الأراجوز يقاوم الزمن والشاشات الرقمية بالسخرية

عرض لدمى أراجوز في القاهرة في نوفمبر 2019 (أ ف ب)

في فيلم «الزوجة الثانية» تستمد الفلاحة المصرية البسيطة، فاطمة، خطتها للخلاص من مأزق تطليقها من زوجها بالتحايل على الشرع والقانون، حتى يتزوجها العمدة الذي يبحث عن «الولد»، وهكذا يبرز الفيلم الذي أنتج عام 1966 دور وتأثير هذه الدمية في الشخصية والتاريخ المصري.

وتستمر دمية أراجوز المحركة بقفازات قماشية مع رأسها الخشبي وقبعتها المحنية وعينيها السوداوين الكبيرتين والشارب المرسوم بالألوان، في تجسيد روح السخرية من خلال تهكمها على الفاسدين ذوي النفوذ بعدما ابتدعها المصريون منذ القدم، حسب «فرانس برس».

وفيما باتت الشاشات الرقمية تبث عروضا لا حصر لها على مدار الساعة، لا تزال حفنة من فناني الدمى المصريين قادرة على انتزاع الضحكات من المشاهدين، والأطفال خصوصا، من خلال حكايات الأراجوز المتوارثة.

وخلف مسرح صغير مصنوع من القماش أقيم داخل بيت يعود الى العصر العثماني في حي الجمالية في القاهرة الإسلامية، يطلّ الأراجوز على جمهوره بزيه الأحمر وبصوته الرفيع الحاد المتميز.

يسأل الأراجوز دمية تجسّد شخصية «الفتوة» وهو رجل كان يفرض سطوته بالقوة على الأحياء القاهرية في النصف الأول من القرن العشرين، «ماذا تريد؟».

ويرغب الفتوة في خوض منازلة ليثبت أنه الأقوى ويصيح قائلا «من يكسب ينال تصفيق الجمهور». وينهال عليه الأراجوز ضربا قبل أن يزيحه عن المشهد ويقول منتصرا «انصرف» وسط عاصفة من الهتاف والتصفيق.

طالع أيضا: التنمية المعاصرة تهدد مسرح خيال الظلّ بالصين

منذ عشر سنوات، تنظم فرقة «ومضة» كل أسبوع عروضا مجانية يحضرها قرابة 200 شخص في بيت السحيمي، وهو منزل من العصر العثماني تم ترميمه وتحويله الى مركز ثقافي.

وفي حين تستمر المهرجانات الريفية أو الأعياد الشعبية في تقديم عروض للأراجوز يقدمها هواة، فإن فرقة «ومضة» هي الوحيدة التي لا تزال تقدم الأراجوز بشكل احترافي.

ويقول صبري متولي، أحد محركي الأراجوز القليلين الذين لا يزالون يحترفون هذا الفن ضمن هذه الفرقة، «وقعت في عشق الأراجوز وأنا صبي صغير».

ويضيف أن فن الأراجوز الذي أدرجته اليونسكو في قائمة التراث العالمي غير المادي للبشرية العام 2018 «يلقى إعجاب الناس لأنه يمثلهم»، إذ إنهم يستطيعون من خلاله أن يتحدوا وأن ينتصروا على أعدائهم.

وغالبا ما يقال إن شخصيات الأراجوز تجسد المجتمع المصري فهي ساخرة وعنيدة وسوقية أحيانا. ويواجه الأراجوز عادة الطغاة أو الأعداء الأجانب ويدخل معهم في مبارزات كلامية مثيرة للضحك.

ويؤكد نبيل بهجت مؤسس فرقة «ومضة» أن «الأراجوز ينتقد بلهجة ساخرة أفعال الأقوياء ويقاوم الفاسدين، لكنه لا يتعرض لشخصيات أو قادة محددين في الحياة السياسية الراهنة».

ومثل أبيه من قبله، يقدم متولى الذي يحرك دميتين (واحدة في كل يد)، مسرحياته الشعبية التي تنقل شفهيا من جيل إلى جيل.

وهذه الطريقة في انتقال الفن تهدد بقاءه، بحسب متولي الذي يخشى أن يندثر الأراجوز مع انتشار العروض الحديثة والشاشات الرقمية. ويشكل عدم وجود أي نص مكتوب السبب في أن أحدا لا يعرف أصل فن الأراجوز.

طالع أيضا: آخر مُخايلي سورية يحتفي بضم فنه لقائمة التراث غير المادي

ويؤكد متولي أن «كل المسرحيات لا تحمل أسماء كتاب»، موضحا أنه نجح في جمع 19 رواية شفوية لكي ينشرها في كتاب.

ويظن البعض أن فن الأراجوز ظهر في العصر الفاطمي (من القرن العاشر إلى القرن الثاني عشر)، بينما يقول آخرون إنه ازدهر في العصر العثماني (من القرن السادس عشر الى القرن العشرين).

وكلمة الأراجوز نفسها باتت مثيرة للجدل فالبعض يؤكد أنها مستوحاة من مسرح الظل، الذي كان موجودا في العصر العثماني ومعروفا باسم «كاراجوز» في حين يقول آخرون إن الكلمة تعود الى العصر الفرعوني.

ومع أن هذا الفن مهدد بالاندثار اليوم، استطاع الفنانون عبر العصور الحفاظ على الخصائص المميزة للأراجوز خصوصا صوته الرفيع الحاد الذي يتم الحصول عليه من خلال جهاز معدني صغير يوضع داخل الفم ويهتز تحت سقفه.

ويقول متولي «إن استخدام هذا الجهاز قد يكون خطرا بعض الشيء لكن هذا يميز المحترف عن الهاوي».

وفي أكتوبر الماضي، توفي أشهر محرك أراجوز في مصر وهو مصطفى عثمان الذي اشتهر باسم «عم صابر»، عن عمر يناهز 80 عاما.

ويقول بهجت «كافحنا طويلا للحفاظ على هذا التراث وآن الأوان لكي يقوم الناس بالدفاع عن ثقافتهم».

كلمات مفتاحية