«ليل بيزنطي» لسالم الهنداوي تصدر بعد 20 عاما من كتابتها

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» في بيروت، صدرت للكاتب الليبي سالم الهنداوي رواية «ليل بيزنطي»، التي كان الكاتب بدأ فصولها خلال إقامته في جزيرة قبرص عام 1998، ولم تصدر آنذاك بسبب المنع والمصادرة.

بلغتها الساخرة تنتقد الرواية حالات وصوراً واقعية، وتكشف سقوط الكثير من القيم السياسية والأخلاقية في العالم العربي.

يقول سالم الهنداوي عن «ليل بيزنطي» إنها «سيرة حياة الناس»، حيث نقرأ سيرة البلاد التي أهملت جوانبها الرواية السياسية العربية.

ويفاجئنا الكاتب بهذا العمل الجرئ الذي كان تناول أخطر القضايا حساسية على النظام العربي الرسمي، من الانتخابات إلى الأحزاب إلى البرلمانات إلى المخابرات..إلى السلطة الحاكمة.

وأوضح الهنداوي «إنها عمل يكشف بشاعة وتعسف السلطة الجائرة للحكومات العربية في ظل غياب وتغييب مؤسسات المجتمع المدني، وهي عمل سردي من صميم مشاهد البؤس الاجتماعي في الواقع السياسي الذي تنتجه هذه الأنظمة البائسة عبر مختلف مراحلها التاريخية».

حالة فساد مستعصية
أما عن موضوعة الأخلاق فيقول «لقد أفرز النظام السياسي العربي حالة فساد مستعصية طالت مستوى التفكير الجمعي، حيث سقط الناس طواعية في بؤسهم وعجزهم عن فعل أيما مبادرة جماعية وطنية تؤكد من وجودهم ومن فعلهم في الحياة السياسية».

ويضيف: أن «القبيلة في البلاد العربية ليست مُنتجة للأخلاق الحميدة، بل إنها كانت عبر التاريخ تُنتج الأخلاق الفاسدة، فمنها جاءت الطائفية، ومنها جاءت الأحزاب، ومنها جاءت الحكومات، ومنها أيضاً نشبت المعارك واندلعت الحروب، ومن الإبل، مفخرة البادية، كانت ناقة البسوس في الجاهلية، وكانت واقعة الجمل في مطلع الإسلام، وما المعارك السياسية التي تزخر بها البلاد العربية إلاَّ نتاج لثقافة داحس والغبراء المتأصلة في هذه القيم التاريخية».

ويضيف الهنداوي: «إن القبيلة في الرواية هي ذاتها منبع الفكرة التي سادت عنوة في المدينة وهيمنت بمفهوم سيِّد القوم، حيث سيطرت القبضة العشائرية على المدينة، وتم في أتون هذه السيطرة، احتكار السياسة واحتكار السلطة..وتوجيه الحُكم بفكرة القبيلة وبتأثير الاعتقاد بمفهوم سيِّد القوم».

سقوط القيم السياسية
عن سقوط القيم السياسية والاجتماعية التي يتناولها في عمله الجديد قال الهنداوي «إن سقوط القيم، السياسية والاجتماعية، وحتى الاقتصادية، جاء من هذا الاعتقاد السائد، وليد الاختلاف في الزمن، بين بيئتين مختلفتين، القرية والمدينة، ولقد هيمنت مصالحهما المزدوجة في الحياة السياسية برؤيتين مختلفتين».

وأوضح «فالعاصمة العربية التي تزدهر، اليوم، في مشهدها السياسي، بديمقراطية مزيفة، هي في واقع الحال من نتاج هذا الاختلاف الذي جعل من 'القروي الجاهل' يحكم المدينة برؤية (راعي الغنم)».

ويضيف الهنداوي «لقد دخلت القبيلة إلى المدينة بعقل سيِّد القوم، ومنحت صوتها للحاكم، لتحسم الصراع على السلطة. ولذلك فالقبيلة في مستواها الفعلي، هي أُم الأزمات في السياسة؛ فهي التي صنعت الطوائف والأحزاب، وهي التي أنتجت الانقلابات والمعارك والحروب.. وهي وجه النكوص السياسي أمام (الفكرة البديلة) في المدينة التي ترزح بين اختلاف الرؤى، ومن ثم يصعب بناء المستقبل على هذا المنوال في غياب ثقافة الجموع وتنظيمات المجتمع المدني في القرى والمدن معاً، وبإرادة وطنية جمعية، لا تقصي أحداً، بل تقبل بالحوار على أساس الفهم بمدلولات هذا الاختلاف الجوهري في ممارسة السلطة».

ويقدِّم سالم الهنداوي مشروعه السردي برؤية استوعبت تناقضات الحالة العربية الراهنة، وباعتماده على اللغة الساخرة في تجسيد عالمه الروائي الذي بناه في الأفق السياسي. واستطاع الكاتب الاقتراب من محرّمات السلطة السياسية والأمنية ورؤيتهما معاً في مكافحة الأصولية والإرهاب.

كما أن الرواية التي تشعبت فصولها في حياة المدينة وعمقها السفلي، استطاعت بلغتها الشعرية أن تثير الحواس الكامنة في النفس البشرية، وأن تكشف المستور في الحياة الاجتماعية والمسكوت عنه، مثل الفقر والبطالة والجهل والاستغلال الجسدي والطرب الهزيل والتناقضات الأخلاقية الأخرى بين سائر الطبقات، ممّا يجعلها بحق، قيمة روائية عالية تُضاف لمسيرة الرواية السياسية والاجتماعية التي كانت تراجعت في وقتٍ سابق نتيجة المنع والمصادرة العلنية باسم الدين والسياسة.

المزيد من بوابة الوسط