هل تفتح «سجين المريخ» الطريق لاستيطان الكوكب الأحمر؟!

غلاف رواية سجين المريخ (الوسط)

طرابلس- محمد عبعوب

في قصة تمتد لأكثر من 450 صفحة من الحجم المتوسط، وعلى مدى 549 يوما مرّيخيا، يأخذ الكاتب الأميركي «آندي ويير»، قارئ روايته «سجين المريخ» التي نشرت نسختها العربية «الدار العربية للعلوم ناشرون»، إلى هذا الكوكب، في رحلة خيالية تقطع الأنفاس رفقة عالم النبات «مارك واتني»، الذي وجد نفسه وحيدا على سطح هذا الكوكب بعد أن غادر رفاقه في هذه الرحلة الأسطورية، مرغمين إثر عاصفة كادت تدمر مركبتهم، معتقدين أنه لقي مصرعه بعد أن صدمته قطعة من المحطة وسقط مغمى عليه.

بين سطور وفصول ويوميات سجين المريخ يجد القارئ نفسه يصارع رفقة بطل الرواية «واتني» ظروف إقامة صعبة بسبب مناخ كوكب المريخ وانعدام الأكسجين في غلافه الجوي واضطراب الضغط فيه، وانعدام أي أثر للماء والحياة على سطحه، سواء ككائنات حية أو حتى عضوية.

حيث قضى بطلنا «واتني» قرابة العامين وحيدا على سطح هذا الكوكب، يصارع بثبات وصلابة وإصرار للنجاة من الموت المحقق، يعمل بلا كلل وفي ظروف صعبة تتطلب صبرا، مستعينا بمعلوماته وأفكاره والتقنية المتوافرة لديه من بقايا محطات أرسلت إلى المريخ منذ سنوات، لتكون قاعدة استقبال مركبات زائرة يخطط العلماء لإرسالها للكوكب ضمن مشروع عالمي للبحث عن إمكانية استيطان هذا الكوكب، حيث من المقرر أن ترسل وكالة الفضاء الأميركية بالتعاون مع نظيراتها الأوروبية والروسية والصينية في أغسطس من العام الجاري 2020 أول رحلة مأهولة حقيقية للكوكب الأحمر.

كاتب الرواية، التي تحولت إلى فيلم سينمائي قبل أعوام، ينقل وببراعة القارئ بكل حواسه إلى الكوكب الأحمر، ويجعل منه رفيقا صامتا لذلك السجين يحاول التواصل معه، ولكن لا يملك القارئ في بعض اللحظات إلا شد أنفاسه والتهام الصفحات كأنه يحاول المشاركة في إنقاذ هذا السجين، الذي يبحث لسجناء الأرض عن أفق أوسع يمكن أن يحتضنهم بعد أن أفسدوا بعبثهم كوكبهم الأم «الأرض» وحولوها إلى مكب للنفايات والغازات القاتلة.

كما يُدمج المؤلف قارئ روايته في تلك المرافعات والجدال بين العلماء المشرفين على هذه الرحلة بوكالة الفضاء الأميركية «ناسا» على سطح الأرض، وكذلك بين رفاق السجين «واتني» الموجودين على ظهر المحطة المدارية «هرمس3» وهم يصارعون لإنقاذه وإعادته إلى أحضان أسرته، صور رائعة من الانضباط بين رفاق «واتني» وهم يكابدون على ظهر المحطة المدارية لإنقاذه، وكذلك صبر علماء «ناسا» وجلدهم في العمل لوضع ترتيبات عملية لإطلاق مركبة الإنقاذ.

كما كان للمرأة حضور لافت في هذه الرواية جسدته الخبيرة قائدة المحطة المدارية «هرمس3»، التي قادت رحلة انتظاره التي دامت أكثر من عام في الفضاء بكل حزم وجرأة وانضباطية، كما لم تغب الصحافة والميديا عن هذه الملحمة الأسطورية وكان لها حضور لافت كمزودة للعالم بمتابعة دقيقة وحية لتفاصيلها.

البر العربي
إذا صحت قراءتي لما يسجله بطل الرواية من مشاهد عن تفاصيل رحلته في يومه المريخي (382)، يقدم الكاتب إسقاطا يمكن وصفه بالفج في تقديري، يسيء للعرب ويمحو أي أثر لهم فيما حققته الحضارة الإنسانية منذ فجر التاريخ حتى اليوم، هذا الإسقاط يتعلق بمنطقة وعرة التضاريس، أطلق عليها الكاتب اسم «البر العربي»، يمر بها بطل الرواية في رحلته الشاقة نحو محطة الإقلاع «سكياباريلي» التي سيقلع منها في نهاية الرواية في رحلة العودة للالتحاق برفاقه، الذين قرروا انتظاره في محطة الفضاء المدارية «هرمس3» بعد أن اكتشفوا أنه حي يرزق ويعمل بلا كلل للالتحاق بهم والعودة إلى الأرض.

الإسقاط يتعلق بربط اسم العرب بفوهات ومنحدرات خطيرة بوادي «ماورثفاليس»، الذي سار عبره البطل في رحلته الشاقة لتصادفه تلك الفوهات، التي أطلق عليها الكاتب اسم «البر العربي»، والتي أسهمت في تأخير وصوله إلى محطة الإقلاع لمدة 100 يوم، فضلا عن تعرض مركبته الجوالة ومقطورة مستلزمات رحلته لحادث انقلاب كاد ينهي رحلته ومواجهة الموت وحيدا على هذا الكوكب.

فربط اسم العرب بهذه المنطقة الوعرة وما ألحقته بالبطل من عذاب، تأخذ ذاكرة القارئ مباشرة إلى ما تروج له الميديا الغربية من صور سيئة مزورة في أغلب الأحيان عن العرب، وترسيخها في وعيه، وتبدد كل ما قد ينشر عن العرب من دراسات موضوعية تقدمهم للقارئ بدون أي ادعاءات باطلة تنال من قيمتهم كبشر يمكن أن يصيبوا أو يخطئوا.

ورغم هذا المأخذ الذي أراه عن الرواية، يبقى الكاتب صانعا فذا لصور خيالية عن رحلة لهذا الكوكب نراها اليوم أسطورية، وقريبا ستكون واقعا معيشا، لكن نأمل أن تكون رحلة مأمونة وسليمة لثلة المغامرين الذين أعلنوا استعدادهم للذهاب في رحلة ذهاب بلا عودة، مقرر انطلاقها نحو المريخ في أغسطس المقبل، ليؤسسوا أول محطة استيطان بشري على سطح هذا الكوكب، ويترجموا ما سطره خيال «ويير» إلى حقيقة.

المزيد من بوابة الوسط