجمي عند هذه النقطة، فهو ينعطف إلى ممر زمني آخر، ونرى ثنائية ابن غادية وحورية البحر تتواصل مع ثنائية أخرى في «خود»، وهي عنوان سيناريو يتجاور مع مسرحية حمودة الزاهي في ذات الإصدار «نصوص درامية من التاريخ الليبي»، لكنه في ظني جزء أصيل من منحوتة الخطيئة، تحاكي خود ابنة شاورما حورية البحر، تنسحب الأولى للشاطئ بروحها الملائكية، بينما الثانية سحبتها غيرة بشرية قاتلة، دمرت عرش زوجها المنتصر الفاسي الذي يتقاطع مصيره مع ابن السلطان في بؤس نهاياتهم، تترك الحورية خلفها لعنة التصحر، بينما تتقوى خود بالأتراك وتمكنهم من قلعتها، وينتهي بها المشهد مشدودة على عمود المحرقة، تبدو هذه المقارنة مربكة في مقاربتها لكنها تستند إلى تيمة أزلية، الخطيئة والعقاب.

يرافق المنتصر الصوفي الذي أتخيله الزاهي وقد تحرر من اسمه، يصفه الفاسي بقوله «ساح عشرين سنة باحثا عن بساتين المعرفة، ثم صار مريدا للشيخ عبد السلام» ص76، ولا تتوقف سلسلة الإحالات الماضوية في المسرحية على عصر بعينه، بل تنبسط وصفتها لرسم ملامح كل الشواهد السابقة، مرموزة في جداريات تين العاشق والزرافات الثلاث، تنفذ إليها بصيرة الصوفي ويغفل عنها كنه الزاهي، إذ لا يزال تحت سلطان الغواية، لذلك همس إليه الصوفي «كن حكيما يا منتصر» ص86.

تمضي الرحلة ممهورة بختم النهايات الأولى، كما في سفر الخطايا، يموت المنتصر كمدا بعد حصاره لجنود خود في القصر الأحمر بسببها، كما تموت خود ضحية مؤامرتها، ثم ينتقل المشهد إلى الثبت التعريفي لدولة أولاد محمد المنقوش على الحجر الصخري، كخاتمة لسفر البصيرة والخطايا مقروءا بصوت الراوي وهو الزاهي، فابن السلطان، والفاسي، وخود، كانوا ممن «قتل نفسه بيده كما يقول الحلاج»، والسؤال المصيري في حكايتنا الأبدية، هل علينا السير دائما بين النيران كما يقول دانتي لنطهر أنفسنا؟

الكاتب رضوان أبوشويشة (بوابة الوسط)