فيصل علي: المال و«البيزنس» لا يصنعان الفنان

فيصل علي (بوابة الوسط)

مع تطور إمكانات التوزيع الموسيقي وتزود متخصصيه بمعارف العصر، هل شكل كتقنية إضافة موسيقية للأغنية الليبية وأصبح جزءا من شخصيتها أم لا يزال الأمر متواضعًا كما في طور البدايات؟، ويمتد التساؤل حول نفوذ التأثيرات الموسيقية على لون وقوام الملامح المعبرة عن هوية الأغنية الليبية ومدى صمود تقنية التوزيع الموسيقي أمام صرخات الأمواج الحديثة لأعمال لها جمهورها وطابعها الخاص، بالإضافة إلى معرفة الظروف التي يعايشها محترفو هذا المجال داخل المشهد الليبي وفرص وجودهم محليا وعربيا، لمعرفة ذلك التقت «بوابة الوسط» الدكتور الصيدلي والموزع الموسيقي فيصل علي.

● كيف نفهم علاقتك كصيدلي بالتوزيع الموسيقي؟
علاقة الصيدلاني بالأدوية كعلاقة الموسيقي باللحن، في الحالتين ترتبط المسألة بالوصفة المناسبة أو بتعريف تفصيلي، وهو تفهم وتعاطي الصيدلي مع التفاصيل التصنيعية وتأثيرها الدوائي التي ترادف تفهم نوعية الجملة الموسيقية مع اللحن.

● طابعك الفني يحمل بصمة موسيقى «الريجا» تحديدا.. ما تعليقك؟
لكل منا ميوله الموسيقية التي قد لا تجد تفسيرا مقنعا لاختيارك إياها ولا تستطيع الهروب من جاذبيتها أيضًا، لذا اختيارك تركيبة موسيقية معينة هي نتاج رحلة من التأمل وتراكم سماعي لمزيج من موسيقى شرقية وغربية، اختمرت ونضجت وخرجت في صورتها الحالية.

● اقتباسك من الموسيقى العالمية ألا يؤثر في هوية اللحن الليبي؟
التوزيع الموسيقي هو رؤية لحنية يلزم أن تكون متناسقة ومتوازية في خط موسيقي واحد مع أصل اللحن، من هنا تبقى الروح الليبية ماثلة وبعيدة في جوهرها عن مجال التأثر بموسيقى البوب أو الريجا مثلا، التي أقتبس من إيقاعاتها.

● ما معيارك الموسيقي في اختيارك الأغاني؟
جمال وعذوبة اللحن بالدرجة الأولى، كما يمكنني إضافة معيار آخر مخفي وهو شخصية الفنان الذي أتعامل معه، من حيث وجوب توافر خصائص فنية معينة، فلا مجال للصداقة أو القرابة في تنفيد أي عمل.

● هل تكفي الموهبة والممارسة لتصبح موزعا موسيقيا؟
التوزيع الموسيقي هو رؤية إخراجية للنغم وما يحمله من مشاعر، أي أنه نوع آخر ومهم من أنواع الفن الحديث تقريبا، نخلص بهذا إلى أن الموهبة هي المرتكز الذي تبنى عليه خطوات كل فنان، ولا يكتمل رسوخ وثبات كل تلك الخطوات إلا بالدراسة الأكاديمية وهي الباب الوحيد لصقل كل تلك الملكات.

● أنت تمارس الغناء والتلحين ولكن بشكل خجول لماذا؟
أنا أهوى التوزيع والتنفيذ والغناء ولا أمارسه بشكل وظيفي ربما لأن المناخ أو سقف الأجواء التي أطمح بالعمل داخلها لم تتوافر بعد.

● من أبرز الفنانين الذين تعاملت معهم؟
الكثير من المطربين والملحنين، أذكر على سبيل المثال لا الحصر، الموسيقار محمد عطية والمطربة ذكرى محمد في «النجع» 17، والفنان الأردني عمرعبداللات، بالإضافة إلى الفنانين سيف النصر، وعبدالله الأسود، ورمزي العبيردي، وسمير الكردي، وإبراهيم فهمي.

● لك تجربة مع السينما.. ما الفارق في التوزيع الموسيقي بينها وبين الأغنية؟
وضعت موسيقى لأفلام وليس توزيعا، البداية كانت بفيلم «سائق الشاحنة» ثم «ذاكرة النار» وصولا إلى وضع الموسيقى التصويرية لبعض الأشرطة الوثائقية،الأغنية تتيح المجال للمطرب في كيفية إظهار جماليات وإمكانات صوته ليتصدر المشهد بشكل جميل، وهذا في جانب التوزيع الغنائي، أما الفيلم فيعتمد كليا على النص المرئي وكيفية توظيف اللحن والمؤثرات الموسيقية وإظهار الموسيقى بخطوطها المتفاوتة كعامل مساعد للإثارة والتحفيز والغوص في المشهدية المعروضة.

● تاريخيا متى دخل التوزيع الموسيقي إلى الأغنية العربية؟
بالنظر إلى مسيرة الفكر البشري وتطور مفاهيمه تاريخيا ومحاولة الموسيقيين الارتقاء بسلم الذوق الفني لمستويات أفضل، نستطيع القول إن التوزيع الموسيقي ابتكر أوروبيا منذ عهد بتهوفن، وباخ، وموزارت، وكوفسكي وغيرهم، إضافة إلى كم الأغاني التي نفذت بالتوزيع الموسيقي المعد لها أكاديميا، لكن عربيا ظل التوزيع الموسيقي متأخرا إلى بدايات القرن العشرين.

● لماذا؟
ذلك راجع إلى طبيعة الموسيقى الغربية التي تتميز بوجود الخطوط الأول والثاني والثالث، والمقصود هنا الهرموني أو التوزيع، بينما اعتمدت بدايات الموسيقى العربية على الآلات الفردية البسيطة كالقانون والناي، التي لا تتماشى إمكاناتها المتواضعة مع طبيعة التوزيع الذي لم يدخل إليها إلا مع دخول الآلات الحديثة كالكمنجة وغيرها، عدا أن الثقافة الموسيقية الحديثة انتظرت حتى نضجت معرفيا في ذهنية متخصصيها، بمساعدة البيئة الاستشرافية كثقافة مهدت تاريخيا بشكل أو بآخر انتقال المزاج الغربي للموسيقى، وهيأت البيئة العربية للتلقي هذا النوع من الإيقاعات.

● أي من الدول العربية كان لها سبق الريادة في هذا المجال؟
يمكنني ذكر لبنان باعتبارها الأقرب فكريا للثقافة الغربية، فطبيعة أعمالهم وأغانيهم غربية التلحين يسهل التعامل معها موسيقيا، وعلى صعيد الأسماء فالرحابنة كان لهم بصمة في عبور الموسيقى الغربية إلى لبنان والعالم العربي، وفي محطتنا الليبية أشير إلى تجربة الفنان الهادي الشريف خريج الأكاديمية الملكية ببريطانيا، كأول ليبي أنجز توزيع موسيقي أوركسترا لسبع قطع موسيقية في السبعينات.

● مع انتشار التوزيع الموسيقي عربيا هل تكونت مدارس بالخصوص؟
لا يمكننا الإشارة إلى مدرسة مشرقية وأخرى مغربية، كما في بعض الفنون، القاعدة الموسيقية واحدة باعتبارها تتعامل مع اللحن أيا كان اتجاهه وتضفي عليه نكهة معادلتها الثابتة، فمثلا لحن مغربي يوزعه موسيقي فرنسي وهكذا، المسألة تتوقف على طبيعة اللحن أولا وأخيرا.

● هل شكل التوزيع الموسيقي هويته الخاصة بليبيا؟
نعم تكونت هوية موسيقية خاصة بدأت في اتخاذ شكل لها مع ظهورالأعمال الشعبية بإيقاعها العصري بداية تسعينات القرن الماضي، الذي ارتبط بذهابي إلى مصر لتسجيل مجموعة أعمال للفنان سمير الكردي، حيث خطرت لي فكرة تسجيل عمل شعبي باستخدام تقنيات الكمبيوتر، وكانت النتيجة مشجعة من واقع استجابة الجمهور وكذا النقلة الإيقاعية المغايرة، التي مثلت بوابة ولوج التوزيع الموسيقي بشكله المعاصر إلى الساحة الفنية الليبية للمرة الأولى، ثم تكررت التجربة مع الفنان رمزي العبيردي، لتصبح اللغة الموسيقية المعتمدة كأسلوب وطريقة لمعظم الموزعين الموجودين على الساحة الآن.

● الكثير من الموزعين الموسيقيين يتحولون بعد فترة إلى منتجين؟
الزمن تغير والمفاهيم في الموسيقى والشعر والإبداع تغيرت كذلك، أذا ملكت المال ستكون مطربا وموسيقيا وعازفا، وسمِّ ما شئت، ويبقى السؤال الأهم ما القيمة أو الأثر الفني المتبقي، المال و«البيزنس» وحدهما لا يصنعان الفنان.

● ماذا عن تجربتك مع الفنانين العرب؟
متواضعة جدا.

● لماذا؟
الفنان الليبي صراحة يمر بحالة من «الشيزوفرينيا» الاجتماعية، أي نشاهده في برنامج منوع أو لقاء تلفزيوني يرتدي بدلة أنيقة ويتحدث لجمهوره بلباقة وتنطبع في أذهان متابعيه هالة الفنان كمكسب ثقافي مهم يعبر عن قضاياهم ويلامس وجدانهم، ولكن سرعان ما تذوب تلك الهالة كقطعة الزبدة مع أول شعاع من شمس صباح اليوم التالي، لنجد ذاك الأنيق مشتت في عبثية وسوريالية «البهدلة» الليبية، من طابور البنزين إلى المخبز إلى توصيلات المدرسة إلى الالتزامات الاجتماعية التي لا تنتهي، إلى سيارته المعطوبة الواقفة في منتصف الطريق ينتظر من يساعده على دفعها، وهنا ضاعت شخصية الفنان بسبب تدهور المعيار القيمي وغياب البنية المجتمعية والمؤسساتية المفترض وجودها في منظومته الحياتية، في الدول الأخرى الفنان هو قيمة ثقافية يضيف للمجتمع ويحترم كإنسان قبل أن يكون فنانا، ويجب أن يكون في مستوى نخبوي معين، أيضا المسألة متعلقة بمناخ اقتصادي ووجود قطاع خاص يوازي النتاج الفني كرافد يساعد على توفير بدائل للعاملين في هذا الاتجاه لتنفيذ مشاريعهم وأفكارهم، فالعمل الفني بطابعه مكلف ماليا، دون ذلك سيضطر المبدع إلى ترك فضائه والاتجاه إلى مصدر آخر يلبي متطلباته الحياتية، ومن هنا أيضًا تبدأ الحواجز، إذ لا تستطيع التغرب عن بيتك ستة أو سبعة أشهر خارج البلد، بالإضافة إلى مجتمعنا الليبي الذي يحد من ظهورك بعاداته وتقاليده الحاكمة، خصوصا عندما تسلم نفسك كمطرب لمخرج لإنتاج «فيديو كليب» يخضع لرؤية تتعارض مع قيمنا الشرقية. أذكر عندما قمت بتسجيل عمل فني بمصر مع المرحوم حسن الصيد دفع بي للمشاركة في أحد الأفلام، لكن بمجرد قراءتي السيناريو أدركت أن المشاركة تعتريها محاذير مجتمعية، فلم يكن أمامي إلا خيار الانسحاب.

● ظهرت أخيرا فورة موسيقية لأغاني «الراب»، كيف تقيم هذه الظاهرة؟
هذه موضة موسيقية موقتة وفقاعة شبابية غير منضبطة فنيا، وحتى أخلاقيا يتضح ذلك في طريقة اللباس والمظهر الخارجي الذي لا ينتمي إلى تقاليدنا، هو أقرب إلى فن الشوارع أو ما يسمى بمغني الدرجة الثانية بأوروبا، وهي ليست جديدة عموما فالكثير من الأغاني وجدت حتى في زمن العمالقة عبدالحليم وأم كلثوم، ومع ذلك لا يبقى إلا ما هو حقيقي ومحطتنا المرجعية الكبرى ما يمثله من قيمة فنية.

نقلاً عن العدد الأسبوعي من جريدة «الوسط»