«نفق سري».. هل تتحقق نبوءة إبراهيم الكوني لـ مصطفى سليم؟

الكاتب مصطفى سليم (بوابة الوسط)

عبر «نفق سري» يمر الكاتب المصري مصطفى سليم إلى عوالم الذاكرة والعقل الباطن، من خلال مجموعة قصصية، تحرض على تخطي التخيل والحلم بعدما لجأ إلى ذاكرة مثقوبة تتسرب منها تفاصيل الحياة اليومية على نحو قصصى يدور في عالم موازٍ.

على هذا النحو، يعيد الكاتب تقديم نفسه بشكل مغاير إلى القارئ، الذي تعرّف إليه من شرفة دراسته عن الأديب الليبي ذي الأصول الأمازيغية إبراهيم الكوني، والصادرة بعنوان «السلطة والحرية.. بنية السرد في سداسية إبراهيم الكوني» عن دار رؤية بالقاهرة، وهي بالأساس أطروحته للدكتوراه عن سداسية «الأسلاف والأخلاف»، وبإشراف من الدكتور صلاح فضل، وأجازتها لجنة المناقشة مع مرتبة الشرف الأولى من كلية الآداب جامعة عين شمس. تنبأ بعدها الكوني للباحث بأن «يشعل لنا قناديل طريقٍ في متاهة المستقبل». فهل يسير الكاتب المصري نحو تحقيق النبوءة؟

بين الجسد والعقل الباطن
سليم كان حصل على جائزة «دبي الثقافية» في عام 2013 عن روايته الأولى «سـِفر المرايا»، التي اتخذت من المرأة رمزا ليكشف عن وجوهها السبعة، بعدما اتخذ منها معادلا موضوعيا للحياة بكل ما تحمله من هدوء وصخب وملل وضجر وبهجة، وفقا لتصريحات سابقة. كما حصل في عام 2014 على جائزة «كتاب اليوم للقصة القصيرة»، عن قصة «المسكونة»، ونشرت في مجموعة تحمل عنوان «10 قصص لكتّاب جدد» بتقديم أحمد الخميسي
.

طالع أيضا: الدكتوراه لباحث مصري عن «الأسلاف والأخلاف» لإبراهيم الكوني

وأخيرا قدم مجموعته «نفق سري»، الصادرة عن «منشورات الربيع»، التي يقول عنها، «القصص تشبه حياة الكثير منا. وتطمح إلى تجسيد صراعهم في دوامة الحياة تحت قصف التفاصيل اليومية وضرورياتها التي تجبرنا على هضمها ونحن مجبرون عليها، بحكايات من وحي صراع يدور بين الجسد السائر في الشارع نهارًا وبين ما يصوغه العقل الباطن من أحلام في المنام ليلًا. هذا هو حال أبطالها وما تسعى إلى تقديمه. علّها تكون أنشودة الخلاص وعزاء بالحكايات».

تقنية الأحلام ولعبة التوهمات
يضيف سليم: «نصوص المجموعة تتلاعب مع الذاكرة، وتعتمد تقنية الأحلام، ولعبة التوهمات، والهلاوس السمعية والبصرية في منامات أبطالها»، وأشار إلى سعيه «لتكثيف اللغة عبرها لتتوافق النصوص مع البناء القصصى من جهة، وترصد ما يدور من معارك نفسية بين أبطالها من جهة أخرى، تمكّنه من الغوص في أعماق شخوصهم، ليحوّل كثيرا من تفاصيل الحياة اليومية إلى مشاهد ومواقف سيريالية، تدور في عالم موازٍ، في محاولة لرصد طبيعة القبح الإنساني الذي يتولد عن تحطيم الأحلام المشروعة، أو العجز عن الوصول إليها، وتداعيات هذا القبح على أبطال النفق السري
».

وعن إسهامه في التراث العربي، قدّم دراسة نقدية صدرت عن «منشورات الربيع» بالقاهرة تحت عنوان «المناظرة والحجاج» في 2019، تقصّى خلالها أثر رحلة المناظرة منذ الجاهلية في المدونة العربية، وأكد أنها بلغت ذروتها في العصر العباسي الأول عبر قرن من الزمان، تحديدا من (132 هـ - 232 هـ) خصوصا مع اتساع حركة الترجمة وتفاعل معارفها ما أسهم في جعل المناظرة نوعًا من الأدب متكامل الأركان، عكس أبعادا متعددة ومتنوعة للثقافة العربية آنذاك.

الكوني.. نبوءة من الغرب إلى الشرق
على هذا النحو تنوعت إسهامات الكاتب بين الإبداع والنقد العربي بشقيه القديم والحديث عبر أربعة كتب، بينها دراسته عن سداسية الكوني الروائية التي تناول فيها الأخير «تاريخ ليبيا عبر رصد سردي لخمسة أجيال من أسرة آل القرمانلي، التي حكمت ليبيا طوال قرن وربع القرن من (1711 إلى 1835)، واتخذ من جدلية الصراع القائم بين السلطة بأركانها الثلاثة (العرش والمال والمرأة) والحرية التي تعتنق التخلى والترحال وصية دينية يتوارثها أهل الصحراء والبحر أساسا بنى عليها شخوص السداسية المستندة إلى المتخيل التاريخي والروائي»، وفقا لسليم، إضافة إلى «دخول الكوني عبر هذه السداسية بوابة المدينة روائيا بعدما أشبع الصحراء أسطرة وتأويلا»، إذ تعد المرة الأولى، بل والوحيدة، التي غير فيها إبراهيم الكوني مسرح أحداث رواياته من الصحراء إلى البحر
.

طالع أيضا: رسالة من إبراهيم الكوني إلى الباحث المصري مصطفى سليم

وهو ما دفع الأديب الليبي ذا الأصول الأمازيغية، المقيم أخيرا في إسبانيا بعد رحلة طويلة طاف خلالها بلادا متعددة في أوروبا لمدة تزيد على نصف قرن، إلى الإشادة بمجهود الباحث النقدي وعمله الدؤوب في رسالة بعث بها إليه، جاء فيها، «إلى الأستاذ الفاضل د.مصطفى سليم.. امتنانًا على الاهتمام أولاً، وتهانينا على إنجازكم العلمي الثري».

وتابع: «دللتم بأطروحتكم على (قدرة التحدي في تحقيق الحلم) مهما تبدى بعيد المنال، وكأنكم تترجمون بعملكم هذا تجربتنا التي كانت سببًا في خلق هذه الملحمة».

واختتم الرسالة بقوله: «مع كل إكبارنا لمغامرتكم ويقيننا بميلاد باحثٍ سيشعل لنا قناديل طريقٍ في متاهة المستقبل. والسلام.. إبراهيم الكوني»، ليظل السؤال مطروحا، هل يخطو سليم بمشروعه في الكتابة نحو تحقيق نبوءة الكوني؟

إبراهيم الكوني (يمين) ومصطفى سليم (بوابة الوسط)

المزيد من بوابة الوسط