الكوني يروي «طفولة الزمن شيخوخة العدم» في أحدث إصداراته الأدبية

الأديب الليبي الكبير إبراهيم الكوني (يمين)

تصدر المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت، قريبا، أحدث أعمال الروائي الليبي ذي الأصول الأمازيغية إبراهيم الكوني، رواية «طفولة الزمن شيخوخة العدم»، والتي تأتي في 290 صفحة من القطع المتوسط.

والرواية بحسب الكوني على صفحته في فيسبوك هي «آخر الأعمال الروائية التي تتناول الأنفاس الأخيرة من حياة الصحراء في تجربة البطل بضمير المتكلم، لتبدأ الدياسبورا القسرية لأمة الصحراء الكبرى نحو شطآن العمران، لتتزامن شمالًا، مع ميلاد الدولة الوطنية لوطنٍ اسمه ليبيا كانت السلطة فيه غنيمة الدخلاء منذ ما قبل التاريخ، لتساهم التفجيرات النووية الفرنسية، مطلع الخمسينيات في هذه الدياسبورا الفجيعة التي هددت باغتراب الهوية، وبشرت بصعود أهل الغنيمة إلى عرش الحكم، وما سيترتب على هذا الوضع التراجيدي من نزيف أناسٍ كانوا قد هدهدوا في الحلم الوليد الخلاص».

والدياسبورا، مصطلح يطلق على أماكن تواجد شعوب مهاجرة من أوطانها في مناطق مختلفة من العالم ليصبحوا مشتتين فيها كمجموعات متباعدة، ويتفاعلون فيما بينهم بمختلف الوسائل للتنسيق لمحاولة العودة إلى أوطانهم. وأول من استخدم هذا المصطلح بمسماه الغربي كان الإغريق ولكنهم عَبّروا به عن أبنائهم الذين ذهبوا ليستعمروا البلاد التي فتحوها وسيطروا عليها.

وكانت «الوسط» نشرت حوارا مطولا مع الكوني وتناول في جزء منه وجه الشبه بين «تراجيديا الأمازيغ»، كأقلية، وما جرت به وقائع الأيام لنظيرتها من شعوب الشتات أو الأقليات حول العالم، فقال: «لا مستقبل لأمازيغ ولا لأقليات في ظل هيمنة وباء الحداثة المسمى: أيديولوجيا: الأيديولوجيا كتنين برؤوس ثلاثة، وربما حتى بأربعة؛ إذا أضفنا الأيديولوجيا الليبرالية أيضا إلى الثالوث القديم: الديني والقومي والأممي، فالكل على خلاف في كل شيء، باستثناء أمر واحد هو: هوية الأقليات، هذه الهويات الشقية التي تُعامل بروح عداء، كثيراً ما تمادى ليتحول منزلة تبيح الإبادة العرقية حرفياً، لا ثقافياً وحسب، وهو ما لا يتم بالطبع بدون حجج لا تلبث أن تستقيم في شرائع. فالنزعة السائدة في الدولة الدينية مثالا تحتكم إلى سدة الدين في اضطهاد الأقلية الثقافية، ولا تستحي أن تبرر سياستها في حق الهويات المغلوبة على أمرها بخطورة المطالبة بأية حقوق، لأن أي مساس بوحدة الأمة هو مساس بدين الأمة. أما العقلية السائدة في الدولة القومية فتجاهر علناً بخطورة المطالبة بحقوق، لأن ذاك رجس من عمل الاستعمار الذي يتآمر دوما على سيادة الدولة القومية».

هيئة الثقافة بحكومة الوفاق تقرر إنشاء «مركز إبراهيم الكوني للإبداع» في غات

وتابع: «لا يختلف الأمر في ظل الدولة الأممية التي تسعى لإقامة النعيم المفقود على الأرض، وتبرر هضم حقوق الأقليات، أو الهويات الثقافية بعدم وجود حاجة لمثل هذه النزاعات، مادامت الغاية هي ذوبان القوميات، وغيرها من الهويات، في الدولة الأممية المنشودة. وقد تغنت الأيديولوجيات الشيوعية بهذه المعزوفة طوال عشرات السنين من حكمها، وفي وقت كانت فيه القومية المهيمنة هي خليفة الله على الأرض، وكل ما سواها في الواقع باطل. وهو ما حدث ويحدث مع شريكتيها الدولة القومية والدينية».
وأضاف الكوني: «في عام 1967 قامت الدولة الدينية في ليبيا آنذاك بإجلاء الجالية اليهودية المقيمة في ليبيا منذ ما قبل التاريخ، مستجيبة لهوس الغوغاء المصابين بسعار القومية بتأثير من أجهزة مصر الناصرية الإعلامية، كردة فعل لهزيمة عام 67، ليدفع مواطنون ليبيون مقيمون في بلدهم منذ الأزل ثمن فاتورة، لا ذنب لهم فيها على نحو جماعي؛ ليدانوا بدون توجيه تهمة، ودون أن يتمكنوا من الترافع عن أنفسهم في بلية كهذه؛ لأن أي بلية يمكن أن تقارن بطرد مواطنين من وطن أسلافهم لا لشيء إلا لأنهم أقلية، لا حول لهم ولا قوة أمام البلاء، ليؤخذوا بجريرة أغراب في بلد يعتنق الدين الذي تُحذر إحدى وصاياه من الاقتصاص من إنسان بذنب إنسان آخر في الآية العظيمة: «ولا تزر وازرة وزر أخرى».

وأبرز أن «هذه الجريمة تكررت مرة أخرى في ظل الدولة القومية الناشئة في ليبيا؛ أي في عام 1970، عندما أصدر مجلس الثورة، الذي تولى الحكم بانقلاب أسقط الحكم الملكي، قرارا بطرد الأقلية الإيطالية بدعوى ارتباط وجودها بوجود الاستعمار الإيطالي، في وقت نعلم فيه جميعا أن أسلاف هذه الجالية كانوا قد استوطنوا ليبيا قبل العهد الاستعماري، وأسلاف أسلافهم كانوا يقيمون في ليبيا منذ العهد الروماني؛ أي آلاف أعوام مضت، فإذا بالأخلاف المساكين يقعون ضحية إجلاء بجرة قلم، لتوجّه الطعنة المميتة لوصية الديانة الثاوية التي تحذر من وجوب عمل كل ما بالوسع للحيلولة دون أن يُهجَّر الناس من أوطانهم لما في ذلك من عواقب وخيمة».

ولم تكتف الدولة القومية بهذا الجور في حق أناس هم مواطنوها، لمجرد أنهم أقلية بلا حول أو قوة، هكذا يقول الكوني موضحا: «ولكنها خططت لنفي مكون أساسي في أنثروبولوجيا الإنسان الليبي وهم الطوارق، إلى دولة النيجر على نحو جماعي قسري أيضا، ولم تكن لتشفع لهم في هذه المؤامرة هويتهم كمواطنين أصليين، ولا دورهم في حماية ليبيا عبر التاريخ من الغزوات الاستعمارية الكثيرة، وكاد هذا الكيد الطائش أن يوضع موضع التنفيذ، لولا الخوف من ردود فعله الدولية في تلك المرحلة الحرجة من الثمانينيات التي كان فيها النظام يعاني تحديات عالمية ما لبثت أن استقامت تاليا في حرف حصار سياسي واقتصادي، دفع المواطنون الليبيون له ثمناً موجعاً، استغرق سبع سنوات عجاف. أما عن اضطهاد الأمازيغ في هذه المرحلة من الدولة القومية فقد بلغ الذروة، لا على مستوى القمع الثقافي وحسب، ولكن على مستوى تقلد المناصب القيادية أيضا، بل وحتى المناصب الأقل أهمية».

نقلا عن العدد الأسبوعي من جريدة «الوسط»

المزيد من بوابة الوسط