الدراما الليبية.. من «الهاربة» إلى «زنقة الريح»

(بوابة الوسط)

في مستهل السبعينات من القرن الماضي، كانت زيارة الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر إلى ليبيا حدثًا «دراماتيكيًّا» بامتياز، كان التلفزيون الليبي لم يمضِ على افتتاحه الرسمي سوى سنتين تقريبًا، 24 ديسمبر 1968 م، كان وقتها الأديب يوسف الشريف مديرًا عامًّا له، ولمناسبة هذا الحدث اجتمع بعناصر النقل الخارجي، للتجهيز والاستعداد، ومدى إمكانية الرهان على تغطية هذا الحدث بأنفسهم وبقدرات ليبية، اتفق الجميع على خوض هذه المغامرة - شبه المستحيلة - من المطار إلى مقر إقامته، وعلى الهواء مباشرة.

تدخلت الإذاعية عفاف زهران، التي تعمل مذيعة أخبار وربط بالقناة، صحبة الفريق الإعلامي المرافق للرئيس عبدالناصر، عند سماعهم بخبر التغطية، في محاولة منهم لحث الإدراة على التراجع عن قرار التغطية باعتبارها مغامرة غير محسوبة النتائج وتؤدي إلى عواقب وخيمة.

كان الرد حاسمًا من مديرها العام يوسف الشريف بأن تلتزم المذيعة بعملها وبأنهم ملتزمون بتغطية الحدث.

نجح الفريق في هذه التحدي، حيث كانت مدة انقطاع البث لا تتجاوز الثلاث دقائق.. في تقديري يعد هذا أول انتصار «للثقة»، ثقة المبدع الليبي بنفسه وأدواته وفنه. هنا أريد أن أنبه إلى أن الحدث يقرأ وفق سياقه الزمني.

في النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي، كان التلفزيون الليبي، لم يمض على افتتاحه الرسمي سوى عقد من الزمن تقريبًا، حيث أُسس في 24 ديسمبر 1968 م. بعد محاولات في الإخراج قدم المخرج وكاتب السيناريو حسن التركي - الله يذكره بالخير - مسلسل «الهاربة» من بطولة الفنانة حميدة الخوجة شفاها الله، اتكاء فيها المخرج على رواية « بائعة الخبز» للفرنسي كزافييه دو مونتبان، أحدث المسلسل نقلة في فضاء الدراما الليبية، في تقديري أشبه بالنقلة التي أحدثها مسلسلا ثلاثية «الضحية والساقية والرحيل» و«هارب من الأيام» في النصف الأول من ستينات القرن الماضي، من إخراج نور الدمرداش، اللذان قدمهما التلفزيون المصري، والمسلسل السوري «الحب والشتاء» الذي أنتجته استوديوهات الأرض المقدسة، ومن إخراج صلاح أبوهنود في النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي.

دعاية مسلسل «زنقة الريح» سبقت العرض بمدة طويلة

كان مسلسل «الهاربة» حدثًا مهمًّا وانتصارًا «للثقة» ثقة المبدع الليبي في أدواته. وهنا أريد أن أنبه أيضًا إلى أن الحدث يقرأ وفق سياقه الزمني.

بعد خمسة عقود من افتتاح التلفزيون الرسمي تقريبًا، الذي أُسس في 24 ديسمبر 1968 م. وبعد أربعة عقود من مسلسل «الهاربة»، قدم لنا الكاتب المخضرم عبدالرحمن حقيق والمخرج الشاب أسامة رزق مسلسل «نقة الريح» بعنوانه الفرعي «حكاية الوطن والناس»، من إنتاج وليد اللافي، الذي تبنت بثه حصريًّا قناة «سلام»، حديثة التأسيس.

كانت دعاية مسلسل «زنقة الريح» سبقت العرض بمدة طويلة، منذ أيام التجهيز الأولى، وعقب تصوير المشاهد الأولى، عبر الممثلين الذين شاركوا في العمل، وعبر مواقع التواصل الإجتماعي، كما كانت دعايته متزامنة مع إعلان انطلاق قناة «سلام» التي أقرت إعلان إشهارها مقترنًا مع بث المسلسل حصريًّا، في أول أيام شهر رمضان الكريم، ولكن لأسباب نجهلها، يخرج علينا مخرج العمل أسامة رزق عبر صفحة القناة، ليعلن إيقاف بث العمل، مراعاة وتضامنًا لما تمر به البلاد من أزمة، وتعاطفًا مع المهجرين، في إعلان قصير يفتقر إلى الإقناع والمنطق للأسباب الآتية..

أولًا: الحالة الإبداعية لا توقفها الكوارث ولا الحروب لأنها بكل بساطة كانت ولا تزال شاهدًا حقيقيًّا على سبر أغوار عصرها، بتفاصيل أفراحه وأتراحه، وبأن المبدع ملزم بأن يؤدي رسالته «الثقافية، الجمالية، البصرية» مقاومة للخراب والقبح، ومساهمًا في تنميته الوعي عند المتلقي، والرقي بذائقته الفكرية والجمالية والبصرية.

ولو تم الأخذ بهذا المفهوم لما وصلنا إرث الإبداع الإنساني، الذي خرج إبان الحرب الأهلية الإسبانية وبعدها ( 1936 - 1939 م )»، بيكاسو، ولوركا ، ولا الإرث الذي خرج من رحم الحربين العالميتن ( 1914 - 1918 م و 1939 -1935 م )، التي أنتجت عديد التيارات والمدارس الفنية وأنتجت عدة رموز أمثال بريخت، يونيسكو، وشابلن.. ولما وصلنا الإرث الذي أنتجه المبدعون أثناء الحرب اللبنانية، هنا أكتفي بإبداعات زياد الرحباني والشواهد عديدة، وما ستنتجه هذه الحرب من أعمال.

ثانيا: المخرج قدم هذا العمل وفقًا لعقد مبرم بينه وبين المنتج وليد اللافي صاحب الحق الوحيد في تسويق العمل أو إيقافه.

كنت أتمنى أن المخرج تجنب الخروج في هذا الإعلان، خاصة أن القناة التي لها الحق الحصري في البث تداركت الأمر وأعلنت بثه في العاشر من رمضان نزولًا عند رغبة الجمهور كما روجت، مع عدم تغير الأسباب التي من أجلها أوقف المسلسل.

هي مغامرة كبيرة من الكاتب والمخرج وفريق العمل

ينتمي مسلسل «زنقة الريح» - الذي كتبه عبدالرحمن حقيق العام 2009 م - للدراما التاريخية، فهو يحاكي فترة الإدارة الإنجليزية، وهي مغامرة كبيرة من الكاتب والمخرج وفريق العمل، فقد كان العمل تحديًّا كبيرًا لكل فريق العمل. ربما كان الدخول في عمل ينتمي للتاريخ الإسلامي، أكثر يسرًا من الخوض في مسلسل ينتمي لهذه الحقبة من تاريخ ليبيا الحديث، حيث وفرة المراجع المرئية والسينمائية للفترة الإسلامية، وافتقادها وشحها في فترة الأربعينات من القرن الماضي، زمن الأحداث التي يدور فيها المسلسل.

ليس أمام فريق العمل سوى البداية من نقطة الصفر لإنجاز هذا العمل، هذا وحده يعد مجهودًا جبارًا أثقل كاهل فريق العمل دون شك.

العمل رغم انتمائه للأعمال التاريخية، ولكنه لا يصنف ضمن الأعمال التسجيلية التوثيقية، إنما «يحاكي» تلك الفترة من أربعينات القرن الماضي، فقد استلهم الكاتب من تلك الفترة، الأحداث، والشخوص التي تصنع الأحداث، والتي تصنعها الأحداث، من خياله، وبرؤيته الخاصة، رؤية المبدع الذي يسكنه، وقدمها المخرج، بعد المعالجة الدرامية التي قدمها صحبة عبدالرؤوف شاكونة، التي من مهامها إضافة، وإثراء، وتعميق عمل المؤلف - الذي ينتهي دوره بعد تقديم النص للمخرج - ففي هذه الحالة، لا نحاسب المخرج على عدم الالتزام بالتفاصيل الدقيقة، والصغيرة، التي ربما تعيق رؤيته العامة لو التزم بها، وأيضًا من حقه استعارة مفردة معاصرة، أو جملة موسيقية، لا تنتمي لذلك العصر، ولكنها تحاكي روح العمل، أو استعارة حدث لإدخاله في سياق عمله، طالمًا يساهم في خدمة الرؤية العامة الفكرية أو الجمالية للعمل بوعي مدروس - كما تعامل العقاد مع «الزكرة» الليبية في شريط الرسالة - إنما نحاسبه على إيقاع العمل وتسلسل الأحداث وتطورها، وحركة ولغة الكاميرا، والتقطيع، والمونتاج، وأداء الممثلين....إلخ..
فنحن هنا لا نستطيع محاسبة شكسبير، على خلقه أماكن، وملوكًا، وأمراء، وعشاقًا، من بديع خياله، لا وجود لهم في الواقع، ولا نحاسب مخرجين، تعاملوا مع شخصياته التاريخية، بملابس معاصرة، و لغة معاصرة، وموسيقى معاصرة، وهذا هو جوهر الإبداع، مشرع أبوابه لكل الرؤى والقراءات..

يعد في تقديري من العلامات الفارقة والنقلات المهمة التي انتصرت فيها الثقة

بعد خمسة عقود من افتتاح التلفزيون الليبي 24 ديسمبر 1968 م، وبعد أربعة عقود من مسلسل «الهاربة» النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي، يهدي لنا فريق عمل «زنقة الريح» وإدارة إنتاجه، عملًا مكتملًا، متجانسًا، صارمًا، وحقيقيًّا، الذي يعد في تقديري من العلامات الفارقة والنقلات المهمة التي انتصرت فيها «الثقة» ثقة المبدع بأدواته وبروحه المبدعة..

كان الرهان متبادلًا بين تباين الأجيال، جيل الشباب الذي راهن على دعم المخضرمين وذوي التجربة لهم، وجيل المخضرمين الذين راهنوا على ملكة وقدرة هذا الجيل على امتلاك الرؤية والمغامرة نحو الفضاء الإبداعي الرحب..

أحب أن أسجل تقديري لمخرج العمل الذي أوجد لعمله منتجًا مغامرًا لإظهار عمله بالصورة المثالية، كما أسجل تقديري لتفهم ورحابة المنتج وليد اللافي، حيث نتمنى من مقدمي الأعمال القادمة أن تكون لهم هذه البداية الجديدة للمرحلة الدرامية الجديدة سقف إرتكاز لهم في قادم أعمالهم.

التقدير موصول لمنتجي المسلسلات الدرامية الجادة الرصينة التي أُنتجت بروح مبدع حقيقي، الأعمال التي سبقت مسلسل «الهاربة» والأعمال الجادة والرصينة التي أنتجت بذات الروح التي، تم تنفيذها بين قوسي «الهاربة» و«زنقة الريح»، نحن ندرك جميعًا أن هذه الأعمال هي الأساس والمرجعية الأولى التي أوصلت الدراما الليبية إلى أيقونتي الدراما الليبية «الهاربة» و«زنقة الريح».
 

المزيد من بوابة الوسط