فنانو السودان المستقلون واكبوا الانتفاضة الشعبية

شعار في مقر إذاعة «كابيتال راديو» في الخرطوم، 24 يونيو 2019 (أ ف ب)

في الصباح، يعاين قدورة مرضاه في مركز صحي على مشارف العاصمة السودانية، ولكنه يتفرغ في المساء لموسيقى الراب ليعبر عن آمال وآلام «الثورة». تهب رياح الحرية على أوساط الفنانين المستقلين الملتزمين في السودان والذين انضموا بحماسة إلى الانتفاضة الشعبية التي دفعت الجيش إلى الإطاحة بالرئيس عمر البشير في أبريل.

هؤلاء الفنانون هم الذين نظموا على وقع أنغام موسيقى الراب أوالهيب هوب أو الإيقاع الأفريقي أناشيد تماهت مع شعارات المحتجين وتناقلتها مواقع التواصل الاجتماعي، وفق «فرانس برس».

يقول الطبيب عبد القادر البالغ من العمر 30 عامًا، والذي يعرف في أوساط الفنانين باسم «قدورة»، «لقد كسرت الثورة حاجز الخوف. باتت الأغاني أكثر جرأة».

ويشرح قدورة إنه كان يضطر «للجوء إلى الصور المستعارة» عندما كان يستحيل عليه أداء أغاني الراب بحرية، خلال حكم البشير الاستبدادي الذي استمر ثلاثين عامًا.

بدأ قدورة تجربته الموسيقية قبل خمسة عشر عامًا، وكانت ظروف حياته هي المنهل الذي استعان به للتعبير عن مواقفه السياسة أوالتطرق لقضايا سياسية حساسة في أغانيه. عن ذلك يقول «من الصعب فصل السياسة عن حياتك. مهما فعلت لتتجنبها، فسوف تعود إليك وستجد نفسك تتحدث عنها رغمًا عنك».

ويتحدث في آخر أغنية له بعنوان «الدم»، عن فض الاعتصام الدامي في 3 يونيو في الخرطوم أمام مقر الجيش.

بدأ الاعتصام قبل شهرين تقريبًا من ذلك للمطالبة بإقالة البشير، ثم استمر لمطالبة المجلس العسكري الانتقالي بنقل السلطة إلى المدنيين.

واتهم قادة الاحتجاج قوات الدعم السريع شبه العسكرية بالمسؤولية عن القمع العنيف للاعتصام.

وتقول كلمات أغنيته «الشعب طلع بشعار سلمية كايسين (باحثين) عن حرية، قابلتوه بميليشيات بربرية، الدم دا هيفضل وشم في جبهتك للأبد».

منبر للإبداع
في أجواء شديدة الحرارة يخيم عليها الحزن، وحيث تنتشر قوات الدعم السريع في كل شارع وكل زاوية في الخرطوم، يتذكر الفنانون بألم الأجواء الاحتفالية التي سادت خلال فترة الاعتصام.

ويقول أحمد حكمت المبرمج في إذاعة «راديو كابيتال» التي تبث باللغة الإنجليزية: «كانت هناك أنواع مختلفة من الموسيقى»، متحدثًا عن الأغاني التقليدية وعن نظم القصائد الارتجالية. ويتابع إن ساحة الاعتصام «كانت منبرًا للإبداع».

بدأ العديد من الفنانين بنظم أغانٍ ثورية منذ انطلاق حركة الاحتجاج في ديسمبر. وفي الفيلا الصغيرة التي تمثل مقرًا للإذاعة، يشير أحمد إلى مجموعة رائعة من الأسطوانات من بينها ألبومات بوب مارلي ومايكل جاكسون.

ولكن ما من منصة لنشر أناشيد «الثورة» أفضل من الإنترنت، أداة التواصل الرئيسية. يقول أحمد وهو يرتدي جلبابا تقليدية مخططًا بالأزرق والأبيض وسيجارته في يده، «كنا نكافح ضد النظام القديم من خلال الإنترنت. الآن، نحن محرومون من وسيلة التواصل الرئيسية بالنسبة لنا». منذ فض الاعتصام، باتت خدمة الإنترنت مقطوعة عن الهواتف الجوالة.

السلام والعدالة
بعد القمع، حلت الصدمة محل الحماسة والفرح. قُتل ما لا يقل عن 128 شخصًا خلال تفريق الاعتصام وأعمال العنف التي تلت في الأيام التي أعقبته، وفقًا للجنة الأطباء المركزية المقربة من قادة الاحتجاج. فيما تؤكد السلطات أن عدد القتلى بلغ 61.

يتحدث المغني مامان عن الاعتصام بعبارات حالمة. ويقول الشاب البالغ من العمر 28 عامًا بقامته النحيلة ومشيته المتمايلة وجدائله القصيرة، «كنت أذهب إلى الاعتصام وأعود إلى الأستوديو مفعمًا بالطاقة».

ويضيف وهو والد طفلة عمرها ستة أشهر: «لقد عبر الاعتصام بالنسبة لنا عما نريده بالضبط لحياتنا في المستقبل».

وعلى أنغام غيتار كهربائي، يغني بصوت خشن يجود بنغمات خارجة من الحلق يتميز بها مغنو الفولكلور السوداني باللهجة المحلية، قصيدة «أنغورا» التي تشكل مزيجًا من الكلمات العربية والإنجليزية: «واقف بكورك ساعة، داير سلام عدالة، تي شيرت دم لي ماما، خبرو بنيتي عن باباها».

ما زال الفنان يشعر بالصدمة لمقتل صديقه محمد مطر خلال تفريق الاعتصام. «ذكراه لا تغيب عن ذهني. أفكر به طيلة الوقت».

لقد كان مقتل مطر وراء إطلاق حملة مع وسم «أزرق من أجل السودان» (بلو فور سودان -BlueForSudanا#) التي تجاوب معها مستخدمو الإنترنت باستبدال صورهم على مواقع التواصل بدائرة زرقاء.

يقول مان «تستعرض صور الشهداء على هاتفك وفجأة ترى صورة صديقك. تقول لنفسك، مهلًا، لا، ليس هو. ثم تتحقق مرة ثانية وثالثة، فتتبين أنه هو».