السياسة تشعل مواهب فناني الغرافيتي في السودان

رساما الغرافيتي السودانيان أمير صالح (يمين) وبلال عبد الرحمن أمام جداريات على مقربة من مقر القوات المسلحة في الخرطوم في 22 أبريل 2019 (أ ف ب)

تمثل الأحداث السياسية في العالم العربي فرصة للتعبير بطرق مختلفة ومنها الرسم مثلًا، وهذا ما يحدث في السودان.

إذ شكلّت إطاحة الرئيس عمر البشير فرصة لفناني الغرافيتي للتعبير عن أنفسهم بحرية على جدران العاصمة، بعدما كان هذا الفن مقيدًا بشدة خلال ثلاثة عقود حكم فيها الرجل البلاد بقبضة من حديد، حسب «فرانس برس».

ويؤكد لطفي عبد الفتاح أن «الثورة غيَّرت كل شيء» بعدما كان مستحيلًا إقامة أي رسوم على الجدران من دون الاستحصال على إذن رسمي.

وبات في إمكان رسام الغرافيتي السوداني، هذا كما جميع زملائه في البلاد، إطلاق العنان لمخيلتهم بعدما كان ذلك متعذرًا إبان حكم البشير.

واستحالت الجدران الرمادية سابقًا في مقر القيادة العامة للقوات المسلحة في الخرطوم لوحة كبيرة لتفجير مواهب رسامي الغرافيتي الذين استولوا أيضًا على جدران أخرى كثيرة في العاصمة للتعبير عن فنهم.

وتظهر الرسوم الجدارية في مقر القوات المسلحة متظاهرين يضمون قبضاتهم أو يرفعون إشارة النصر. وفي 11 أبريل، بعد أربعة أشهر على انطلاق موجة احتجاجات شعبية غير مسبوقة، أطاح الجيش السوداني الرئيس البشير الذي حكم البلاد من دون منازع منذ 1989.

وقرب مقر القوات المسلحة، الذي لا يزال المتظاهرون يتوافدون إليه ليلًا نهارًا للمطالبة بالانتقال للحكم المدني، رُسمت أعلام سودانية وأعمال فنية تظهر قادة الاحتجاجات.

ويقول لطفي عبد الفتاح البالغ 35 عامًا والمتخصص في الفنون الجميلة: «إن هذه الرسومات ستترك أثرًا لا يمحى في نفوس الناس حتى لو أُزيلت عن الجدران يومًا ما».

وفي السودان، كان فن الغرافيتي يمارَس في الخفاء لسنوات طويلة في ظل رقابة مشددة من القوى الأمنية التي تنظر إليه كرمز للمعارضة ضد النظام القائم أو كشكل من أشكال التخريب.

غير أن الوضع تغيَّر في 6 أبريل حين تجمَّع المتظاهرون بالآلاف أمام مقر القيادة العامة للقوات المسلحة رغم إطلاق القنابل المسيلة للدموع، لمطالبة العسكريين بإسقاط الرئيس البشير.

ومنذ اليوم التالي لهذا التجمع، بدأ فنانون برسم أعمال فنية على جدران العاصمة.

ويوضح أمير صالح، البالغ 26 عامًا، لدى إنجازه رسم غرافيتي على أحد جدران مقر القوات المسلحة أن «الناس يحبون رسوماتنا واعتبرنا أنه يجب علينا البدء بالرسم على كل الجدران».

ويشير إلى أن «كل هذه الجدران كانت خالية. قمنا مع فنانين آخرين بتغطيتها برسوم الغرافيتي»، مضيفًا: «نريد ببساطة أن نروي ما يحصل هنا».

وشارك صالح في التجمعات المناوئة للحكومة منذ انطلاق الحركة الاحتجاجية في ديسمبر إثر قرار السلطات زيادة سعر الخبز بواقع ثلاثة أضعاف. وهو يشير إلى أن الكثير من الرسوم الجدارية مستوحاة من الشعار الرئيسي للحركة «حرية، سلام، عدالة». ويؤكد أن «الثورة يجب أن تستمر» لأن «الحرية والأمن على المحك».

كما يسعى بعض الفنانين من خلال رسوماتهم التأكيد على سلمية الحركة الاحتجاجية، إذ يظهر أحد الأعمال قبضة يد تواجه قذيفتين كبيرتين.

ويلفت بلال عبد الرحمن (26 عامًا) خلال إنجازه رسمًا جداريًّا بصحبة فنانين آخرين إلى أن «هذا الأمر يظهر ببساطة أن تصميم الشعب على إسقاط البشير كان أقوى من الرصاص الذي واجهت به قوات الأمن المتظاهرين».
كما أنجز رسامو غرافيتي جدارية تظهر سلاحًا مع وردة حمراء تبدو وكأنها تسكت مدفعًا، وفق «فرانس برس».

ويسعى الفنانون بذلك إلى التذكير بالقمع الدامي من قوات الأمن قبل سقوط البشير. وبحسب حصيلة رسمية، قضى 65 شخصًا منذ اندلاع الاحتجاجات في ديسمبر. ويؤكد عبد الرحمن أن «التظاهرات سلمية وستبقى كذلك».

وينشر عبد الفتاح رسوماته على جدران العاصمة منذ أكثر من عشر سنوات متحديًا الصعاب والمخاطر. وهو يأمل حاليًا في التركيز عبر أعماله على مستقبل السودان الذي يحلم بأن يكون مشرقًا.

ويقول: «أمثل عمومًا السودان كبلد مكسو بالأشجار الوافرة والأزهار لأظهر أن لديه الكثير ليقدمه». ورغم أن رسامي الغرافيتي سعداء بأول نسمة حرية تلفح البلاد، لكنهم يشكون جميعًا من النقص في المعدات.

ويوضح عبد الرحمن أن رسوم الغرافيتي تنجز عادة بعبوات الرذاذ، لكنها غير متوفرة في السودان واستيرادها مكلف للغاية، لذا فهو يستخدم كزملائه أساليب الرسم التقليدي.

وتدهور الوضع الاقتصادي في السودان على مر السنوات الماضية في ظل النقص الخطير في العملات الأجنبية.

كما أن الحركة الاحتجاجية من شأنها أن تضعف الاقتصاد بصورة أكبر، غير أن ذلك لن يثبط عزيمة المتظاهرين ولا الفنانين. ويقول صالح: «نريد السودان بلدًا أكثر انفتاحًا يقبل الفن ويروِّج لحرية التعبير».

المزيد من بوابة الوسط