ذاكرة.. مأساة أندريا!

بقلم: محمد حمامه

لم تعد هذه البلاد كبلاد، هنا بنغازي التي كانت تحمل بين جنباتها كل صنوف التنوع والتعايش بين أهلها بل وغريبها، تحتضن من قدم إليها ومن وُلد على ترابها ليس من أبنائها حتى تحسبه ابنها، باتت اليوم تلفظ كل مختلف وترفض التعايش بين أبنائها، هنا تعصب لميليشيا وآخر لقبيلة وتعصب لفكر، وبين هذا وذاك رفض لكل مختلف حتى ضاقت البلاد بمن فيها فلا تقبل رأي حبيبها ولا غريبها.

يحتفظ تاريخ بنغازي الحديث بأسماء ثلاث شخصيات من سكانها حملوا اسم (أندريا):
الأول أندريا سوركس، صاحب مطحن البن الشهير الذي تزوج من سيدة ليبية، وأنجب منها ولدين حمل كل منهما اسمين أحدهما يوناني أطلقه عليه والده، وآخر ليبي أطلقته عليه والدته، هما دينو الأكبر، والأصغر هو جورج أو فرج لعموم سكان بنغازي الذي اشتهر طوال حياته بارتدائه السروال والسورية الليبية والشنة الحمراء، وكان يتحدث اللهجة البنغازية بطلاقة، فكان يتعذر على أي قادم من خارج المدينة أن يعرف أنه يوناني، تزوج في أواخر الثمانينات من سيدة ليبية، وبعد أن أممت الدولة الصناعات والتجارة الخاصة عمل في القنصلية اليونانية حتى أغلقها نظام القذافي من بين القنصليات الأوروبية في بنغازي خلال التسعينات، وتوفي في أوائل الألفية الجديدة.

الثاني أندريا كاتسوراكيس، وهو شريك في شركة «القافلة» التي كانت تملك أسطولاً من الشاحنات وتسير رحلات إلى واحة الكفرة، كان مقر الشركة بأعلى محل قرطاسية بشير المغيربي بميدان البلدية، وكان أندريا ضخم الجثمان يشبه كثيراً الممثل المصري (حسن حسني)، وكان قد بدأ مشواره التجاري بشاحنة قديمة دشن بها رحلات القافلة إلى الكفرة انطلاقاً من بنغازي عبر أجدابيا وجالو وأوجلة، وكان يصطحب معه خبيراً كدليل بدروب الصحراء، قال البعض إنه من قبيلة «المغاربة» بينما نسبه البعض الآخر إلى قبيلة «الفواخرط».

ويعرف عن أندريا أنه أول من ردم براميل الوقود والماء على طول خط سيره من أوجله إلى الكفرة نظراً لعدم وجود محطات وقود، كما أن الطريق لم تكن معبدة آنذاك، بعد أن تنطلق الشاحنة في طريقها الطويلة وسرعتها البطيئة لم يكن أمام الخبير من شيء ليقطع به الملل إلا أن يرفع عقيرته بأغاني العلم.

ولم يكن أمام أندريا إلا الاستماع لرفيق رحلته، فالشاحنة لم تكن مزودة براديو في تلك الأزمنة، وفي منتصف الطريق نفد رصيد (الخبير) من الأغاني التي كررها عدة مرات، فالتفت إلى أندريا وبدأ في شرح بحور شعر (العلم) وأبوابه، وكان على أندريا أن يستمع ليقطع الملل، ثم أصبح بعد مدة يحفظ أغاني العلم ويعرف الفرق بين الجفا، والغني، والمرهون وكل فنون (العلم) كان آخر عهدي بأندريا في منتصف السبعينات فلم أشاهده في شوارع بنغازي، إذ أن حملة نظام سبتمبر لإخلاء المدينة من الجاليات الأوربية كانت قد بلغت ذروتها في أواخر السبعينات.
أما الثالث وهو بطل قصتنا، فهو (إنترانيك كريكوريان) واشتهر في بنغازي باسم أندريا، فهو أرميني من مواليد بنغازي العام 1926 ووالداه من مواليد ليبيا، وعائلة كريكوريان اشتهرت في البركة، حيث اقاموا وامتلكوا بيوتاً باسم (كركورة) كان عمه وكيلاً لإطارات السيارات (ميشلان) وكان محله بعمارة بميدان عمر طوسون (الشجرة ) وهي التي اشتراها المرحوم مصطفى البركي، وأعاد بناءها وشغلتها المؤسسة الوطنية للنفط، وفي العام 1964 صدر قانون حظر تولي الأجانب الوكالات التجارية في ليبيا، وكان شقيقه (نيكولا) وكيلاً لشركة «أوليفتي»، وهي شركة إيطالية مشهورة، لم يخلُ مكتب حكومي من أي كاتبة صنعتها هذه الشركة، إضافة إلى الآلات الحاسبة البسيطة، يقول (أندريا) عن نفسه إنه وُلد بالبركة، ولعب الكرة بمقطع الهدار مع أنداده إبراهيم حسني بي، والمبروك البسيوني، وفرج الغزالي (فريره)، ويضيف ساخراً (إنه ليبي نصراني). كنتُ قد سبقته بالعمل بالخطوط الجوية الإيطالية في بنغازي عندما التحق بنا العام 1974 تقريباً كمدير للمحطة قادماً من شركة النقل الليبية وقد تنقل أندريا بين العديد من الأعمال منها شركة «متشل كوتس» و«عبد الله عابد السنوسي» و«النقل الليبية»، تحصل أندريا على الجسنية الليبية مثله مثل بقية الليبيين، وبموجب نص المادة الأولى من قانون الجنسية الليبية الصادر العام 1954. تزوج أندريا من سيدة أرمنية من مواليد بنغازي أيضاً وأنجبا ولدين وبنتاً، وكان يقيم في فيلا بالحدائق مستأجرة من السيد مصطفى الشركسي. تزوجت ابنته والتحقت بزوجها في إيطاليا وتوجه ابناه إلى إيطاليا لاستكمال دراستهما التي بدآها في معهد دي لاسالي.
بدأت مأساة أندريا عندما شارك ابنه الأكبر مع الجالية الأرمنية روما في مظاهرة ضد روسيا وبعدها بعام أُلقي القبض عليه بتهمة الانضمام إلى منظمة إرهابية كانت تنوي استهداف البعثة الروسية وحكم عليه مع آخرين وأُودع سجن شديد الإجراءات الأمنية، وكان على أمه أن تعيش في روما بالقرب منه لتزوره.

في العام 1978 وبعد صدور القانون رقم 4/1978 أو ما معرف بـ«قانون البيت لساكنه» أبلغ أحد المواطنين عنه أنه أجنبي ويقيم لوحده في فيلا كبيرة فأُخرج منها ومنح شقة في مشروع المساكن الجاهزة بطريق مطار بنينا ضمن حملة إخلاء بنغازي من الجاليات الأجنبية.

وسرعان ما تم تسريحه بنفس السبب ولذلك كان يقول كما أسلفنا إنه ليبي مسيحي

في بداية السبعينات أصدر أمين الاتحاد الاشتراكي، عبد الوهاب الزنتاني، قراراً بمنع سفر المواطنين الذين ليسوا أعضاءً في الاتحاد الاشتراكي العربي، وتقدم أندريا باعتباره يحمل جواز سفر ليبياً بطلب للانضمام إلى الاتحاد الاشتراكي، فرفض طلبه باعتباره (مسيحياً) وتحصل على إعفاء من ذلك. وتكرر الأمر عندما بدأ برنامج تجييش المدن، فتم توجيهه للتدريب بقاعدة بنينا الجوية، وسرعان ما تم تسريحه بنفس السبب ولذلك كان يقول كما أسلفنا إنه ليبي مسيحي!

أُحيل أندريا إلى التقاعد العام 1986 ووضع البعض العين على شقته في المساكن، وانته الحال العام 1988 بإخراجه منها، فسافر إلى طرابلس ومنها إلى إيطاليا، حيث اتصل بأحد مديري شركة إيطاليا السابقين في ليبيا فأوصى به إلى شقيقه الذي كان يملك وكالة سفر، وكان أندريا قد وقع توكيلاً لقريب له في بنغازي لسحب معاشه التقاعدي من حسابه بالمصرف، لم يستطع صاحب وكالة السفر أن يسمح له بالعمل دون تصريح، كما أن قريبه فشل في عديد من المرات في شراء العملة الأجنبية وإرسالها إليه.

في العام 2012 وعن طريق زملاء سابقين بمكتب بنغازي عثرنا على أندريا حيث كان يقيم في ضاحية من الضواحي التي تقع على أطراف روما، وكان قد تحصل على لجوءاً إنسانيا مع زوجته، يتلقى 450 يورو شهرياً وتتلقى زوجته 250 يورو ويقيم في شقة صغيرة من إسكان الدولة. قال إنه توجه للسفارة الليبية بعد 17 فبراير لتجديد جواز سفره فرُفض طلبه وقابل السفير فلقي نفس الإجابة، أوقف معاشه الضماني لأن عليه أن يجدد التقرير السنوي، تسلمت بعض من أوراقه وعدت إلى بنغازي وتوجهت إلى مكتب الضمان الاجتماعي في الليثي واستخرجنا ملفه، وشاهدت الملاحظة الخاصة بإيقافه حتى حضوره لتجديد الإقرار السنوي، واقترحت أن يقوم بتجديد الإقرار أمام السفارة الليبية في القاهرة، ولكن اقتراحي رُفض بكياسة.
زرت روما العام 2014 والتقيت زملائي مرة أخرى وسألتهم عن أندريا، فاتفقوا على إجابة واحدة أنهم يخشون أن ترد عليهم زوجته بأنه قد توفي، فالرجل قد بلغ من العمر 86 سنة العام 2012.

كان هذا آخر عهدي بمأساة مواطن ليبي مولداً ونشأة، شاء قدره أن يولد مسيحياً، عاش في بنغازي يوم أن كان التسامح الديني هو السائد فيها، ولم يكن للازدراء الديني مكان بين سكانها.

نقلا عن العدد الأسبوعي من جريدة «الوسط»

كلمات مفتاحية

المزيد من بوابة الوسط