9 سنوات على «17 فبراير».. مازالت الثقافة الليبية تراوح مكانها

من أعلى اليمين: التميمي، حمودة، قادربوه، قناو، الذويب، بن موسى (بوابة الوسط)

بالنظر إلى ملامح المعطى العام للمشهد الثقافي الليبي، منذ منعطف 2011، ربما نستطيع القول إن المشهد الحالي وما سلفه غير مشجع. لكن كيف يمكن النظر إلى هذه الرحلة تفصيلا، ألا توجد محطات تستنطق الحياة أو مكامن للضوء يمكن الالتفات إليها كإرهاصة لولادة شيء ما، أم أن جملة (محلك سر) بقيت سيدة الموقف في كل تعرجات المسارات السابقة.

للتعرف أكثر إلى طبيعة المناخ الثقافي ومدى تعاطي بيئته مع تطلعات الكتاب ومستوى طموحاتهم، كان لنا هذا الرصد مع عدد منهم ومعرفة آرائهم بالخصوص.

يرى القاص والكاتب مفتاح قناو أن الحياة الثقافية في ليبيا خلال السنين الماضية وتحديدا منذ أحداث ثورة فبراير مرت بتقلبات، فالسنوات الأولى كانت مزدهرة بالنشاط الأهلي والرسمي وشهدت صدور عدد كبير من الصحف، وعدد مماثل من الكتب وإن كان يغلب عليها الجانب السياسي أكثر من الثقافي.

ثم جاءت مرحلة الحروب بداية من (فجر ليبيا) التي كانت فاتحة لسلاسل من الفوضى لا يزال أثرها مستمرا إلى هذه اللحظة. ويضيف بالقول: إنه مع العام 2015 حاول بعض المثقفين في طرابلس وبعض المدن إعادة النشاط الثقافي ولو بقدراتهم الفردية المحدودة، فتشكلت بعض الجمعيات الثقافية مثل الجمعية الليبية للثقافة والفنون في طرابلس، التي باشرت في ظروف الحرب إنتاج وتقديم العديد من الأنشطة الثقافية والندوات الحوارية والأمسيات التكريمية، ولعل حفل تكريم الفنان علي ماهر لم يكن مسبوقا من حيث الشكل والازدحام الجماهيري، كذلك حفل تكريم كبير آخر تم للفنان عبداللطيف حويل.

حكومات ميتة
ولا ينسى قناو الإشارة إلى دار الفنون التي ما زالت على عهدها في تشجيع معارض الفنون التشكيلية، بالإضافة إلى ما قام ويقوم به منتدى السعداوي في شرق مدينة طرابلس، رغم اقتراب الحرب من مقره، كما شهدت العاصمة استثمارات هامة في مجال الفنون، نذكر منها بيت إسكندر الذي أصبح علامة فارقة في طرابلس ينتظر زواره كل يوم.

وفيما يخص مدينة بنغازي أشاد الكاتب مفتاح قناو بما تبذله جمعية تناروت في بنغازي، وإن كانت أنشطتها محدودة بمنتسبيها وليست مفتوحة لعامة الناس.

وفي سبها أيضا يمكن الحديث عن الأنشطة التي شهدها مقر مكتبة اليونسكو بفضل مجهود عدد من المهتمين بالعمل الثقافي، وإن كانت أعمالهم متفرقة دون تأسيس جمعية ثقافية خاصة بهم.

ويخلص قناو في رأيه بالقول إنه «إذا تكلمنا عن الجهات الرسمية في حكومتي الشرق والغرب نستطيع القول بوضوح إنها ميتة تماما منذ عدة سنوات رغم صرف ميزانيات ضخمة لهم كل سنة، عدا أن حالة الحرب التي تعيشها طرابلس حاليا لها تأثير كبير على كل الأنشطة الثقافية، فكثير من الأنشطة توقفت، نأمل أن تعود إلى سابق نشاطها».

صعود وهبوط
ويرى جمعة الذويب عضو الجمعية الليبية للآداب والفنون وأحد المتابعين للشأن الثقافي أنه لم يتغير شيء، فالركود أو السكون هو الحالة السائدة، إذ لا معارض للكتاب، علاوة على ارتفاع سعره، وبتوقف بعض الدوريات بصدورها الخجول نهائيا، نرى من جهة أخرى دور العرض المسرحي وحتى السينمائي ماضية في تحولها إلى محال تجارية فعن أي ثقافة نتحدث.

غير أن الفنان التشكيلي سالم التميمي يبدو متفائلا في ما يخص الفضاء اللوني، من واقع تزايد نشاط المعارض الجماعية والفردية، وعودة الكثير من الفنانين لمزاولة نشاطهم، وحفز متتبعي التشكيل على حضور المناسبات الفنية بمختلف أجيالها. ويلحق التميمي الإشارة إلى أن المناخ التشكيلي شهد ظهور عدد من المواهب الشابة من كلا الجنسين، وهم يحاولون في تواصلهم مع جيل الرواد الاستفادة من الخبرة وإنضاج حقلهم التجريبي عبر الممارسة وإقامة ورش عمل تصقل مواهبهم وإكسابها المعرفة اللازمة.

ومن جهة أخرى، يشخص الكاتب رضا بن موسى المشهد الثقافي وفق إيقاعين متباينين، فهو مربك أو محير في وجود نتاج من الكتابات الشابة وكذا قصائد لشعراء شباب تضج بالحياة والأمل برغم الخراب والدمار، إضافة إلى نصوص سردية رائعة على الصعيد الروائي، لكن للأسف يظل هذا الشعاع الملتهب غير مرئي بسبب الانسداد السياسي الذي ألقى بظلاله وتوابعه على مختلف مناحي الحياة، والثقافة ليست استثناء من ذلك.

كتاب المناسبات
وبين الشاعر والكاتب صالح قادربوه من بنغازي في تحليله للتحولات العاصفة بالمسار الثقافي بقوله إنه: «كان المرتقب من الناحية المنطقية بعد التغيير الذي نتج عما حصل في 2011 وسقوط جدار قلعة الرقيب وانفتاح الباب إلى الفناء الواسع الرحب للتعبير أن يصبح المشهد الثقافي الليبي والحراك الفكري وحركة النشر وتميز الأصوات وظهور الاتجاهات والتيارات ذات المرجعية الفلسفية القوية والأثر التعبيري المختلف والمضيف، هو الحال؛ سيرا على ما حصل في معظم المشاهد الثقافية العربية وقبلها من الأمثولات من الأمم الأخرى».

مضيفا أن المتحقق فقط هو تمدد أجسام المجتمع المدني الثقافية التي بعضها بالتأكيد له دور جيد في النقاش وفي دعم موجة الوعي، لكن هذه الثقافة التي خضعت -بعد تحررها من الخضوع- للنموذج الثوري وبالأخص صورة البطل المسلح، وكانت فاعليته أفقية لكنها لا تحكي الأزمات وتقترح الحلول وتتحمل الضريبة القيمية.

لهذا السبب يعلل قادربوه ظهور العنف، بل وظهرت تنظيمات متطرفة دولية عقدت لها عاصمة في ليبيا، وانزاح دور الفعل الثقافي من نتاج مكتوب أو حراك مجتمعي إلى الظل، فانضم كتاب طليعيون إلى مؤسسات ذات تمويل توجيهي إعلامي السمة وسياسي الطموح، وآخرون إلى كتاب مناسبات، وغيرهم إلى ميادين أخرى كان للفساد بأنواعه السمة الأوضح والأبرز. لكن الطموح ما زال منعقدا أن تنشق الثقافة عن السياسة، وتعود إلى دورها التنويري، ويعود النتاج الثقافي منافحا للشر من عنف ولصوصية وسيادة نموذج القاتل، وعودة الكتاب إلى التنافسية وكذلك إلى كتابة المواقف التي لا يمكن شراؤها.

مثقف حائر
ويرى الكاتب والصحفي مصطفى حمودة من مدينة الزاوية أن الأنشطة الثقافية كانت حاضرة بشكل خجول، وكان دورها وفاعليتها شبه غائبين تماما. فباستثناء الحضور الثقافي الشعبي الارتجالي الذي طفا من قاع المجتمع، وكذلك طبع بعض المطبوعات لعدد من الكتاب والمثقفين، وهو أمر لم يستمر، إضافة إلى تنظيم بعض الأمسيات الأدبية والعروض السينمائية الهاوية غير المنتظمة، نجد أن كل ما تم تنظيمه من أنشطة بعد 17 فبراير، لا تعدو كونها أنشطة كرنفالية استعراضية لا تتسم بالديمومة، وليست ذات فاعلية وجدوى في المجتمع بحيث تؤثر في عامة الناس ويؤثرون فيها.

مضيفا بالقول إن (المثقفين مجتمعين لم يحاولوا الإجابة عن العديد من التساؤلات المهمة التي كان يفترض أن تبرز في مرحلة التغيير السياسي؛ كأن يؤكدوا دور صناعة السينما في تعزيز قيم المواطنة والديمقراطية، وتعريف الأفراد بدورهم الاجتماعي والسياسي. ودور المسرح، وكذلك دور الفنون التشكيلية في إعادة تصميم البنى التحتية وفق منظور عصري متطور، وبالتالي لا يمكن الحديث عن حضور أو فاعلية ثقافية في ظل غياب السينما والمسرح! ولا يمكن الحديث عن وزارة ثقافة بقدر المسؤولية.

وفي تقييمه لآلية عمل وزارة الثقافة أكد حمودة أنه لا يمكننا الحديث عن ثقافة ووزارتها لم تستنفر كل الموارد المتاحة لإعداد الخطط والمشاريع الثقافية التي من شأنها أن تبث الحياة في القطاع. ولم تعمل على تشكيل كيانات تنظيمية فعالة مختصة تعمل كبوتقة تُصهر فيها كل الأفكار والآراء التي تحاول تقديم شيء للبلاد، ولم تدعم الكيانات الثقافية الناشئة المدفوعة بحماسة الشباب والمثقفين التي لم يعد لها وجود لغياب الدعم! وبالتالي وقفت الجهة التي يفترض أن تقوم بدعم الثقافة متفرجة أمام جهود مهدورة، أسهمت هي في إهدارها، وأمام أفكار تموت وتتلاشى لأنها بحاجة إلى أرضية وبيئة تنظيمية ملائمة. وأي جهد لا يتسم بطابع مؤسسي ومنظم فهو جهد مهدور! وهذا ما تعانيه ليبيا.

ويتحسر الكاتب الشاب على واقع كهذا بقوله: «للأسف لم يكن دور وزارة الثقافة إلا دورا روتينيا يختص بتسيير القطاع داخليا إداريا وماليا. أي الالتزام بإعداد مرتبات موظفيها وحسب».

الثقافة بحاجة إلى كيان يؤسسه المثقفون وأعني هنا «اتحاد الكتاب»، يكون ضاغطا في اتجاه المطالبة بتعزيز دور الثقافة وتكثيف حضورها في المشهد العام والمحافل المحلية والدولية. وكان لزاما أن يكون من بين منتسبي الاتحاد أعضاء مراقبون في البرلمانات المتعاقبة. والأخيرة بحاجة إلى وزير ثقافة يؤمن بدور الثقافة، وهو ما حاول وزير سابق فعله ولكن الأمر لم ينجح، وبالتالي لا يمكن للثقافة أن تنظم نفسها بنفسها في ظل تفاقم الأزمات.

ويصف الصحفي مصطفى حمودة دور المثقف الليبي بأنه هش، فقد هزمه الجهل، الذي أفسح المجال واسعا لغلبة السلاح على الفكر. فمنذ أن عُسكرت الحياة وقف المثقف حائرا فيما يجب عليه فعله؟ وكيف عليه فعله؟ انتهى دوره كمثقف من منظوره هو، بينما من منظور آخر كان يجب أن يبدأ من هنا ما دام تأخر حتى هذا الوقت.

نقلا عن العدد الأسبوعي من جريدة «الوسط»

المزيد من بوابة الوسط