الإرث الأدبي يخلد نجيب محفوظ في أزقة القاهرة الفاطمية

مكتب نجيب محفوظ، القاهرة، 7 نوفمبر 2019 (أ ف ب)

في أزقة القاهرة الضيقة، يعيش الإرث الأدبي لأديب نوبل، نجيب محفوظ، رغم مرور 13 عامًا، على رحيل الكاتب العربي الوحيد الفائز بالجائزة الأشهر عالميًّا.

وتطل لوحة فسيفسائية للأديب بنظارتيه الشهيرتين على سوق شعبية تعج بأطفال على دراجاتهم، ويظهر فيها نادلو المقاهي يحملون صواني المشروبات الساخنة، فيما يتجادل المتسوقون مع الباعة المتجولين على أسعار اللحوم، وفق «فرانس برس».

وقد يبدو ذلك مشهدًا نموذجيًّا من رواية لمحفوظ تركز على تفاصيل الحياة في العاصمة المصرية، مع إيحاءاتها السياسية الساخرة وشخصياتها الخالدة. في يوليو الماضي، اُفتُتح متحف نجيب محفوظ تكريمًا للكاتب الكبير في حي الغورية الشعبي المجاور لجامع الأزهر، بعد سنوات من العمل فيه.

ويضم المتحف ترجمات جديدة لأعمال محفوظ غير المنشورة، ما يبرز التأثير الذي تركه الأديب المصري على الأدب العالمي والمصريين أنفسهم بعد 13 عامًا من وفاته.

في نوفمبر، أثار الكاتب المصري الشاب أحمد مراد جدلًا على وسائل التواصل الاجتماعي، عندما انتقد إيقاع روايات محفوظ، قائلاً إنه لا بد من تكييف رواياته لمراعاة العصر.

وأجبرت التعليقات الغاضبة وردود الفعل على منصات التواصل الاجتماعي، الكاتب الشاب على اللجوء إلى أحد برامج التوك شو الشهيرة لتوضيح ما قاله بشأن محفوظ.

ويعتبر محفوظ أبا الرواية العربية الحديثة، إذ قام بتوسيع نطاقها الأدبي من خلال تخطّي بعض الخطوط الحمراء مثل المحرمات الدينية. وكاد يقتل بسبب قيامه بذلك. ففي العام 1994، طعنه رجل بسكين في رقبته في محاولة اغتيال نجا منها.

وكان المهاجم يتصرف بناء على فتوى دينية أصدرها زعيم الجماعة الإسلامية آنذاك الشيخ المصري الأميركي عمر عبد الرحمن الذي اعتبر مؤلفات محفوظ كفرًا، وأباح دمه.

القاهرة الفوضوية
وتقول ابنة الأديب المصري العالمي، أم كلثوم، إن والدها كان مولعًا بشدة بطاقة القاهرة الفوضوية إلى حد أصبحت المدينة نفسها إحدى شخصيات مؤلفاته.

وتحكي أم كلثوم عن الروتين اليومي في حياة محفوظ وهو يشمل سيره على طول كورنيش النيل، قاصدًا الصالونات الثقافية ومقاهيه المفضلة قرب ميدان التحرير، نواة ثورة 2011 التي أطاحت الرئيس الأسبق حسني مبارك.

وتضيف: «كان دائمًا يكتب عن القاهرة بحب وكان يصفها بدقة شديدة... حتى لو انتقدها فهي لا تزال مليئة بالحب». وتسلمت أم كلثوم وشقيقتها جائزة نوبل الآداب العام 1988 نيابة عن والدهما لعدم قدرته على السفر بسبب تدهور حالة بصره آنذاك.

وتتابع: «أتذكر في بعض الأحيان أننا كنا نذهب إلى حي الحسين (في قلب القاهرة الفاطمية) وكنا نجلس في مقهى يحمل اسمه». واستعرضت ذكرياتها معه، قائلة: «أرانا زقاق المدق وكان أشبه بغرفة صغيرة، وكان يخبرنا قصصًا رائعة عن أيامه عندما كان تلميذًا».

وتعتبر رواية «زقاق المدق» من أكثر روايات محفوظ قراءة على مستوى العالم، وحوّلت إلى فيلم سينمائي عالمي العام 1995 أدت دور البطولة فيه سلمى حايك. ولأن محفوظ أمضى سنواته الأولى في منطقة القاهرة الفاطمية، اُختير موقع المتحف في دار ضيافة هناك يعود إلى العام 1774 خلال العهد العثماني وتم تجديده بشكل جميل.

وفي حي الجمالية، نشأ الكاتب محاطًا بجدران يعود تاريخها إلى القرن العاشر. وتشير أم كلثوم إلى أن نشأة محفوظ في ذلك المكان تركت تأثيرًا كبيرًا على مخيلته. ويضم المعرض المؤلف من ثلاثة طوابق مقتنيات محفوظ الثمينة ومن بينها مكتبه المصنوع من خشب الماهوغوني وشهادة جائزة نوبل وآخر علبة سجائر له.

تطور الخيال المصري
ويقول رودجر ألين، وهو أستاذ فخري في جامعة بن في الولايات المتحدة ترجم الكثير من مؤلفات الكتّاب العرب خصوصًا نجيب محفوظ، إن المؤلف كان أساسيًا «في تطور الخيال المصري».

ويضيف أن كتاباته تعمقت في «مصر القديمة والصوفية والسياسة»، موضحًا: «يمكنك الحصول على لمحات عن اهتماماته الكثيرة. لقد كان يعمل على مسارات عدة طيلة حياته المهنية». وترجم ألين أخيرًا مجموعة من كتابات محفوظ إلى اللغة الإنجليزية هذا العام في مجموعة عمل بعنوان «ذا كوارتر (المُربّع)».

وتعكس المجموعة «كيف يبدو شكل مربع سكني يعيش فيه القاهريون»، ويشبه إلى حد كبير الحي الذي يوجد فيه المتحف المخصص له. وأشار ألين إلى أن المجموعة تعتبر أيضًا «كيانًا رمزيًّا مرتبطًا بالإنسانية».

وتستند المجموعة الجديدة إلى مجموعة من الأوراق التي عثرت عليها ابنة محفوظ بعد سنوات من وفاته، ووضبها ونشرها أساسًا المحرر في جريدة «أخبار الأدب» المصرية محمد شعير.

ويقول شعير: «في السنوات التي سبقت فوزه بجائزة نوبل، فقد محفوظ بصره، لذا فإن علاقته بالواقع كانت شبه منقطعة وأصبحت الكتابة هاجسًا بالنسبة إليه».

ويساعد شعير حاليًا أم كلثوم في أرشفة أوراق محفوظ؛ تحضيرًا لنشر سيرته الذاتية في مجلدات متعددة، حسب «فرانس برس». وتحدث شعير عن دور محفوظ الرائد في إحداث ثورة في الرواية العربية إلى الحد الذي جعل عديد المؤلفين العرب يسيرون على خطاه.

ومهّد محفوظ الطريق أمام عديد المؤلفين الذين حازت كتبهم قراءات عالمية وجوائز دولية، مثل علاء الأسواني من مصر وأحمد سعداوي من العراق وأحلام مستغانمي من الجزائر.

المزيد من بوابة الوسط