«المايسترو» دراما تونسية تعالج جنوح الأطفال بالفن

المخرج التونسي لسعد الوسلاتي في العاصمة التونسية، 22 مايو 2019 (أ ف ب)

تطرق مسلسل «المايسترو» خلال شهر رمضان في تونس إلى واقع مرير قلما يتم الخوض فيه يتعلق بالأطفال الجانحين داخل سجن إصلاحي، في تناول درامي فريد يراهن على الفن كبديل من السجن بصورته القاتمة.

ولقي هذا العمل الدرامي الذي بثه التلفزيون الحكومي «الوطنية 1» استحسان النقاد ومتابعة واسعة، فيما أثار حفيظة البعض، وفق «فرانس برس».

ورصد «المايسترو» عبر عشرين حلقة، وهو أوّل الأعمال الدرامية التلفزيونية للمخرج التونسي لسعد الوسلاتي، يوميات فتيان وفتيات جانحين داخل «سجن إصلاحي» يتحول إلى عالم حيوي يسوده التفاؤل بفضل وجود أستاذ الموسيقى «حاتم».

ويقول المخرج الأربعيني «هناك أسئلة حارقة وموجعة ظلت تؤرقني لسنوات: لماذا يتم تهميش الطفولة؟ ويُزج بهؤلاء القصر كمجرمين، بدل تركهم يلعبون ويحلمون؟»

ويضيف لوكالة «فرانس برس» «اخترت أطفالًا من الشوارع ليتحدثوا بلغتهم عن معاناتهم ولنقل جزء كبير من واقع مسكوت عنه، قد يكون صادمًا ومقلقًا ومستفزًا» في تونس ما بعد ثورة 2011.

ويبرّر الوسلاتي اختياره للموسيقى كوسيلة فنية بدل «الأساليب الردعية» لتأهيل هذه الفئة الهشة، «بقوة الفن وسرعته في إحداث التغيير».

وفي تونس خمسة «مراكز إصلاح» تضم 274 طفلًا من الجنسين، تراوح أعمارهم بين 12 و17 عامًا، بحسب ما قال الناطق الرسمي لإدارة الإصلاح والسجون سفيان مزغيش.

وسبق أن نبّهت منظمات حقوقية في تونس إلى أن «السجون والمؤسسات العقابية أو الإصلاحيات لا تعتمد المعايير الدولية وتفتقر إلى آليات التأهيل والتأطير وتصنيف المساجين»، ما أدّى إلى انخراط بعض الأطفال الموجودين فيها «في تعاطي المخدرات والاستقطاب والتطرف» وإلى ارتفاع مستوى العنف.

بين مطرقة السلطة وسندان المجتمع
ويتناول سيناريو العمل الدرامي واقع أطفال داخل سجن إصلاحي يغلب عليه العنف، ويطرأ عليه تغيير جذري بمجرد اتخاذ قرار بإنشاء ناد للموسيقى فيه.  ويقول الوسلاتي «حاولت أن أكون صوتهم كي لا يتحولوا إلى مجرد أرقام، في حين أن لكل منهم حكاية مدفوعة بعوامل خارجة عن إرادتهم».

والمسلسل مستوحى من تجربة شخصية للفنان التونسي رياض الفهري قبل 26 عامًا داخل سجن إصلاحي في تونس. 

وتنقل الموسيقي رياض الفهري آنذاك بين مراكز إصلاح وتأهيل في تونس وعلّم خلالها أطفالا الموسيقى. وقدّم في ديسمبر1993 عرضًا فنيًّا ضخمًا في تونس بمشاركة أطفال الإصلاحيات أفضى إلى فوز تونس بالجائزة العالمية لحقوق الطفل.

وتشكل شخصية «حاتم» التي يجسدها الممثل التونسي أحمد الحفيان، محورًا تدور حوله باقي الشخصيات، ومن خلاله يكشف المخرج قصصًا مؤلمة لفتيان وفتيات رمت بهم ظروف اجتماعية وعائلية قاسية الى عالم الجريمة والسرقة والمخدرات والجنس والهجرة غير القانونية بالرغم من حداثة سنهم. 

ويقول لسعد الوسلاتي «إنني أدقّ ناقوس الخطر حول مآل السجناء القصر المنحصر بين مطرقة السلطة الزجرية وسندان نظرة المجتمع الإقصائية بهدف فتح نقاش واسع من أجل مستقبل أفضل لجيل الغد».

وتتخلل المسلسل مشاهد صادمة وعنيفة داخل المؤسسة العقابية حيث تدور غالبية أحداث العمل، ويبرز فيها المخرج ما يتعرض له الأطفال من سوء معاملة تصل إلى حد العزل والحرمان من النوم وزيارة الأهل ومحاولات الاغتصاب من جانب حراس.

كذلك، يبدو السجن الإصلاحي فضاء ملائمًا للاستقطاب الديني المتشدد، إذ يتطرق الى محاولات استدراج متكررة للأطفال وإقناعهم من جانب أحد المسجونين معهم بالتخلي عن نادي الموسيقى والالتزام بالأفكار المتشددة دينيًا. 

ويسعى العمل الدرامي إلى كشف «فشل» النظام في البلاد في إصلاح وتأهيل هذه الفئة الهشة من المجتمع. ففي أحد المشاهد يعترف مدير السجن الذي يجسد دوره الفنان التونسي فتحي الهداوي، بالقول «كلنا أبناء نظام فاسد لا يريد التغيير. درّسونا القوانين ولم يعلمونا كيفية ولوج قلوب الأطفال. ما أنجزه أستاذ الموسيقى في شهر لم أتمكن من إنجازه طيلة ثلاثين عامًا من العمل».

المزيد من بوابة الوسط